هنا.. «مقبرة السكة الحديد الجماعية»

هنا.. «مقبرة السكة الحديد الجماعية»
بلحية بيضاء كثة، ووجه يشع نوراً، يقف الشيخ سعد الشلح على أعتاب مزلقان المندرة، ليقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا وبينهم ابنه البكرى «معاذ»، معتبراً المكان «مقبرة جماعية» لزهور الحادث. تمنى الرجل الخمسينى أن تُصنع مقبرة واحدة تجمع «الشهداء»، فأبت الأسر إلا أن تحفظ رفات أبنائها فُرادى.
«هو يوم القيامة لا ريب»، هكذا حدثته نفسه من هول المشهد، خيرة أطفال البلد رحلوا فى لمح البصر، حفظة كتاب الله، معظمهم أولاد ذكور وحيدون. أسر فقدت أبناءها بالكامل، لا تعرف الولد من البنت إلا بفضل خصلات شعر ملتصقة بأجزاء مبعثرة، أما السائق فتعرفوا عليه بفعل جثمانه الكبير. يُخيل إلى الرجل أنه يحلُم، يقبض بيديه على أشلاء 9 جثث، يُغسلها ثم يُصلى عليها، يتمالك نفسه حتى لا تفيض عيناه: «كنا بندور على أى شىء ندفنه.. الموضوع كان مفزع».
يزور الشيخ «سعد» مدفن ولده كل فترة وهو مستقر اليقين أن رفاته تحتوى قطعة من زميل آخر بالرحلة، لكن إيمانه الراسخ جعله موقناً بالمقولة الشهيرة «وما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها»، لذا يردد دوماً: «هم فى مكان أفضل».
يتذكر الأب للبنتين «مريم ومروة» نطفته التى رحلت دون سابق إنذار: «كان حافظ نص القرآن، بس أكيد بيكمل حفظ مع سيدنا إبراهيم». يتذكر أنه حين كان يروى حديثاً شريفاً بسند الصحابى «معاذ بن جبل» كان الصغير يهرع نحو والدته ليخبرها: «بابا قال اسمى جنب اسم الرسول»، فكانت آخر ما خطته يداه الصغيرتان لوحة صغيرة تحمل اسم «معاذ بن جبل بن سعد الشلح».
على الرغم من أن الشيخ «سعد» لم يبكِ ولو لمرة واحدة منذ وقوع الفاجعة، فإن غصّة تصيبه فى القلب جرّاء صلف الدولة، يقول: «كل مسئول كان يجيلنا بعد الحادثة يقول مكتبى مفتوح، بعدها السكرتيرة تقابلنا عشان ناخد ميعاد».
اليوم التالى للحادث (18 نوفمبر) كان موافقاً مراسم تنصيب البابا «تواضروس»، الذى أرسل وفداً لتعزية أهالى الضحايا وتقديم العون بكل ما يأمرون به، فبادله الأهالى ببرقية شكر، كذلك كان دور شيخ الأزهر واضحاً فى محاولات بناء معهد تعليمى.. «بس الأوراق بتقف عند مجلس الوزراء».
لا يطلب الرجل عوناً مالياً وإنما مؤازرة معنوية تخفف عنه الحمل. قبل أشهر، أراحت «رحلة عمرة» تابعة لوزارة السياحة قلوب المتعبين، فيما قررت كل جهة موظف لديها والد «شهيد» إرسالهم لرحلة عُمرة أخرى، إلا وزارة الأوقاف التى يتبعها الرجل الخمسينى: «نفسنا نحج بيت ربنا حتى لو هندفع الرسوم من جيبنا.. بس لو اشتكينا بلدنا، يبقى مانستحقش جنسيتها».
«عمرى ما تأثرت بمنظر الموت زى اليوم ده»، قالها عم سيد محمد، عامل السويتش فى مستشفى منفلوط الحكومى بأسيوط، والمسئول فيه منذ زمن عن غسل الموتى.
الدموع تنهال من عينيه كالمطر، فتخالط دماءً بدأت فى التجلط. الزحام داخل ثلاجة المستشفى القابعة فى الدور الأرضى لا يُحتمل، و«الخشبة» التى تحمل جثة واحدة التى اعتاد الرجل على تغسيلها، يقف على أعتابها 15 أباً يحملون أشلاء أطفالهم، العدد بدأ فى التزايد ما اضطر بعض الأهالى لحمل ذويهم أو بالأحرى لملمة أجزائهم المتبقية للغُسل بمعرفتهم، غير أن عين الرجل الخمسينى ذرفت بغزارة لحظة سقوط أعضاء للأطفال من أيدى آبائهم. قدم مبتورة، وفروة رأس وأجزاء من معدة هى الذكرى المتبقية من الأطفال الأبرار فوق أرضية المشرحة. عم «سيد» تطوع بجمع بقايا الأعضاء فى قطعة قماشية ووضعها داخل رف فى الثلاجة، فيما تجاور الأعضاء رفيقاتها، إلى جانب جثتين لم يبق منهما سوى «فردة» كوتشى أبيض فى أسود بالقدم اليمنى لصغير لم يتعد الثامنة.
مشوار واحد، لا يغيره محمد سراج الدين، والد الشهيد «محمد»، منذ رحيله، هو زيارة قبره، يقترب من «الجبّانة» يحاول أن يحتضنها، تلمع عيناه، ويقلب بصره بين القبر تارة وصوب السماء مرات، يدعو فيجهش بالبكاء. يتذكر لحظة سماعه الخبر، ويسترجع طلب فقيده عدم الذهاب للمدرسة قبل أن ترغمه أمه، بعدها بدقائق: «قالوا القطر خد الأتوبيس فى سكته». ساعات ظل يبحث فيها «سراج» عن فلذة كبده، فلم يرَ غير حقيبته: «السندوتشات زى ما هى، والعصير شرب نصه وساب الباقى عشان يكمله فى المدرسة.. بس ملحقش يوصل»، قبل أن يميزه بملابسه. لم تُقِم البلد عزاءً فالجميع مكلوم، بينما ينعى الرجل الثلاثينى حاله وحال الدولة بتهكم: «سموا طريق الحادثة (الشهداء) وحطوا كام عمود نور!».
اخبار متعلقة
«الوطن» مع أسر شهداء قطار أسيوط فى الذكرى الأولى للكارثة
أهالى الشهداء يروون «حدوتة الصبر» على فقدان «الضنا»
عامل المزلقان المتهم: نار السجن ولا نظرة من «أبوالشهيد»
«الوطن» ترافق الطلبة: رحل الأتوبيس وبقيت أرقامه
موقع الكارثة: المزلقان على إهماله.. وحجر أساس لمعهد لن يرى النور
قصة «صورتين» داخل المعهد الأزهرى: ضحايا داخل «إطار»