«صنايعية» كفر المنشى هجروا «الأرابيسك»

«صنايعية» كفر المنشى هجروا «الأرابيسك»
عندما تقع عيناك على تلك القطع الفنية فلن تستطيع الانصراف عنها والتخلص من التساؤلات المتتابعة، ليدفعك الفضول فى هذا الحى العتيق إلى التوجه لأول شخص تظن الإجابة عنده؛ ما هذه التحف الرائعة؟! ومن أين تأتون بها؟! أسئلة اعتادها سكان خان الخليلى والأزهر لتأتى الإجابة صادمة للبعض ومدهشة للبعض الآخر: «إنه الأرابيسك المصنوع بقرية كفر المنشى التابعة لمحافظة المنوفية»، كلمات دفعتنا للبحث عن القرية الصانعة لتلك القطع التى أبهرت رواد الحى العتيق واستطاعت أن تغزو كبرى أسواق العالم فى كندا وبلجيكا.
على بعد ما يقرب من 64 كيلومتراً من القاهرة، استقبلنا أحد أبناء القرية يدعى السيد الدسوقى، نجل أحد أكبر صانعى الأرابيسك قضى عمره بورشة والده وجاب العالم بمنتجاتها، يتذكر الشاب العشرينى آخر رحلاته مع الأرابيسك فى السودان قائلاً: «سافرت السودان أوصل شغل لتجار كانوا بيطلبوا مننا الشغل بالاسم، وكان الأرابيسك مطلوب هناك والناس بتتهافت إنها تشترى شغلنا وورشتنا ماكنتش بتقف من كتر الشغل».
«السيد» الذى ترك صناعة الأرابيسك انتهى به الحال سائق سيارة أجرة بعد أن تبدل حال صنعته وعجز عن تدبير نفقاته الشخصية منها، يقول: «الحال واقف والورشة اتقفلت والشغل مابقاش يجيب همه، الضرايب والدولة مابترحمناش، وأنا عاوز أبنى مستقبلى وأكون بيت، ماكنش قدامى غير إنى أدور على شغل تانى».[SecondImage]
يتوقف «السيد» عن الحديث مشيراً إلى منزل بسيط وضع عند مدخله أريكة خشب مزينة بالأرابيسك: «إنه منزل طارق عبدالظاهر بشر صاحب ورشة لصناعة الأرابيسك»، رحب الرجل بنا واصطحبنا إلى ورشته التى يعمل بها بمفرده ويساعده أبناؤه الصغار من حين لآخر، يتحدث إلينا فى ألم قائلاً: «الأرابيسك كل حياتى ومصدر رزقى الوحيد، فتحت منه بيت بس مابقاش يأكل عيش زى الأول، وباعمل كل حاجة فى ورشتى بإيدى بعد ما العمالة طفشت وسابت الصنعة وراحت تدور على شغل يجيب فلوس». يتذكر «طارق» أول قطعة أرابيسك صنعها بمعاونة أخيه الأكبر «إبراهيم» قائلاً: «كانت قطعة من خشب الزان أخدتها من على الأرض بعد ما باظت فى المخرطة عدلتها وعرضتها على أخويا وكان معجب جداً بيها، ومن هنا اتولد عشقى للأرابيسك وقررت مش هفارق ورشتى مهما حصل غير جثة». يقلب الرجل كفيه: «اللى بيحصل لينا دلوقتى حكم بالموت البطىء علينا وعلى صنعتنا بعد ما الدولة رفعت إيدها عننا وتركتنا فريسة للتجار لمصوا دمنا».
ليمصوا «طارق» أن غياب الاهتمام بصناعة الأرابيسك والاضطهاد الذى يتعرض له أصحاب الورش من فرض ضرائب مبالغ فيها عليهم مقابل عدم وجود إنتاج - دفعا كثيراً من أصحاب الورش الكبيرة إلى غلقها فضلاً عن هجرة العمالة المدربة بحثاً عن المال، ولم يستمر سوى من يعشق الحرفة وإذا استمر الحال على ما هو عليه سيختفى الأرابيسك المصرى من العالم.
لم يختلف الحال كثيراً عند أول من أدخل صناعة الأرابيسك لقرية كفر المنشى أو شيخ صناعة الأرابيسك كما يطلقون عليه؛ «جميل الصعيدى» الرجل الذى نقل صناعة الأرابيسك من خان الخليلى إلى قريته الصغيرة منذ ستينات القرن الماضى لتتحول كفر المنشى إلى ورشة كبرى لصناعة الأرابيسك، حيث لا يكاد يخلو منزل من ماكينة وأدوات صناعة الأرابيسك، ما انعكس على الحالة الاقتصادية للقرية.[ThirdImage]
على عكس ما أثير حول تأثر صناعة الأرابيسك بتداعيات الثورة يقول «الصعيدى»: «الثورة بريئة مما حدث لصناعة الأرابيسك، فمعظم الورش الكبرى أغلقت أبوابها بعد أن هجرتها العمالة وتكدس إنتاجها دون تسويق حتى التهمته رطوبة الأرض بسبب غياب الترويج، وعجزنا عن المشاركة فى المعارض بمنتج متكامل، حيث إن صناعة الأرابيسك ليست قائمة بذاتها فى كثير من الأحوال، فهى بحاجة إلى صناعة أخرى مكملة كصناعة الأثاث، كما أننا لا نقوى على تحمل تكاليف المشاركة فى المعارض».
بعزيمة الشباب يؤكد شيخ الأرابيسك قائلاً: «أنا عاوز أشتغل واسمع صوت الماكينات فى ورشتى من تانى، وشغلنا يرجع يتصدر لكندا وبلجيكا وتركيا وكل العالم زى الأول وأكتر، بس الدولة تساعدنا، وتعبنا اللى بنينا بيه سمعة عالمية مايضيعش هدر، ومستعدين الدولة تاخد منتجاتنا وتسوقها لصالحها وتدى للعمال أجورها بس توفر لنا المواد الخام».
يرى شيخ الأرابيسك أنه لن تقوم للدولة قائمة إلا إذا قامت الصناعات الصغيرة وأفاقت من كبوتها، مطالباً الرئيس المقبل والقائمين على إدارة شئون البلاد بالاهتمام بالصناعات الحرفية وإعادة إحيائها وعلى رأسها صناعة الأرابيسك وحل مشكلة التسويق.
الأخبار المتعلقة
6 قرى أسقطها الإهمال من «العالمية» إلى خط الفقر
بنى سويف: «أبومليح» توقف تصدير «النباتات العطرية» لـ«عاصمة النور»
قنا: صناعة الخزف «ترتجف» فى «جراجوس»
المنوفية: خيوط العنكبوت تهدد قلعة السجاد فى «أبوشعرة»
الشرقية: تاريخ صناعة البردى يختفى من «قراموص»