رحلة «الزبال» المصرى: من «وافد» على القاهرة إلى «عامل نظافة».. وحتى انتظار «الفرج»

رحلة «الزبال» المصرى: من «وافد» على القاهرة إلى «عامل نظافة».. وحتى انتظار «الفرج»
قبل 65 عاماً، وفد الجد الأكبر وأقاربه من قرية «دير تاسا» فى أسيوط، بحثاً عن الرزق الذى نضب فى بلدته الصغيرة، تجول فى أروقة المحروسة، حتى قاده القدر إلى الجلوس على أحد مقاهيها، بجوار مجموعة من الأشخاص يطلق عليهم المارة «الواحية»، وكانوا يشكون حالهم بعد قرار محافظ القاهرة، بمنع استخدام النفايات كوقود عضوى فى الحمامات الشعبية، والمخابز، ومستوقد الفول المدمس، ويفكرون فى كيفية التخلص من النفايات التى ظلوا يجمعونها من ضواحى القاهرة منذ العشرينات وحتى عام 1949، بعد تجفيفها فى الصحراء.
التقط «الجد» الصعيدى الوافد، أطراف الشكوى، ثم حمل مقعده وانضم إلى «الواحية»، طالباً منهم الحصول على النفايات التى يجمعونها من المنازل هو وأقاربه، مقابل السماح لهم بالإقامة وبناء منازل لهم من الخشب والصفيح فى أماكن التخلص من النفايات وكانوا يتخلصون منها فى منطقتى «عزبة الورد» فى شبرا الخيمة، وصحراء المقطم.[FirstQuote]
تعجب «الواحية» من كلام الصعيدى، فسألوه عن سبب رغبته فى الحصول على النفايات، فرد عليهم: «هنربى حيوانات»، ونقل «الجد» وأقاربه المسيحيون من الصعايدة، حرفة تربية «الخنازير» التى اشتهرت بها قريتهم «دير تاسا» إلى المحروسة، بحسب رواية حفيده «عزت نعيم».
قال «نعيم»: «من وقتها وجدى وقرايبه أصبحوا زبالين والواحية اللى كانوا أصل جمع الزبالة من القاهرة بقوا معلمين، الواحى معلم يأخذ الفلوس كل شهر فى جيبه واللى يجيب الزبالة ويأكل الحيوانات هو الصعيدى الزبال».
«نعيم»، صاحب العقود الأربعة، الذى يعرف نفسه بأنه أحد أبناء الزبالين ومؤسس جمعية روح الشباب لخدمة البيئة، حكى قصته: «بدأنا فى حتة اسمها عزبة الورد، فى شبرا الخيمة، ومع الوقت الحكومة لما شافت الزبالين يأخذوا الأكل ويسيبوا الزبالة نقلتهم لسوق الأحد، وبهتيم، بعد كده رحلوهم لإمبابة، وقعدوا هناك من الستينات للسبعينات، لحد ما أهالى الزمالك اشتكوا المحافظ من صوت العربية الكارو بتاعة الزبالين لما بتعدى عليهم، وهنا نقلهم المحافظ، وبدأ الزبالون يقسمون 4 مجموعات، فى منشية ناصر، وعزبة النخل، والمعتمدية، والبراجيل».
ولحظ «نعيم» الوافر، حسبما يقول، انتقل وأسرته إلى منشية ناصر، على الرغم من المعاناة التى مروا بها فى بداية سكنهم: «كنا عايشين فى عشش من الصاج والخشب مع الحيوانات كل عشة عبارة عن زريبة مفيهاش أى إمكانيات غير فنطاس نصحى الصبح بدرى عشان نلحق نملى الفنطاس مياه من الحسين، أما حاجتنا فبنقضيها مع الحيوانات كانت العيشة صعبة».
