بروفايل| آرثر بلفور.. "الكاره والمكروه"

بروفايل| آرثر بلفور.. "الكاره والمكروه"
سنوات عمره اختتمها بالدفاع عن مَن لا يستحق، ففي السبعين من عمره حمل ألقاب "صاحب الوعد الباطل"، و"السفاح"، وغيرها مما كرّست بعضًا من كراهية العرب له، كما بادلهم سابقًا، فكان كارهًا لهم، وأضحى مكروه بينهم، ولم ينم ليلة في مدينة عربية إلا وضاقت عليه جدرانها فلم يلاق "آرثر بلفور" إلا كل سيئ من أهلها.
آرثر جيمس بلفور من مواليد عام 1848، وتوفي في 19 مارس 1930، بعد عمر تخطى الثمانين بقليل، وعندما صدر التصريح الذي ارتبط باسمه كان على مشارف السبعين، انحدر من أصول أرستقراطية إسكتلندية، دخل مجلس العموم عام 1885، وأصبح في العام التالي مباشرة وزيرًا لشؤون إسكتلندا، وبعدها بعام آخر وزيرًا لشؤون أيرلندا، حيث اكتسب في هذا المنصب لقبًا ظل يلاحقه لفترة غير قصيرة.. بلفور السفاح، لاستخدامه أسوأ الأساليب في تنفيذ المرسوم الذي أصدرته الحكومة البريطانية؛ لمواجهة أعمال المقاومة الأيرلندية تحت اسم "Irish Crimes Act"، كما أرّخ عنه المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق.
إكرامًا لسنه، أصبح وزيرًا للخارجية، وكان واحدًا من أقدم رجال الدولة الذين انضموا إلى تلك الوزارة، وخلال الحرب العالمية الأولى، أصدر تصريحه في 2 نوفمبر عام1917، والذي تضمن تعهدًا من الحكومة البريطانية بالمساعدة على قيام وطن قومي لليهود في فلسطين، وسُمي بـ"وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحق"، وعمل على إنشاء دولة لإسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية.
بعد استقالة صاحب الوعد الباطل من منصبه، بعد قضاء 6 سنوات به، ولبلوغه سن الـ74، لم تهدأ عاصفته تجاه العرب إلا وقتما برهنوا له بالأفعال عن كرههم له، حينما وافق على دعوة "حاييم وايزمان" أحد مؤسسي الدولة الصهيونية لافتتاح الجامعة العبرية في مارس 1925، وللوصول إليها والرجوع منها نزل بمحطات 4 عربية رئيسية "الإسكندرية والقاهرة ودمشق وبيروت"، ليُلاقي في كل منها ما لم يتوقعه يومًا.
الإسكندرية كانت المحطة الأولى التي رست بها الباخرة إسبريا في الرابعة بعد ظهر يوم الإثنين 23 مارس، وكان وجهاء الطائفة الإسرائيلية في المدينة واللجنة الصهيونية وفريق من تلامذة المدارس الإسرائيلية وفرقة الكشافة التابعة لها توجهوا لتحيته، ولتواجده ساعتين فقط بها لم يكن للشعب منفذًا للتعبير عن رفضهم لوجوده على أرضهم، إلا أنه وصل إلى القاهرة وقضى بها أكثر من يوم تقريبًا، لاستقلاله القطار المتجه إلى القنطرة تمهيدًا لزيارته إلى الأراضي الفلسطينية، وفي محطة القطار استقبله الفلسطينون بعبارات منددة بوجوده ومهاجمة له وشاركهم مصريون أعلنوا أن فلسطين عربية وأراضيها للعرب، إلى أن وصلت لفلسطين، ومكث بها نحو أسبوعين لم تهدأ فيهم تصريحاته المستفزة والمثيرة لغضب الشعوب العربية، حتى أضرب الفلسطينون عن العمل والذهاب إلى المدارس.
وفي طريق العودة، آثر زيارة دمشق، التي استعد أهلها لاستقباله بأقذع العبارات وكل مشاعر الرفض له، ما اضطر الاحتلال الفرنسي لسوريا حينها بإنزاله في محطة "قدم"، القريبة من دمشق وليس محطة المدينة نفسها، حذرًا مما قد يحدث في محطة البرامكة وهي محطة دمشق، وأخذوه إلى مدينة فيكتوريا، بينما احتشد العديد من السوريين بمحطة دمشق مرددين عبارات مناهضة له وداعمة للحق الفلسطيني، وما أن علموا بنزوله في فيكتوريا هرعوا إلى هناك وأخذوا يصيحون بسقوط وعد بلفور وبحياة فلسطين، ويظهرون استياءهم من قدومه إلى عاصمة الأمويين.
واشتعلت المظاهرات في المدن والميادين السورية ولم يبرح اللورد غرفته، حتى غادر الأراضي السورية دون أن يتعلم الدرس وقرر التوجه إلى بيروت.
لم تكن بيروت أقل عروبة من سابقيها ورفض أهلها وجوده بأراضيهم، وعند وصوله مدينة صوفر بلغه أن بيروت تستعد لاستقباله استقبالًا غير حسن، خاصة وأن الأهالي أعلنوا الإضراب عن العمل ودار حول مدينة بيروت ولم يدخلها، وعاد من بيروت إلى الإسكندرية ومنها غادر إلى بلاده وقد تيقن بأنه غير مرغوب فيه، ومثلما كره العرب وأعطى إحدى أراضيهم لمن لا يستحق، فإنه مكروه بينهم وغير مسموح أن تطأ قدماه أراضيهم.