لا تربية ولا تعليم.. المدارس «خرابات كبيرة».. والمهمة: قتل المستقبل

لا تربية ولا تعليم.. المدارس «خرابات كبيرة».. والمهمة: قتل المستقبل
العديد من المدارس فى محافظات مختلفة عبارة عن مبانٍ منهارة متهالكة، وأحوالها لا تسر عدواً ولا حبيباً، فبدلاً من أن يستقبل التلاميذ يومهم الدراسى فيها بالهواء النقى والعقل المتفتح، تقابلهم رائحة القمامة وانسداد الأمل فى غد أفضل.
«الوطن» ترصد الحالة السيئة التى باتت عليها بعض مدارس مصر وتسلط الضوء عليها، فى بداية مرحلة تاريخية جديدة، يأمل الجميع فيها أن يكون فى بدايتها اهتمام بـ«تطوير التعليم».
فى مدرسة باكوس الابتدائية، التابعة لإدارة شرق التعليمية بالإسكندرية، كنموذج لإحدى المدارس التى تعانى داخلياً وخارجياً من الإهمال بالمحافظة؛ حيث استغل الباعة الجائلون سور المدرسة ليكون مقراً لبيع بضاعتهم، وأقاموا الأكشاك ليصبح المبنى التعليمى مقراً للباعة الجائلين، وتقف الإدارة التعليمية عاجزة أمامهم غير قادرة على إزالة هذه الأكشاك أو حماية سور المدرسة أو حتى تلاميذها.
نجلاء سعيد، من أولياء الأمور، أشارت إلى أن المدرسة نموذج للإهمال بكل معانيه لدرجة أنها تنبه على أبنائها بعدم دخول حمامات المدرسة، خوفاً على صحتهم أو انتقال العدوى لهم بسبب عدم نظافتها، إضافة إلى الشكوى الدائمة لمدير المدرسة أثناء سير الدراسة من القمامة المتراكمة أمام المدرسة، دون جدوى.[FirstQuote]
فى السياق نفسه، قال أيمن خالد، مدرس عضو لجنة تسيير الأعمال بنقابة المعلمين: إن حال مدارس المحافظة، مثلها مثل باقى مدارس الجمهورية، غير صالحة للعملية التعليمية، وكثير من المبانى التعليمية متهالكة بسبب بقائها منذ سنوات دون ترميم، لافتاً إلى أن ترميم سلالم مبنى يحتاج إلى سنوات حتى ينتهى ويظل الطلاب والمدرسون داخل المدرسة يمارسون أعمالهم وسط عمليات الترميم.
وقال الدكتور محسن زمارة، وكيل أول وزارة التربية والتعليم، لـ«الوطن»: إن ترميم المدارس وتجديدها وإصلاح ما بها من مبانٍ متهالكة أو حمامات يجرى بالفعل فى كثير من المدارس، وهناك ميزانية لهذا الأمر، جرى الحصول عليها من محافظة الإسكندرية، لإصلاح جميع المبانى المتهالكة، وبالأخص المدارس القديمة.
وأضاف أن أكوام القمامة المتراكمة أمام المدارس بجميع الأحياء ليست مشكلة تربية وتعليم بل مشكلة محافظة بأكملها، مشيراً إلى أن العمال يحاولون إبعادها، لكن بعض ساكنى المنطقة يضعون الصناديق والمخلفات وأكياس القمامة بجوار أسوار المدارس. [SecondQuote]
وفى مدرسة المركزية للتعليم الأساسى بمركز بلقاس فى الدقهلية، التى تخدم أطفال 9 قرى بالمنطقة فى جميع مراحل التعليم، بعد أن أضافت إليها مديرية التربية والتعليم طلاب الثانوى التجارى فى 42 قرية بمنطقة حفير شهاب الدين، تكمن كارثة كبيرة تتمثل فى أن هيئة الأبنية التعليمية لم تقُم بصيانتها منذ ربع قرن. وتوجد 3 طوابق، فى كل واحد منها 6 فصول، ولا تحتوى على خزانات للمياه ولا شبكة حريق، والفصول دون كهرباء، أما الحمامات فحدث ولا حرج؛ فقد جرى بناؤها فى فناء المدرسة لتستوعب الكثافة الطلابية وسرعان ما تحولت إلى مأوى للفئران والثعابين.
ويقول رزق فرج، أحد أولياء الأمور: إن إضافة المرحلة التجارية كفترة ثانية فى المدرسة أدى إلى تهالك المقاعد الموجودة بها، فلا يمكن أن يجلس طلاب 3 مراحل، ابتدائية وإعدادية وثانوية، على مقعد بمقاس واحد؛ فطالب الثانوى له مقعد بمواصفات مختلفة، وعندما يجلس على نفس المقعد يحطمه، ولا يوجد مقعد واحد سليم بالمدرسة.