يضحك «نعيم» متذكراً طفولته داخل عشته الصفيح: «أنا فاكر وأنا صغير لما كنا بنام والمطرة تمطر علينا كانت أمى بتحط الحلة على صدرى عشان ما أغرقش، الحكومة مكانتش تعرف عنا أى حاجة»، واستمر الوضع إلى أن زارت إحدى الراهبات الفرنسيات للمنطقة، فغيرت مجرى حياته وحياة جيرانه من الزبالين، فقد نشرت الراهبة عن معاناتهم، ما جعل البنك الدولى يخصص منحة لتطوير منطقة منشية ناصر، وخصوصاً حى الزبالين، وساعدتهم الراهبة على بناء بيت لكل أسرة، من غرفة ومطبخ وحمام، مزودة بـ«طرنش» صرف صحى، وخزان مياه كبير للاستخدام اليومى، لتشهد الفترة من عام 1984 حتى 1995، طفرة لهم، فظهرت المبانى الخرسانية، ودخلت المرافق من الكهرباء ومياه للمنطقة، وظهرت فى هذا الوقت منطقتان جديدتان للزبالين، فى طرة، و15 مايو. رحلة الزبالين لم تتوقف فقط على استخدام المخلفات العضوية فى تربية الخنازير، وكانت تمثل لهم مصدر الدخل الرئيسى، فالخنزير الواحد، وفقاً لـ«نعيم»، لا يأخذ وقتاً فى تربيته، والأنثى تلد مرتين سنوياً، وفى كل مرة ربما يصل عدد أبنائها إلى سبعة، فقد عمل الزبالون على الاستفادة من بقية المخلفات الصلبة، مثل الكرتون والبلاستيك ورقائق الحديد، بعدما لاحظوا توافد أعداد ليست بقليلة من تجار السبتية، وبهتيم، ومسطرد، عليهم تطلب منهم شراء تلك المخلفات لإعادة تدويرها، فدشنوا ورشاً لإعادة التدوير، بمساعدة من مؤسسة «فورد» التى أعطت قروضاً مالية للزبالين، لشراء المعدات التى تساعدهم فى إعادة التدوير، بدأت بـ«10 كسارات بلاستيك، و5 مفارم قماش، و7 مكابس ورق، و3 ماكينات لصناعة الشماعات البلاستيك» عام 1987، ووصل عدد الورش حالياً إلى 1500 لإعادة التدوير.[SecondQuote]
مشاكل كثيرة يواجهها قطاع الزبالين فى مصر، الذين وصل عددهم وفقاً لكلام «نعيم» إلى 155 ألف زبال وهم موزعون على 6 مناطق، هى: منشية ناصر، وعزبة النخل، والمعتمدية، والبراجيل، و15 مايو، وطرة، إضافة إلى 35 ألف عامل موسمى وافد من محافظات المنيا، والفيوم، وبنى سويف.
تستحوذ منشية ناصر، وحدها على 65 ألف زبال، وبدأت المشكلة عندما قامت الدولة بمنح مجموعة من الشركات الأجنبية العاملة فى مجال النظافة حق الجمع السكنى للمخلفات من المنازل، ما أثر على عمل الزبالين التقليديين الذين أصبحوا مطاردين ومهددين من قبل الدولة فى حال قيامهم بالجمع السكنى، ورغم ذلك يعملون على جمع 9 آلاف طن من المخلفات، من إجمالى 14 ألف طن فى القاهرة، تجمع منها الشركات الأجنبية، 3 أطنان، فيما يلقى الباقى فى الشوارع.
والمشكلة الثانية التى واجهها الزبالون، كانت بعد إعدام الخنازير، التى كانت تتربى على المخلفات العضوية عام 2009، وهو ما جعل الزبالين يجمعون المخلفات الصلبة لاستخدامها فى إعادة التدوير، وترك المخلفات العضوية إما فى الشوارع أو فى صناديق الشركات الأجنبية التى تجمع القمامة مرة واحدة ليلاً.
أضاف «نعيم»: «الزبال بينزل كل يوم الساعة 2 فجراً لجمع القمامة من الوحدات السكنية التى ورثها عن أجداده حتى لا تجرى ملاحقته ومصادرة سيارته من قبل الحى، لأن عمله فى الجمع السكنى غير قانونى فى ظل احتكار الشركات الأجنبية لقمامة القاهرة الكبرى، ونظراً لصعوبة فى التخلص من المخلفات العضوية بعد ذبح الخنازير مع وجود مشكلة فى توصيلها إلى مقلب القمامة، لأن عمال المقلب سيطالبونه بدفع رشوة للسماح له بإدخال المخلفات، لذلك كان الحل هو التخلص من المواد العضوية إما فى صناديق الشركات الأجنبية أو بإلقائها فى الشوارع، وهو ما تسبب فى انتشار المخلفات فى الشوارع.
حل مشاكل الزبالين التقليديين كانت تتمثل فى إيجاد إطار قانونى لعملهم، وهو ما جعل «نعيم»، يساعد أبناء منطقته وأقاربه من الزبالين فى تقنين أوضاعهم، ومحاولة إيجاد كيان قانونى لهم، من خلال جمعيته الأهلية العاملة فى مجال البيئة، قائلاً: «ساعدنا الزبالين فى إنشاء شركات نظافة خاصة بهم، عن طريق وزارة الاستثمار بسجلات تجارية وبطاقات ضريبية، لخلق منظومة جديدة، تتمثل فى الشركات الوطنية للنظافة، وكان ذلك بالتعاون مع وزارتى البيئة والتنمية المحلية، فالجمعية التى أسسناها ساعدت الزبالين على إنشاء 60 شركة عاملة فى مجال النظافة، وترخيص 50 ورشة من إجمالى 1500 ورشة تعمل فى إعادة تدوير المخلفات».
ملف خاص:
مملكة «الزبالين».. ثروة مصر المفقودة
ورش التخريز والفرز: حياة صعبة وسط «العفن»
مدير مشروع تحسين أوضاع «الزبالين»: نجحنا فى تأسيس 75 شركة وطنية.. و«هيئة النظافة» أوقفت المشروع
أول «زبال» يؤسس شركة نظافة: «الشركات الأجنبية بترش الشوارع زبالة.. مش بتنضفها»
6 أشهر من الاجتماعات.. وأخيراً «القاهرة» ترفض «تدوير المخلفات الصلبة»