حكاية إفّيه| «قطيعة.. محدش بياكلها بالساهل»

حكاية إفّيه| «قطيعة.. محدش بياكلها بالساهل»
من الغرفة تنفلت «ريا» فى يدها بعض الأساور الذهبية، تتوقف قليلاً لتفحص غنيمتها، فى حين يخرج الرجال من خلفها على أكتافهم جثة سيدة، بدا أنهم فى طريقهم لدفنها.. يعلو صوت «ريا» متحسّرة: «قطيعة.. محدش بياكلها بالساهل»، تلتقط أنفاسها: «الولية وآنى بنخنقها عضتنى فى إيدى.. تقولش عدوتها». منطق معكوس للغاية، يجعل من أشهر سفّاحة فى تاريخ الجريمة المصرية تأسف على حال نفسها، بعد أن اضطرتها الظروف لخنق السيدات وسرقة مصوغاتهن، ولأنه لا أحد يأكل لقمة العيش بالساهل، حتى من السفاحين، فإن من تخنقها تتجرأ وتعضها فى يدها، وكأن الأمان اختفى من الدنيا.
واحد من أكثر إفيهات السينما المصرية طرافة وازدواجية، هبط على الناس من فيلم «ريا وسكينة» الذى أخرجه «صلاح أبوسيف» عام 1953، وأعد له السيناريو «نجيب محفوظ»، وكتب له الحوار «السيد بدير»، ولعب بطولته «أنور وجدى»، ونجمة إبراهيم»، و«زوزو حمدى الحكيم»، رغم أن الفيلم نفسه كان يصنّف لوقت قريب كفيلم رعب، يحبس الناس أنفاسهم وهم يتابعونه، خاصة المشاهد التى تظهر فيها «ريا»، وهى تسحب ضحاياها إلى داخل البيت المظلم، الذى يقع خلف قسم شرطة اللبان بالإسكندرية، وحين تبدى إحداهن انزعاجها من رؤية زوج «ريا» مختبئاً فى الظلام، تعاجلها الأخيرة: «ماتتخضيش يا اختى.. ده سى حسب الله جوزى»، أما «سكينة»، شقيقة «ريا»، وشريكتها فى ارتكاب الجرائم، فتتدخّل لطمأنة الضحية عندما تسأل عن سبب تأخير أحد أفراد العصابة «كبدى يا ادلعدى.. هنقطعوا نفسنا عليه.. آدى إحنا بنستنوه». على أن أكثر مقاطع الفيلم رعباً تلك التى تجرى على خلفية أغنية المطرب الشعبى الراحل «شفيق جلال»، إمعاناً فى المفارقة.. تضع «ريا» للضحية مخدراً فى كوب الخمر، وتجبرها على شربه، وهى ترقص على أنغام «زينة الحارة يا زينة الحارة، حبيتك يا أم حلق طارة»، ثم تدفع بيدها المصباح المعلق فى سقف الغرفة، فيتراقص النور على وجوه أفراد العصابة الرابضين أسفل أقدام الراقصة.. وعلى صوت الدفوف يواصل المطرب «حسرة عليها يا حسرة عليها»، وفى اللحظة الحاسمة ينقض أفراد العصابة على الضحية، ليشلوا حركتها، تاركين الفرصة لـ«ريا» حتى تكتم أنفاسها بمنديل مبلل، فى الوقت الذى يختتم فيه البيانو موسيقى الأغنية فى نغمة ممطوطة تغطى على صوت الصرخة المرعبة.