د. مراد وهبة فى حوار خالد منتصر: «السادات» تحالف مع الإخوان و«مبارك» عقد معهم صفقات.. ومن هنا جاءت عظمة «السيسى»

كتب: حوار خالد منتصر

د. مراد وهبة فى حوار خالد منتصر: «السادات» تحالف مع الإخوان و«مبارك» عقد معهم صفقات.. ومن هنا جاءت عظمة «السيسى»

د. مراد وهبة فى حوار خالد منتصر: «السادات» تحالف مع الإخوان و«مبارك» عقد معهم صفقات.. ومن هنا جاءت عظمة «السيسى»

الحديث مع مفكر وفيلسوف بحجم وقامة

د. مراد وهبة متعة ومغامرة فى الوقت نفسه، متعة لأن الحوار فى كل لحظة هو استفزاز لكل خلية كسولة فى العقل، وتحريض لكل علامات الاستفهام على أن تنطلق من مرقدها، مغامرة لأنك بعده لست كما كنت قبله، ولا بد أن تتهيأ لهذا التغيير وتحضّر كل قرون استشعارك وغدد تحفزك لاستقبال هذا الزلزال وتوابعه.. جلست أصغى إليه، رأيت شاباً تجاوز التسعين بسنتين، حاضر الذهن، سريع البديهة، لم يتنازل عن تمرده منذ أن كان طالباً، طلبوا منه كتابة اعتذار لكى يناقشوا له رسالة الدكتوراه بعد رحيل المشرف الأساسى د. عبدالرحمن بدوى خارج مصر، رفض الاعتذار، هددوه بالتأجيل لسنة ونصف، لم يعبأ وأصر على موقفه وتحمّل التأجيل فى مقابل الاحتفاظ بالكرامة، لا يناور ودائماً يسمى الأشياء بمسمياتها ويكره أسماء الدلع، علمانية يعنى علمانية، لا توجد منطقة «النص نص» فى أفكاره، لا يتكلم بنصف لسان، ولا يفكر بنصف عقل، لأنه مراد وهبة، فقد كان الـ«مراد» أن أحاوره وكانت الـ«وهبة» أن حظيت بنشر هذا الحوار لكم. وإلى نص الحوار

{long_qoute_1}

نبدأ بالتساؤل عن مصطلح «التنوير»، ما هو التنوير ببساطة؟

- التنوير هو الجرأة فى إعمال العقل بلا تحفظ، أو بعبارة أخرى: لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه، بمعنى أن الإنسان يرفض الانصياع والخضوع لأى سلطة إلا إذا كانت سلطة العقل، وقد قالها الفيلسوف «كانت»: «كن جريئاً فى استخدام عقلك».

سيرد عليك قائل: كيف نستخدم العقل فى كل شىء وهناك أشياء دينية لا بد من قبولها كما هى دون نقاش أو تفسير عقلى؟

- أنت تسأل عن مسألة الدين وعلاقته بالتنوير، وقد قضيت سنوات وسنوات لحل تلك الإشكالية، الدين له عدة مستويات، أنت فى الدين تستقبل رسالة بصورة عاطفية فى البداية وتتأثر بها عاطفياً، بعدها يتدخل العقل لمحاولة فهم كيف لهذه الرسالة أن تُقبل عقلياً بعد قبولها عاطفياً، فيبدأ فى إعمال عقله فى الرسالة، وهذه الرسالة هى إيمان فقط، إذاً المعنى الأول إيمان، والمرحلة الثانية هى إعمال العقل فى هذا الإيمان لكى يُفهم ويُقبل من الإنسان الذى يتميز بأنه حيوان عاقل، فيضع الإنسان بنوداً للفهم ويسمى تلك البنود عقيدة، إذاً فالإنسان حوّل الدين من مستوى الإيمان إلى مستوى المعتقد، بعدها تأتى المرحلة الثالثة وهى رغبته فى ممارسة تلك العقيدة، وأمامه أحد طريقين لتلك الممارسة، الأول فرض تلك العقيدة بالقوة، وهنا يحدث الصدام مع المجتمع ومع المطلقات الأخرى للأديان الأخرى، ويحاول فرض تلك العقيدة لأنها تحولت عنده إلى حقيقة مطلقة تتميز بأنها واحدة لا تتعدد، برغم أن الواقع نسبى ومتغير، الطريق الثانى إنك «تخليك فى حالك» وفى معتقدك دون فرضه على الآخرين، ومن هنا تأتى أهمية المصطلح الثانى وهو مصطلح «الأصولية» الذى يتحاشاه المثقفون.{left_qoute_1}

نريد أن نفهم معناه حتى نعرف لماذا يتحاشونه.

