الشرقية: تاريخ صناعة البردى يختفى من «قراموص»

الشرقية: تاريخ صناعة البردى يختفى من «قراموص»
لا تزال تحتفظ بمعالم الريف البسيطة؛ نقاء الهواء، صوت حفيف الأشجار المتراصة أمام كل بيت، المنازل لا تعلو عن طابقين من الطوب اللبِن، كأنها قرية فرعونية صغيرة، بساطة أهلها فى التعامل وابتسامتهم التى تعلو وجوههم لا تجعلك تفرق بين كبير أو صغير.
قرية «قراموص» هى إحدى قرى محافظة الشرقية التابعة لمركز أبوكبير، والقرية الوحيدة التى ما زالت تتمسك بجزء من حياة المصرى القديم، الذى كان يعتمد على زراعة وتصنيع ورق البردى لنقل تراثه وحضارته إلى العالم.
فى أحد منازل القرية متواضعة المستوى، ملحق به حجرتان من الطين اللبن، جلست مجموعة من الفتيات يعملن على تصنيع نبات البردى تترأسهن سيدة أربعينية تدعى «أم أمل» وهى زوجة الشوادفى أحمد منصور أحد الفلاحين القلائل الذين ما زالوا يمارسون مهنتهم فى زراعة وتصنيع البردى التى يعملها منذ 30 عاماً؛ «إحنا لسه بنشتغل فى زراعة البردى وصناعته، مابقاش حد بيشتغلها كتير دلوقتى، لإننا بنعتمد على السياحة والسياحة انضربت من بعد 25 يناير». تشير «أم أمل» إلى الفتيات اللاتى يعملن معها فى الصناعة، قائلة: «كانت القرية أغلبها عايشة على زراعة وصناعة البردى، لكن دلوقتى الشباب سابوها وراحوا اشتغلوا فى مصانع العاشر من رمضان، أُمَّال هيفتحوا بيوتهم منين؟». عند مدخل القرية، أصبح هناك نسبة قليلة من الأراضى مزروعة ورق بردى بنسبة لا تتعدى الـ5%، وهو ما فسرته السيدة الأربعينية: «قبل الثورة زمان كانت كل الأراضى دى مزروعة بردى بس، دلوقتى أغلبها بقت تتزرع قمح وأرز، دلوقتى مساحة البردى لا تتعدى 10 أفدنة بس». تروى «أم أمل» بداية صناعة البردى التى دخلت القرية منذ 30 عاماً: «الفضل يرجع للدكتور أنس مصطفى، فنان تشكيلى هو اللى فكر فى إنه يجيب شتلة بردى ويزرعها فى البلد، ومن هنا ابتدت الصناعة والقرية كلها اشتغلت فيها، واعتمدت عليها كمصدر أساسى للرزق». تجلس فتاة بالقرب من الباب الحديدى للمنزل، تضع خيطاً من البلاستيك مثبتاً فى الحائط وآخر فى فمها لتقسم عود البردى لشرائح، وتعتبر المرحلة الأولى لصناعة البردى ويطلق عليها «التشريح»، بحسب «أم أمل» التى تشير إلى ورقة بردى منتهية الصنع وتقول: «علشان نوصل للورقة دى بيمر عود البردى بمراحل تحتاج ليوم فى الصيف وممكن أكتر من يوم فى الشتاء حسب الشمس». أما المرحلة التى تلى «التشريح» فهى تتمثل فى وضع شرائح البردى فى مياه تحتوى على مادتى «الكلور والبوتاس» ليتغير لونه إلى الأصفر، لمدة لا تقل عن 7 ساعات. تغطى «أم أمل» وجهها بأغلب حجابها لحماية صدرها من رائحة الكلور التى تملأ المكان، وتشرح: «بتتحول الشريحة وبتبقى طرية ولونها مصفر».
هناك مشكلات عديدة تواجه الصناعة أدت إلى عزوف العديد من أهل القرية عنها، بعضها يعود إلى طبيعة الصناعة والبعض الآخر يعود إلى الأحوال التى تمر بها البلاد بعد الثورة: «من بعد الثورة مابقاش حد بيزرع بردى، الكيماويات اللى بنستخدمها فى الصناعة سعرها عالى وفى الآخر الصناعة مابقتش تجيب همها حتى سعر ورقة البردى وصل حالياً إلى 80 قرش» احتكار التجار بشراء الورق وتخزينه لبيعه بأسعار مرتفعة تفوق أضعاف أسعار الشراء من المصنعين مشكلة أخرى يواجهها الأهالى يقول أحمد فوزى، أحد العاملين فى طباعة البردى: «مضطرين نبيع للتجار بأقل الأسعار علشان ناكل عيش، هما بيستغلوا ده وبيبعوه للبازارات والأماكن السياحية بأضعاف الثمن»، ويقول: «الفنان التشكيلى أنس مصطفى الذى أدخل صناعة البردى إلى القرية كان يفكر فى إنشاء جمعية تربط بين التاجر والمزارع لمحاربة الاحتكار إلا أنه توفى ولم يفكر أحد فى استكمال فكرته».
الأخبار المتعلقة
6 قرى أسقطها الإهمال من «العالمية» إلى خط الفقر
بنى سويف: «أبومليح» توقف تصدير «النباتات العطرية» لـ«عاصمة النور»
قنا: صناعة الخزف «ترتجف» فى «جراجوس»
المنوفية: خيوط العنكبوت تهدد قلعة السجاد فى «أبوشعرة»
«صنايعية» كفر المنشى هجروا «الأرابيسك»