الفساد حتى النخاع : «التطهير».. الحاضر الغائب فى ثورة الشعب على «النظام»

الفساد حتى النخاع : «التطهير».. الحاضر الغائب فى ثورة الشعب على «النظام»
«نعلم أن مشاعر الإحباط من الفساد جعلت الناس تخرج إلى الشوارع فى العالم العربى، إلا أن هذه الدول التى وقع فيها تغيير كبير تحت اسم الربيع العربى، لم تتغير بها الأوضاع، إنما ازدادت سوءاً فى إجراءات مكافحتها للفساد، من بينها مصر التى تراجعت فى قائمة مؤشرات مكافحة الفساد فى التقرير السنوى لمؤسسة الشفافية الدولية بواقع 6 مراكز». كانت هذه كلمات كريستوفر فيلكه، مدير الشفافية الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعليقاً على تقرير المؤسسة الصادر عام 2012، أى بعد عام على اندلاع ثورة 25 يناير.
الخبراء وصفوا تقرير المؤسسة -آنذاك- بـ«الصادم»، حيث تراجع ترتيب مصر من المركز 98 بالتقرير الصادم عام 2010 إلى المركز 112 فى عام 2011، ليتراجع مرة أخرى من 112 إلى المركز 118 فى عام 2012، ورغم أن مصر تقدمت فى الترتيب بالتقرير الصادر عن نفس المنظمة لعام 2013 لتصل إلى المركز 114، فإنه أكد أن مصر لم تحسّن الإجراءات التى تتخذها فى إطار مكافحة الفساد ونزاهة واستقلال القضاء وتشريع قوانين جديدة، مثل حق الوصول إلى المعلومات وحماية المبلغين.
وتعرّف المنظمة التى تعد أكبر منظمة غير حكومية فى العالم لمحاربة الفساد، «الفساد» بأنه «استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، وهو ما ينتج عن الثغرات القانونية وغياب الإرادة السياسية لدى الحكومات، وهو ما يترتب عليه نشر الفساد، بداية من الفساد المحلى الذى يتحوّل بعد ذلك إلى فساد عابر للحدود».[SecondImage]
تراجع مؤشرات مصر فى مكافحة الفساد، كانت له عدة عوامل، أبرزها مجموعة القوانين التى تم إصدارها بعد الثورة مباشرة، خصوصاً التى تتعلق بالجوانب الاقتصادية، حسب كلام محمد عادل سليمان، الباحث فى المركز المصرى للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، التى وصفها بأنها استمرار لسياسات «مبارك» الاقتصادية، التى تعطى حقوقاً للمستثمرين تطغى على حقوق الدولة والعاملين بها.
ويقول «سليمان»: «قامت الحكومات المتتالية بعد الثورة بتعديل تشريعاتها بشكل يسهل التصالح مع الفساد، ويتخطى أحكام القضاء المصرى، وبذلك أخلّت بسيادة القانون وأهدرت حق المواطن فى محاسبة الفاسدين، ورسّخت لمبدأ صريح، هو أن الفساد ليس جريمة».
ويضيف «سليمان»: «من ضمن القوانين التى جرى تعديلها، والتى ترسّخ للفساد قانون رقم 8 لسنة 1997، الذى تم تعديله بمرسوم قانون رقم 4 لعام 2012 والمسمى بقانون التصالح مع المستثمرين وأعطى الحق للهيئة العامة للمناطق الحرة والاستثمار بتسوية حالات الغش فى الاستثمار والسرقة والفساد خارج المحكمة الجنائية، مما أبطل الإجراءات الجنائية ضد الفاسدين، مغيراً بذلك على سيادة القانون»، لافتاً إلى أن هذا القانون تم إقراره فى عهد المجلس العسكرى، وتم تطويره فى عهد محمد مرسى بحجة تسهيل إجراءات التصالح مع المستثمرين، وما زال العمل به مستمراً حتى الآن.
ويستطرد «سليمان»: «لم يتغير الحال بعد رحيل الإخوان، ففى عهد الرئيس عدلى منصور تم إقرار بعض القوانين التى تشكل إهداراً لممتلكات الدولة وتدخلاً فى إطار حماية المستثمر، كان فى مقدمتها قانون 32 لسنة 2014، الخاص بعدم جواز الطعن على العقود التى تبرمها الدولة مع المستثمرين بالإضاقة إلى تعديلات بعض القوانين، كقانون المزايدات والمناقصات».
ويعلق «سليمان» على القانون رقم 32 لسنة 2014، قائلاً: «صدور مثل هذا القانون يعد إهداراً لحق العمال والمدافعين عنهم، كما أن إقراره يترتب عليه وقف كل الطعون المنظورة حالياً أمام محكمة القضاء الإدارى، بما يترتب عليه من تحصين تعاقدات الدولة السابقة والاستمرار بإبرام المزيد من التعاقدات التى تهدر أصول الدولة وثرواتها الطبيعية، كما أنه سيسمح بتطبيق هذا القانون على القضايا التى حصلت على حكم نهائى بأثر رجعى، مثل قضية (عمر أفندى) و(طنطا للكتان) و(غزل شبين) و(المراجل البخارية)، و(النيل لحليج الأقطان)، و(العربية للتجارة الخارجية)».
ولفت «سليمان» إلى أن الفساد فى مصر لا يتمثل فقط فى حزمة القوانين التى تقنن الفساد فحسب، وإنما يتمثل أيضاً فى دولاب العمل الحكومى الذى وصفه بـ«المهترئ»، مؤكداً أن هناك الكثير من العاملين بالدولة، بداية من أصغر عامل حتى الطوائف المرموقة فى الدولة أصبحوا سماسرة فساد بحكم العادة.