- عندما تضع أصولاً للمعتقد لا تحاول تغييرها وتتصور أنها ليست ملكك، وتعتبرها هى أيضاً مطلقة وتدخل فى صراع مع أصوليات أخرى، وهذا هو الذى حدث فى القرن العشرين وحتى الآن، صراع بين أصوليات دينية، وسأعطيك دليلاً على أهمية مصطلح الأصولية من الندوة التى عقدتها فى مؤتمر الفلاسفة الذى عُقد فى 1988، كان عنوانه «الأصولية والعلمانية فى الشرق الأوسط»، والمدهش أنها تزامنت مع طلب الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم من إحدى الجامعات إصدار خمسة مجلدات عن الأصوليات الدينية فى مختلف الأديان، ويستغرق تنفيذها خمس سنوات، ورصدت ميزانية 2٫5 مليون دولار ووافقت جامعة شيكاغو، وصدرت الخمسة مجلدات، والمدهش أنها اختفت وصارت فى طىّ الكتمان، لأن المطلوب عدم الاطلاع عليها حتى لا يفيق الناس.

أنت تتحدث عن صراع أصوليات، فهل تتحدث عن أصوليات مسيحية ويهودية وإسلامية تتصارع؟

- فى حلقة الحوار العربى الإسرائيلى أثناء ذهابى مع مجموعة كوبنهاجن 1997 قلت لهم إن الشرق الأوسط محكوم بثلاث أصوليات، مسيحية ويهودية وإسلامية، هى فى صراع، ولتخفيف الصراع نحن نحتاج إلى تيار مضاد وهو العلمانية، وقلت إن الأصولية هى «التفكير فى النسبى بما هو مطلق» وإن العلمانية هى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى»، يعنى ببساطة العلمانى لا يُدخل المطلق فى الصراعات، ويظل على مستوى النسبى المتغير الذى هو الحياة التى نعيشها، فوجئت بعد كلمتى بهجوم عنيف من اثنين، الأول من «حماس» والثانى من «الليكود»، رغم أن الاثنين أعداء.

{long_qoute_2}

وماذا عن الأصولية المسيحية، هل تقصد بها التيار الذى أفرز «بوش»؟

- قبل «بوش» كان هناك ريجان وهو أصولى بحت، وكان متفاهماً جداً مع القس البروتستانتى بيلى جراهام، وكانا يعقدان جلسات لانتظار المسيح الثانى! وكان «جراهام» يقنع «ريجان» بالصبر حتى يأتى المسيح! وقد قلت فى أحد المؤتمرات الفلسفية التى عُقدت فى أمريكا فى الثمانينات لوضع حد للصراع الروسى الأمريكى إن رغبة الأصولية الإسلامية هى تدمير المجتمع الشيوعى ثم الرأسمالى لتحكم كوكب الأرض كله.

أريد أن أفهم كيف للأصولى الدينى المؤمن أن يذبح فرداً وهو يقول الله أكبر، أريد أن أفهم هذا المشهد المنتشر الآن!

- أول شىء يفعلونه هو شحن عقل الأصولى بالمطلق وأنه لا بد أن تتمسك به، وهو مطلق واحد ومن يعاكسه قم بتكفيره، وإذا استمر وتطاول اقتله، العنف حتمى فى أى أصولية، زعيم الحزب الأصولى المسيحى فى أمريكا قال: لا بد من استخدام السلاح لتدمير وقتل الملحدين! «مفيش هزار» فى الأصولية، «غاندى» عندما دخل مسجداً قتله هندوسى مثله، فى القرن الرابع قُتلت الفيلسوفة «هيباتيا» المسيحية التى كانت تريد التوليف بين الفلسفة وبين المسيحية، صدر قرار من البطريرك بقتلها وتم تمزيقها إرباً إرباً، إذاً لا استثناء فى أى أصولية، وإذا دخلت المسيحية طور الأصولية صارت مثلها مثل أى أصولية أخرى، اقرأ لأبى حامد الغزالى كتابه «تهافت الفلاسفة» الذى يقول فى فصله الأول «الفلاسفة المسلمون الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية ملاحدة»، وكل الكتاب يمضى فى إثبات إلحاد «الفارابى» و«ابن سينا»، وفى نهاية الكتاب سألوه: هل نقتل الفلاسفة؟ فلم يرد وتركها مفتوحة إلى أن تبنّى الإجابة «ابن تيمية» بالقتل.{left_qoute_2}

ننتقل إلى المصطلح الثانى بعد «التنوير» وهو «العلمانية» سيئة السمعة التى نذرت حياتك لتوضيح أنها الحل.