وأضاف: المسئولون لا يرغبون فى تحمل مسئولية صيانة المدرسة ومدها بشبكة كهرباء وحريق وكمبيوتر، ويتقاعسون عن تقديم طلبات لصيانتها؛ لذلك قام مجلس الأمناء بتقديم طلبات إلى الإدارة التعليمية ومجلس المدينة لصيانة المدرسة منذ ثلاث سنوات، وحصلنا على وعود متكررة دون تنفيذ.
وروى محمود المنسى، طالب بالصف الثانى الإعدادى، معاناته فى فصل الشتاء، وقال: إن التلاميذ يعانون البرودة الشديدة فى الفصول التى تحطمت نوافذها ونزول المطر من السقف فى الدور الثالث.
وقال السيد عبدالرحمن، ولى أمر: «إن شبكة الصرف الصحى انفجرت فى العام الماضى لأنها غير مطابقة للمواصفات، ولم يتحرك أحد من المسئولين لحل المشكلة، وتجمعت المياه فى فناء المدرسة وخلف المبنى الرئيسى، وتحولت المدرسة إلى مستنقع من الصرف الصحى الذى يهدد سلامة المبنى نفسه».
وقال أحد المدرسين: «إن المدرسة بها عجز شديد بالمدرسين. ويرفض أى مدرس من خارج المنطقة الحضور للمدرسة، بسبب بُعد المسافة وسوء الطرق، وتقدمنا بمذكرة لمديرية التربية والتعليم، للموافقة على عمل عدد من المدرسين من أبناء المنطقة بالحصة بها، إلا أنها رفضت وطالب البعض بالتطوع للتدريس للطلاب، إلا أن المديرية أيضاً رفضت، وللأسف لا يحصل الطالب على احتياجاته التعليمية من المدرسة ويعتمد بالكامل على الدروس الخصوصية».
واعترف مصدر مسئول بمديرية التربية والتعليم، رفض ذكر اسمه، بالتقصير تجاه المدرسة، وقال: إن المشكلة أنها تابعة للمعونة الأمريكية ولها معاملة خاصة، غير المدارس التابعة لهيئة الأبنية التعليمة ونطالب كل عام بإدراجها فى خطة الصيانة ولكن دون اهتمام من أحد.
وفى مساحة لا تتجاوز المائة متر يقع مبنى مكون من طابقين، له سقف من جريد النخيل لا يحمى من مطر أو يمنع دخول الأتربة، يحتوى على 7 حجرات لا تتجاوز مساحة الواحدة منها 10 أمتار، مقسمة إلى 4 فى الطابق الأول، يفصلها طرقة، و3 فى الطابق الثانى، إحداها من الخشب والثانية من جريد النخيل.
الحجرات الست عبارة عن فصول دراسية لكل فرقة من الصف الأول إلى السادس، وحجرة يجلس بها الإداريون والمعلمون ومدير المدرسة التى تتسع لـ350 طالباً، كثافة كل فصل تزيد على 50 طالباً، يتكدسون فى فصل 10 أمتار، أما الفناء فعبارة عن «فَسَحة» أمام المدرسة التى تقع تحت شريط السكة الحديد، يقف الطلاب فى الطابور بينما يمر القطار بجوارهم. والأصعب فى هذا الأمر كله هو وجود دورتى مياه فقط أسفل السلم، الأمر الذى يضطر الطالب إلى قضاء حاجته بجوار سور المدرسة فى الفسحة وبراحته!
هذا هو حال مدرسة عزبة كريم الابتدائية المشتركة، التى تبعد عن مدينة أسيوط 10 كيلومترات تقريباً، وتضم طلاباً من 4 عزب، وهى «عزبة كريم، أبو لبو، أبوزيد، عبكة، النجارين».
أولياء أمور الطلاب أبدَوْا لـ«الوطن» تذمُّرهم من حال المدرسة الذى لا يصلح للحالة التعليمية، مشيرين إلى أنه بيئة طاردة ومكمن خطر على حياة أبنائهم، مطالبين «التربية والتعليم» ببناء مدرسة جديدة.
ويقول حمدى سليمان، أحد أولياء الأمور، إن «المدرسة تفتقد مقومات السلامة، فهى تقع أسفل شريط السكة الحديد دون عازل أو سور»، مشيراً إلى أن السكة الحديد عندما بدأت تطوير المزلقانات فى نهاية العام الماضى وعملت سوراً عبارة عن كتل خرسانية لشريط السكة الحديد لم يصل السور إلى المدرسة، وأضاف أن «المبنى قديم يتجاوز عمره 100 عام، وآيل للسقوط».
ويقول صلاح جلال، مدير المدرسة: «لا تتخيلين مدى المعاناة التى نعانيها فى هذه المدرسة، فوجودها تحت شريط السكة الحديد دون عازل أو سور، إضافة إلى عدم وجود فناء، يجعل أعيننا فى وسط رأسنا وقت الفسحة، فالطلاب يقضونها فى الشارع وأمام المدرسة نظراً لعدم وجود فناء، كما يقضون حاجتهم أيضاً خارج المدرسة، علاوة على أن التلاميذ يجلسون كل 4 فى مقعد واحد، والباقى يجلس على الأرض». ويضيف: «تقدمنا بطلبات متعددة للمديرية، وطالبنا هيئة الأبنية بمدرسة جديدة، خاصة أن هذه المدرسة مؤجرة من الأهالى ولا يمكننا تجديد أى شىء فى المبنى دون إذن المالك وبالطبع سيرفض».