واستشهد «سليمان» بقيام أغلب أساتذة الجامعات بعدم تعيين أوائل الدفعات لعلمهم أن أوائل الدفعات لو رفعوا دعوى قضائية سيكسبونها، وسيتم تعيينهم فى الجامعة، وبالتالى يلجأ الأستاذ الجامعى إلى تعيين الطالب الحاصل على المركز الرابع أو الخامس، متحايلاً على القانون، وعلى عدم وجود درجات وظيفية خالية، قائلاً: «بسؤال أساتذة الجامعات عن سبب قيامهم بذلك يكون ردهم: كده كده الأوائل هيتعينوا لو رفعوا قضية، والدولة لا توفر درجات وظيفية، لذلك يقومون بتعيين غير الأوائل، حتى يمنحوهم فرصة، حسب قولهم».
وعلى الجانب الآخر، يرى صبرى محمد، مدير البرنامج العربى لنشطاء حقوق الإنسان، أن السبب وراء تراجع مصر فى المؤشرات الدولية لمكافحة الفساد بعد الثورة، يعود إلى زيادة معدلات الكشف عن الفساد، وزيادة الوعى لدى قطاع كبير من المواطنين المصريين، سواء كانوا موظفين فى الدولة أو إعلاميين، على عكس نظام «مبارك»، حيث كانت السلطات تتعمد طمس دوائر الفساد.
ويقول «صبرى»: «لا يمكن ربط زيادة معدلات الفساد بالثورة، خصوصاً أن الثورة المصرية لم تحكم بعد، وما مرت به مصر خلال السنوات الثلاث السابقة ما هو إلا فترة انتقالية، فمنذ قيام ثورة يناير وحتى 30 يونيو 2014، ما هى إلا فترة انتقالية، أما الكلام عن الفساد وحساب مدى زيادته من عدمه، فيمكن رصده خلال فترة الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى، ومعرفة معدلات الفساد الحقيقية داخل الدولة».
وطالب «صبرى» الرئيس الجديد بضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمكافحة الفساد والحد منه، يأتى فى مقدمتها ضرورة تشكيل لجنة قانونية متخصصة لإجراء تعديلات على بعض القوانين المصرية، خصوصاً التى ظهرت خلال الفترة الانتقالية وساعدت على زيادة الفساد، ومن ضمنها قانون عدم جواز الطعن على العقود المبرمة بين الدولة والمستثمرين وغيره من القوانين، كما تقوم تلك اللجنة المتخصصة باقتراح تعديل القوانين، لحين انتخاب مجلس النواب.
وأشار «صبرى» إلى ضرورة تشكيل هيئة عامة موحدة تكون مختصة بفض الاشتباك بين الأجهزة الرقابية المعنية بمكافحة الفساد، والتى وصل عددها فى مصر إلى 26 هيئة، على رأسها الجهاز المركزى للمحاسبات التابع لرئاسة الجمهورية، وجهاز حماية المستهلك التابع لوزارة التموين وغيرهما من الأجهزة الرقابية الأخرى.
وأوضح مدير المركز العربى، أهمية فصل الأجهزة الرقابية عن السلطة التنفيذية، حتى تعمل بشفافية وحرية بعيداً عن السلطة التنفيذية، فكيف تستطيع تلك الأجهزة كشف فساد هيئة تقع تحت إشرافها، مستشهداً بالجهاز المركزى للمحاسبات التابع لرئاسة الجمهورية، مُقترحاً أن تكون تلك الجهات تحت إشراف مجلس النواب.
وأكد «صبرى» أهمية وجود خطة وطنية تتبناها الدولة لمكافحة الفساد والرشوة والمحسوبية، وذلك من خلال حزمة قوانين داعمة لهذا التوجه، مثل وضع قوانين تحمى المبلغين عن الفساد وتشجيع المجتمع المدنى للقيام بدور فعّال فى مواجهة الفساد.
وكانت مصر قد جرى تصنيفها بأنها من أكثر الدول التى يسيطر عليها الفساد فى القطاع الحكومى والجهاز الإدارى بالدولة، وفقاً لمدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية.
أخبار متعلقة
«هى دى مصر يا ريس»..«الوطن» ترسم صورة واقعية لأزمات البلد وتضعها على مكتب «السيسى»
لا تربية ولا تعليم.. المدارس «خرابات كبيرة».. والمهمة: قتل المستقبل
منهج لكل محافظة يشترك المدرس فى وضعه.. ومدارس بلا أسوار
الداء بلا دواء..مستشفيات الحكومة.. موت وذل على نفقة
الدولة
التأهيل والتدريب وتغيير الثقافة فى مقدمة الاحتياجات
المصانع.. جثث هامدة : «صنع فى مصر».. جملة «تاريخية» فى طريقها إلى زوال
«دمياط» فى قلب المعاناة: مدينة العمل والإبداع تواجه شبح البطالة والأزمات
الأمان المفقود.. إرهاب الإخوان وبؤر البلطجة وانتشار الأسلحة.. إنها الحرب
بعد 3 سنوات من الغياب.. «لجان الرعب» تبحث عن «جنة الأمان»
جيش البطالة.. الأب بلا وظيفة.. والأبناء «2 نايمين وقهوجى وديليفرى»
الفساد حتى النخاع : «التطهير».. الحاضر الغائب فى ثورة الشعب على «النظام»
اختارتها «نيويورك تايمز» ضمن أشجع 150 سيدة فى العالم
الأرض «عطشانة».. الفلاح على الأرض «البور»: الزرع بيموت.. واحنا معاه
«حميدة» أصغر مرشد زراعى فى المحمودية: «الدورة» هى الحل
الدستور يلزم الدولة بتوفير فرص عمل للشباب.. ياالله !