- الدول لا تحاكم فى الآخرة، ولكنهم الأفراد، لذلك لا توجد دولة لها دين لكن رئيس الدولة وأفراد المجتمع لهم أديان، و«العلمانية» كما عرّفتها من قبل هى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى»، وفكرة هذا التعريف جاءتنى بعد قراءتى لكتاب الفلكى «كوبرنيكوس» صاحب نظرية دوران الأرض حول الشمس، فى الكتاب يخاطب بابا روما مطالباً اياه بعدم الانزعاج من فكرته فهو فقط وجد أن معادلات دوران الأرض أبسط من معادلات «بطليموس» لثباتها، وفى نهاية الكتاب يقول إنه ليس أول من قال بهذا الدوران ولكن سبقه «فيثاغورث» فى القرن السادس قبل الميلاد والذى حذر تلاميذه من الإفصاح بالسر ولكنه تسرب وضربت الجماهير مكان اجتماعه بالحجارة، وقد تساءلت بعد قراءة الكتاب: معقول منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى السادس عشر والكل متوجس وخائف من قول أن الأرض تدور!! وعرفت أن الخطورة هى فى اختلافهم مع فكرة ثبات الأرض التى هى مركز الكون والتى تتيح للإنسان أن يكون مركز الكون، وبالتالى يستطيع امتلاك الحقيقة المطلقة، وهم لا يريدون لهذه الفكرة أن تهتز، لأن الدوران حركة والحركة تغيير والتغيير نسبى، إذاً ليس من حق أحد على الأرض أن يقول أنا أمتلك الحقيقة المطلقة.

هل من خلال تعريفك نستطيع أن نقول إنه من الممكن أن يكون هناك شخص متدين وعلمانى فى نفس الوقت؟

- ليس ممكناً فقط بل لازم وواجب للمتدين أن يكون علمانياً! لأن المجتمع العلمانى يحمى المتدين من أن يتحول إلى قاتل لفرض معتقده، المجتمع العلمانى يحمى الأديان كلها، لأنك لو متدين غير علمانى مقتنع بفرض حقيقتك المطلقة ستتصادم ويضيع مجتمعك، لذلك عندما كنت فى لبنان 1974 وشاهدت التناقض الطبقى الرهيب فى الشوارع وقال لى المطران إن الطائفية هى التى ستحمى لبنان من الصراع اعترضت وقلت له إنها هى التى ستدمره، وعندما قابلت الإمام موسى الصدر هناك حدثنى عن اقتناعه بالعلمانية، ولذلك قام «القذافى» بمهمة موكلة إليه وهى تصفية الصدر لإتاحة الفرصة لحسن نصر الله الأصولى.

{long_qoute_3}

هل تعتبر الربيع العربى ثورة أصولية؟

- سأتحدث عن ثورة يناير، الشباب الذى بدأ الثورة فى 25 يناير شباب وطنى، ثم خرج الإخوان من السجون 28 يناير واعتلوا منصات التحرير وهنا انتهت الثورة، ونستطيع أن نقول إن الثورة ماتت بعد ثلاثة أيام فقط، وليس خروج الإخوان فقط هو الذى أجهضها ولكن خيانة المثقفين أيضاً الذين كان أغلبهم متلاحمين مع الإخوان قبلها بفترة حتى اليساريين منهم، وليست تلك الخيانة وليدة زمن «مبارك» فقط، فقد اجتمع «السادات» فى بداية حكمه بالمثقفين وأساتذة الجامعات وقال أمامهم وكنت حاضراً: «ما المانع من أن نفرج عن الإخوان؟!»، إنها لم تكن استشارة بل إغراء يقول فيه «اللى عايز يبقى معايا لازم يلتحم بالإخوان»، وسقط الكثيرون فى هذا الفخ.