وعن حصة التربية الرياضية أجاب مدير المدرسة أن «التلاميذ يقضونها فى الفصل نتيجة لعدم وجود فناء، أما الأنشطة فلا وجود لها أساساً».
ويضيف مخيمر فتحى عبدالعاطى، وكيل المدرسة، أن «أغلب التلاميذ وهم ما يزالون فى سن صغيرة يأتون من الناحية الغربية للسكة الحديد، وبالتالى فهم يمرون على الطريق السريع وخط السكة الحديد وترعة الإبراهيمية، وهناك العديد من الحوادث التى حدثت جراء ذلك، وآخرها فى بداية العام الدراسى السابق حيث توفيت طالبة بسبب حادث سيارة، وعندما طالبنا ببناء مدرسة فى عزبة كريم غرب السكة، طالبونا بالتبرع بأرض والأرض سعرها غالٍ، فطالبناهم بأن يقوم الأهالى بشراء جزء وهيئة الأبنية تتحمل قيمة الباقى، فرفضوا! عايزينا نجيب الأرض كلها، وقالوا لنا فى الهيئة: إحنا ما بنشتريش، إحنا بنبنى فقط».
ويقول حمدى محمود سليمان، ولى أمر أحد التلاميذ بالمدرسة، إن نجله كان من بين من تعرضوا لحوادث السيارات أثناء ذهابهم للمدرسة فى يناير الماضى، وأُصيب بكسر فى الساق ومفصل الكتف وتم تركيب شريحة ومسامير له، مشيراً إلى أن تلاميذ آخرين أصيبوا فى الحادث مع نجله، وأن الحوادث تتكرر يومياً، ويقع بسببها مصابون من الطلاب الأطفال.
ويقول عبدالفتاح أبوشامة، وكيل مديرية التربية والتعليم بأسيوط: «إن هذه المشكلة تؤرق المديرية لأنها ليست فى المدرسة فقط، بل فى جميع المدارس المؤجرة من الأهالى، والبالغ عددها 152 مدرسة، لأن كثيراً من المعلمين يرفضون الذهاب إلى مثل هذه المدارس، لأنها تعانى نقص المقومات التربوية التى لا يستطيع المعلم، خاصة معلم التربية الرياضية، القيام فيها بعمله»، مشيراً إلى أن محافظ أسيوط أمر بتشكيل لجنة برئاسة وكيل مديرية التربية والتعليم وعضوية كل من رئيس المدينة ورئيس الوحدة المختص الواقعة بها المدرسة وهيئة اﻷبنية التعليمية وعضو الجهاز التفتيشى للمحافظة وكذلك عضو لجنة المتابعة ومسئول هيئة أملاك الدولة بالمحافظة - للمرور على جميع المدارس المؤجرة ودراسة حالة كل مدرسة ومدى مطابقتها للمواصفات القياسية للعملية التعليمية، على أن يجرى عمل استمارة تقييم لكل مدرسة ومدى صلاحيتها للعملية التعليمية، من حيث حالة المبنى واﻷسوار والفناء ومدى توافر البدائل للمدارس المؤجرة، وجارٍ إعداد تقرير لرفعه إلى محافظ أسيوط.
أخبار متعلقة
«هى دى مصر يا ريس»..«الوطن» ترسم صورة واقعية لأزمات البلد وتضعها على مكتب «السيسى»
لا تربية ولا تعليم.. المدارس «خرابات كبيرة».. والمهمة: قتل المستقبل
منهج لكل محافظة يشترك المدرس فى وضعه.. ومدارس بلا أسوار
الداء بلا دواء..مستشفيات الحكومة.. موت وذل على نفقة
الدولة
التأهيل والتدريب وتغيير الثقافة فى مقدمة الاحتياجات
المصانع.. جثث هامدة : «صنع فى مصر».. جملة «تاريخية» فى طريقها إلى زوال
«دمياط» فى قلب المعاناة: مدينة العمل والإبداع تواجه شبح البطالة والأزمات
الأمان المفقود.. إرهاب الإخوان وبؤر البلطجة وانتشار الأسلحة.. إنها الحرب
بعد 3 سنوات من الغياب.. «لجان الرعب» تبحث عن «جنة الأمان»
جيش البطالة.. الأب بلا وظيفة.. والأبناء «2 نايمين وقهوجى وديليفرى»
الفساد حتى النخاع : «التطهير».. الحاضر الغائب فى ثورة الشعب على «النظام»
اختارتها «نيويورك تايمز» ضمن أشجع 150 سيدة فى العالم
الأرض «عطشانة».. الفلاح على الأرض «البور»: الزرع بيموت.. واحنا معاه
«حميدة» أصغر مرشد زراعى فى المحمودية: «الدورة» هى الحل
الدستور يلزم الدولة بتوفير فرص عمل للشباب.. ياالله !