بائع الأوانى: باقٍ فى مكانى حتى توفر لنا الحكومة مصدر رزق حلال

بائع الأوانى: باقٍ فى مكانى حتى توفر لنا الحكومة مصدر رزق حلال
يقف بجسد نحيل ولحية سمراء أمام عربته المملوءة بآنية وأدوات منزلية للطهى من معدن شديد اللمعان فى ضوء الشمس، وكثيرا ما آذته الشمس الحارقة فى الصيف أو قرصه البرد شتاء.. إبراهيم مصطفى محمد، الحاصل على شهادة البكالوريوس فى التجارة من جامعة الأزهر، لم تمنعه أمراضه ولا العمليات الجراحية التى اعتاد إجراءها بأعضاء جسده، من الوقوف فى شوارع المنصورة من أجل «لقمة العيش».
«والدى كان على باب الله، تعب حتى انتهينا من الدراسة، وحصلت على شهادة البكالوريوس، ففضلت أن أزيح عنه حمل نفقاتى، وقررت النزول للشارع، حتى قبل الانتهاء من الدراسة فى الكلية»، هكذا كان لظروف الحياة الصعبة دور فى الزج بإبراهيم إلى الشارع الجديد بالمنصورة، وبعربته التى لا تشغل سوى متر مربع من الشارع.. بدأ خريج كلية التجارة تجارته الخاصة التى لا تدر إليه إلا «ملاليم» لا تكفى لإزاحة ديونه المتراكمة.
على مهلٍ يعيد إبراهيم ترتيب بضاعته، التى بعثرتها زبونة اشترت براداً صغيراً ببعض الجنيهات، «كنت أبيع من قبل عطوراً، وأدوات منزلية، وأشياء أخرى على هذه العربة، لكن الرزق محدود، وما أكسبه قليل»، يقول إبراهيم وقد هدأت نبرة صوته.
يتوقف خريج جامعة الأزهر عن ترتيب بضاعته ليخبرنا: «مادياً لا أملك إلا ديونى والتزاماتى بجمعيات، قبضت منها اسما واحدا أو اسمين، إضافة إلى البضاعة التى أبيعها اشتريتها بالدين، وديونى كلها نحو 5000 جنيه، لم أتزوج إلى الآن لمعاناتى ضيق ذات اليد»، ثم يشير إلى جسده قائلاً: «رغم قرشى القليل إلا أنى اضطررت لإجراء عملية جراحية لتحويل مجرى البراز، وأعانى من عرق النسا، ولا تزال أمامى عمليات جراحية أخرى لأجريها».
الوقوف فى الشارع له ثمن: «كل بائع فى الشارع الجديد يدفع يومياً جنيهين؛ جنيها لأمين وردية الصباح، وجنيها ثانيا لأمين شرطة وردية المساء، وهناك نحو 150 بائعا فى المكان، أى أن كل أمين شرطة يحصل على 150 جنيها فى اليوم»! يكشف الشاب الملتحى ما يحدث من مخالفات بالسوق، لكنه يضيف: «بقالنا فترة لا يطلب منا أحد أى مال فى الفترة الصباحية، ويقال إن أمين شرطة الفترة الصباحية تغير، وجاء بديلاً له أمين جديد، ندعو ربنا أن يصلح الحال، وعندما نمتنع عن الدفع تتسلط علينا البلدية وتطردنا إلى طلخا».
سنوات عشر قضاها خريج كلية التجارة جامعة الأزهر فى الشارع بائعاً متجولاً، تعرض فيها لغارات مباحث البلدية التى أخذت منه بضاعته مرتين إلى ثلاث مرات خلال هذه السنوات، لكنه تمكن من إعادتها فى كل مرة بدفع قيمة الغرامة، وقليل من الإكراميات: «إما أدفع وإما ألازم البيت ولا أتمكن من دفع ديونى»، يوضح إبراهيم مصطفى.
لم يتمكن الشاب ذو الأعوام الـ33 من الزواج حتى يومنا هذا، ليس لديه ما يعينه على سداد ديونه كى يفكر فى الزواج، وتحمل نفقاته اليومية، فضلاً عن أموال علاجه وعملياته الجراحية المتتالية: «أنا وأختى الأصغر لم نتزوج، أنا لا أملك الكثير، وهى تحاول قدر المستطاع أن تشترى مستلزمات بيتها بنفسها، وبمالها القليل الذى تتقاضاه عن عملها كل أول شهر، وأختى الأصغر هذه عمرها 32 سنة»،
«كيف أتزوج وأنا مدين بأكثر من 12 ألف جنيه؟»، يتساءل البائع الملتحى متعجباً، ثم يضيف: «علىَّ أقساط شهرية لتجار جملة بـ7000 جنيه، ونحو 5000 ملتزم بدفعها فى جمعية أشارك فيها».
يقول البائع متحدياً السياسة الحكومية بإزالة تعديات الطرق التى يسبب الباعة الجائلون جزءاً منها: «لو حاول أحد إخراجى من مكانى سيكون خروجى مؤقتاً، أنا لا أملك رفاهية البقاء بالمنزل، رغم حالتى الصحية، رغم ظروفى الاجتماعية شديدة السوء فلا تزال لدىّ ديونى التى سأحارب حتى أتمكن من سدادها بالكامل، حدث أن البلدية أخرجتنا من المكان بالقوة، لكننى خلال أيام نشاط البلدية توجهت إلى شوارع طلخا، حتى هدأت هوجة البلدية، فعدت إلى مكانى فى الشارع الجديد بالمنصورة».
زبون جديد جاء يقلب فى بضاعته، ينهى خريج جامعة الأزهر حديثه معنا: «لن أخرج من مكانى إلا فى حالة واحدة، أن يوفر لى السادة المسئولون مكانا بإيجار بسيط أكسب منه رزقى بالحلال».
أخبار متعلقة:
مطاريد لقمة العيش
«الوطن» تروى حكايات الغلابة على رصيف «العتبة» و«الموسكى»
فى سويقة حلوان.. «محدش بياخد رزق حد»
فى المنيب: «احمدوا ربنا إننا مش بلطجية أو نصابين»
الشارع الجديد بالمنصورة.. باعة على باب الله
بائع الأوانى: باقٍ فى مكانى حتى توفر لنا الحكومة مصدر رزق حلال
بائعو الزقازيق: شيكات تجار الجملة.. عذاب لا ينتهى