كنا نظن أن «السادات» اقتنع بإمكانية العمل مع الإخوان فى منتصف سنوات حكمه، لكنك تؤكد أنه كان اقتناعاً منذ اللحظة الأولى، فهل كان مقتنعاً أم مجبراً؟

- الصلح الساداتى الإخوانى واقتراح الإفراج عنهم كان فى إطار دولى، أحكى لك فى البداية حكاية من داخل الجامعة تدلل على موقف السادات، فقد أصدر قراراً بأن الحاصل على الدكتوراه الذى لم تتم ترقيته فى خلال عشر سنوات يُرقى بدون لجنة علمية، هذا القرار أتاح للكثير من أساتذة الإخوان الترقى والسيطرة، وبعد ترقيهم أُلغى القرار التفصيل، ثم جاء 1974 وقوانين الانفتاح الاقتصادى والاستيراد دون تحويل عملة، وبذلك صار الدولار خارج البنوك فتنشأ السوق السوداء، وكان رئيس الوزراء يطلب دولارات من تلك السوق، وصار الأستاذ الجامعى مثلى يذهب إلى البنك قبل السفر للتحويل فيعتذر له البنك «مفيش وماعندناش دولارات»، ثم ظهرت نتيجة لذلك شركات توظيف الأموال، قوة اقتصادية خارج الدولة وبداية تغول وتوغل ما أطلقت عليه «الرأسمالية الطفيلية» التى تتعامل فى غير المشروع، تلك الرأسمالية عبارة عن تجارة مخدرات وسلاح ودعارة على مستوى كوكب الأرض كله.

ما علاقة الأصولية الدينية بالرأسمالية الطفيلية؟

- الأصولية الدينية ترفض إعمال العقل فى النص الدينى، يعنى ضد الحضارة، وترفض أى نظرية علمية يُشتمّ منها أنها ضد حرفية النص الدينى، كما يحدث من حرب شعواء ضد نظرية التطور لدرجة أن خمس جامعات أمريكية محكومة بالأصولية المسيحية تمنع تدريسها، وأتذكر أن الشيخ صلاح أبوإسماعيل دخل علينا فى الجامعة وكان يجلس بجانبى رئيس قسم البيولوجى فى كلية العلوم، وعندما سأله الشيخ صلاح: «سمعت إنكم بتدرّسوا نظرية التطور عندكم»، قال له: «فعلاً بندرّسها، بس عشان ننقدها وننقضها»!

ملاحظة على الهامش «أبوإسماعيل» وهو من رفض نظرية التطور اتهمه زكى بدر بأنه كان يتاجر فى العملة!!

لكن كيف تفسر إصرار الأمريكان على هذا الدعم الأصولى حتى بعد انهيار برج التجارة فى أحداث سبتمبر ومقتل الآلاف بيد تلك الأصولية التى هى حفيدة الإخوان؟!

- انشغلت فعلاً بما طرحته فى سؤالك، وتساءلت: هل فرضيتى عن تلك الأصوليات خاصة بمصر أم أنها عالمية صالحة للتطبيق على كوكب الأرض كله؟ إلى أن دُعيت إلى مؤتمر كبير فى «هارفارد» مع إحدى كليات اللاهوت، وسألت أحد رجال الدين فى تلك الكلية عن مدى صحة فرضيتى فى تلاحم الأصولية مع الرأسمالية الطفيلية، فقال لى إنها فرضية صحيحة، والدليل أن لائحتنا كانت ترفض التبرعات المشروطة، اليوم نقبل التبرعات بشروط الرأسماليين، ولا يوجد أحد غيرهم يتبرع لنا ورفضهم يعنى أن نغلق الكلية.{left_qoute_3}

ما تلك الشروط؟

- اشترط الرأسماليون وضع المناهج والمقررات واختيار الدول التى سيسافر إليها الخريجون، وفوجئت بعدها بتقرير من المخابرات الأمريكية يقولون فيه إن تجارة المخدرات كانت وسيلة لشراء الأسلحة وإرسالها إلى «طالبان»! وكانت الطائرات الباكستانية تحمل الأسلحة إلى طالبان وتعود محملة بالهيروين الذى دمر الشباب الباكستانى الذى تجاوز عدد مدمنى الهيروين فيه الاثنين ونصف مليون باكستانى، ولا بد أن تذكر أن الداعم الرئيسى هو أصولى مسيحى كبير ما زال يدرس فى مدارس الأحد اسمه جيمى كارتر، إذاً وصلنا لهذا التلاحم من تلك التجارة، وصارت أقوى وأخطر الأصوليات الآن هى الأصولية الإسلامية التى تغلغلت فى كل مؤسسات العالم، ومن موقعى الدولى فى جمعية الفلاسفة أستطيع أن أوكد لك هذا الاختراق، فعندما عرضت عقد ندوة عن «ابن رشد» قال لى نائب رئيس الجمعية، وهو أستاذ متميز فى «شيكاغو»: أنت رجل شجاع. لكن الندوة لم تعقد!

لكن كنا نتوقع أن تنفك تلك الشراكة بعد أن ضربتهم الأصولية الإسلامية فى مقتل.

