بروفايل| راشيل كوري.. "ضحية الواقع الفلسطيني"

بروفايل| راشيل كوري.. "ضحية الواقع الفلسطيني"
فتاةٌ أمريكية من أصل يهودي، تصدت للجرافات الإسرائيلية بجسدها الأعزل، رافضة لهدم بيوت مواطنين بلد آمنت بحرية وحق أهله في الحياة بوطنهم، لم تتهاون في ذكر الحقائق والمجازر التي يرتكيها الصهاينة بحق أبناء فلسطين.
كان سلاحها معطفًا برتقالي اللون، جعلها ظاهرة أمام أعين الجنود المختبئين في دباباتهم وجرافاتهم، ومكبرًا للصوت، لكي يسمعوا صرخات ونداءات "راشيل كوري".
راشيل كوري، الناشطة الأمريكية، التي عاشت بين 10 أبريل 1979 - 16 مارس 2003، وصلت إلى غزة في عام مقتلها، إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وقُتلت فيها، بعد أن دهسها مرتين سائق جرافة إسرائيلي كان يتولى هدم منازل فلسطينيين.
فتاة عشرينية وجدت نفسها في حي البرازيل برفح، في شتاء 2003 أمام "بلدوزر" إسرائيلي، يستعد للانقضاض على بيت متهالك لأسرة فلسطينية، أفرغه الجنود من سكانه، لم تنتظر طويلًا، ووقفت أمامه متخذة من نفسها درعًا بشريًا لحماية المنزل، مع دعوات بمكبر الصوت للابتعاد عنه، بينما يفعل زملائها الأمر ذاته، وبصوت مرتفع لعل سائق البلدوزر يتراجع أمام تلك النداءات، ليتقدم البلدوزر بعد إصرارها على حماية المنزل، فتقدم نحوها بسرعة مذهلة لدهسها بجرافته الأمامية، لكنها تمكّنت من الارتماء بداخل تلك الجرافة الممتلئة بالرمال، فما كان من السائق سوى حملها في باطن الجرافة وقلبها على الأرض؛ لتُدفن تحت تراب الجرافة، حسبما وصفته مؤسسة راشيل كوري لحقوق الإنسان.
لم يكتفِ سائق الجرافة بما فعل، بل تقدّم إلى الأمام ليسحقها بنصل الجرافة الحديدي، قبل أن يُعيد الكرّة ويسحقها تمامًا بالأرض، لتُدفن تحت الرمال وقد تهشم جسدها النحيل؛ ليهرع إليها زملاؤها في محاولة لإخراجها من تحت الرمال، وبعد دقائق من النبش عن جسدها بين الرمال الموحلة، تمكنوا من إخراجها، ولكن بعد فوات الأوان، فقد تبين أن جمجمتها تحطمت، وأضلاع صدرها تكسرت، وعمودها الفقري تهشم، ليتم نقلها على وجه السرعة للمستشفى، وهناك أُعلن وفاتها.
"من السخيف أن حكومتي (الأمريكية) تدعم إسرائيل، وتعتبر رئيس الحكومة (آنذاك) آريال شارون رجل سلم"، بتلك العبارات عبرت راشيل عن سخطها في لقاء مع تليفزيون "أم بي سي" قبل يومين من مقتلها.
وأشارت إلى أن "الجرافات الإسرائيلية تدمر البيوت والموارد الاقتصادية الفلسطينية يوميًا"، لم تكن تلك التصريحات غريبة على ناشطة في حركة "التضامن العالمية"، وهي منظمة احتجاجية تهدف الى دعم القضية الفلسطينية، أسسها عام 2001 الفلسطينيان غسان أندوني وجورج رشماوي.
وبعد أكثر من 9 سنوات على موت كوري، انتقدت منظمة العفو الدولية، في العام 2012، قرار محكمة إسرائيلية بعدم مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن مقتل الناشطة الأمريكية، وقالت المنظمة في بيان منها، إن "الحكم يحمي العسكريين الإسرائيليين من المسؤولية، ويتجاهل خللا عميقا في التحقيق العسكري الإسرائيلي الداخلي حول موت كوري"، وذلك بعد أن رفضت محكمة إسرائيلية في حيفا، دعوى مدنية رفعتها عائلة كوري ضد إسرائيل، مؤيدة استنتاجات تحقيق عسكري أُجري في عام 2003 بعد موت كوري بأربعة أسابيع، وقال إن طاقم الجرافة لم يرَ كوري، وإن الجيش غير مسؤول عن موتها.
من برلين إلى باريس، انتقلت المخرجة "الفرنسية - الإسرائيلية" سيمون بيتون؛ لتعرض فيلمها الجديد "راشيل" الذي يصور معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، من خلال سرد موثق لقصة حياة وموت الناشطة الأمريكية راشيل كوري، حسبما ذكر راديو "سوا" الفلسطيني.
وعُرض الفيلم في 2009، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان أفلام الواقع في باريس، حيث يروي على مدار 100 دقيقة الأحداث والظروف التي أحاطت بمقتل الناشطة الأمريكية في أثناء تصديها لجرافة إسرائيلية كانت في طريقها لهدم أحد المنازل في قطاع غزة.
المواجهة بين طرفين، أساس درامية الفيلم، يتمثل أحدهما باقتناع الفلسطينيين وأصدقاء راشيل، الذين كانوا معها لحظة موتها بأن الجندي الإسرائيلي في الجرافة عمد إلى قتلها عن قصد، في حين يمثل الطرح الآخر رواية الجيش الإسرائيلي التي تقول إن الحادث غير مقصود، ويعرض الفيلم شهادات تبين مشاعر الفلسطينيين واحتضانهم لهؤلاء الشباب الذين جاؤوا للدفاع عنهم بشكل سلمي، وكذلك شهادات رفاق راشيل الذين تحدثوا عن تجربتهم ودوافعهم.
ويعرض شهادات الجنود الإسرائيليين في غزة وبينها شهادة جندي شاب في بداية الفيلم، اعترف وهو يدير ظهره للكاميرا أنه قام بعمليات قتل أبرياء بينهم امرأة وطفل، وبأنه كان يطلق النار ليتسلى في غزة حتى على خزانات المياه على أسطح المنازل، ويعرف أن ما فعله لم يكن بالأمر الصواب.