- عندما دُعيت إلى «بوسطن» بعد أحداث سبتمبر، كان رئيس المؤتمر هو نفسه رئيس قسم الفلسفة والأديان بجامعة بوسطن، فوجئت بأنه يسألنى ونحن على المنصة أمام الجميع: نريد أن نفهم لماذا حدث ما حدث فى سبتمبر! معناها أنهم فى غيبوبة وأننى أنا المقبل من العالم الثالث المفروض علىّ أن أسألهم هم، فبدأت فى شرح الأسباب، ونفس الموقف التساؤلى كان فى مؤتمر بروكسل لفهم غزو العراق للكويت، وقلت لهم إن الحل فى «ابن رشد»، وتأكدت أن الأمريكان والغرب ما زالوا فى حالة غيبوبة تجاه الأصولية الإسلامية وما زال مثقفوهم داعمين لها ولا يحسون بخطرها حتى الآن، لدرجة أن أحد الأساتذة البريطانيين سألنى متخوفاً: هل تتوقع أن تصبح بريطانيا دولة إسلامية بعد ربع قرن!، وأنت ترى عدد المستشارين الإخوان فى البيت الأبيض.

بماذا تفسر تصرف الإسلامى المتربى فى أحضان أوروبا والذى يتمتع بحريتها ومدارسها وتأمينها الصحى ثم يقتل ويفجّر هناك؟

- هذا يدل على أن الفكر هو سبب الإرهاب، وكما قال رجل القانون د. جابر نصار «فى الإرهاب ابحث عن الفاعل الأصلى»، وهنا الفاعل الأصلى هو الفكر الوهابى، نحن لا بد أن نقتنع أنه ليس هناك حضارات بل هى حضارة واحدة بثقافات متعددة تنتقل من الفكر الأصولى إلى العقلانى، وحسب القرب أو البعد عن مسار الحضارة يتحدد تخلف أو تقدم تلك الثقافات، وللأسف معظم الثقافات صارت بعيدة عن مسار الحضارة بسبب طغيان الأصوليات الدينية وفى المقدمة الأصولية الإسلامية، وللأسف المثقفون خارج الملعب، وباعتبار أن مصر هى المصدّرة للإرهاب عن طريق الإخوان فهى تُعتبر المسئولة عن مصير كوكب الأرض! ومن هنا عظمة الرئيس السيسى لأنه يقف وحده والمعركة شرسة جداً، وكل ما تراه من «داعش ونصرة وبيت المقدس.... إلخ» هم إخوان فى النهاية، ولكنهم يتعمدون أن يصيبوك بالحوَل.

بماذا ترد على المثقفين الذين يدعون لمصالحة الإخوان باعتبارهم فصيلاً وطنياً؟

- المثقفون عزلونى أيام «مبارك» لمهاجمتى الإخوان، ولو عدت بالذاكرة لكارثة اجتماع «فيرمونت» الذى ضم مثقفين يساريين لتأييد «مرسى» سيتأكد لك ما قلته، مصالحة الإخوان مستحيلة لأنهم يؤمنون إيماناً راسخاً بضرورة تأسيس الخلافة الإسلامية على مستوى العالم كله، وارجع إلى حوار إرهابى الصحراء الغربية مع الإعلامى عماد أديب عندما قال له: «دى أرض الله وأنا باحرّرها»، وعندما أتابع مقالات من يدعون للتصالح أتقزز، هؤلاء المثقفون مصابون بما يسمى «السبات الدوجماطيقى»، يعنى النوم على الدوجما أى الحقيقة المطلقة، من أمثال الصهيونية والإمبريالية... إلى آخر تلك المصطلحات التى ماتت فى عصر الكوكبية.

لماذا ربطت إنقاذنا الفكرى بابن رشد؟

- لا بد من تحديد العدو، وهو المقتنع بابن تيمية الذى نطق بالمسكوت عنه عند الغزالى وهو القتل، تفرّغ ابن رشد فى ثلاثة كتب للرد على الغزالى، وحتى الأشاعرة الذين يوصفون بالوسطية ليسوا كذلك فقد كفّروا الفلاسفة وقال قائل من تلامذتهم: «الفلسفة غير مصرح بها خارج القرآن»، روشتة العلاج التى قدمها ابن رشد هى ضرورة انفتاح المسلمين على غير المسلمين، ولا بد من إعمال العقل فى النص الدينى وبناء عليه ممنوع التكفير، ولا بد أن تكون إحدى عباراته هى شعارنا حالياً وهى «لا يُقطع بكفر من خرق الإجماع فى التأويل».

 

المفكر مراد وهبة أثناء حديثه مع د. خالد منتصر


مواضيع متعلقة