أهالى الشهداء يروون «حدوتة الصبر» على فقدان «الضنا»

كتب: أحمد الليثى

أهالى الشهداء يروون «حدوتة الصبر» على فقدان «الضنا»

أهالى الشهداء يروون «حدوتة الصبر» على فقدان «الضنا»

فى سرادق عزاء لا ينقطع، اختارت أن تقضى أيامها، غير أن الصبر يتجلى فى شخصها، كلما تعثرت قدماها بادرها الأمل، ليخفت بريقه سريعا. فى ذكرى أربعين زوجها، جاءها الخبر اليقين: «مبروك أنتِ حامل» كانت الجملة بمثابة القشة التى استندت عليها «هبة زين العابدين» الأم لطفلتين والأرملة التى فقدت زوجها قبل أيام فى طريقها لتصبح «أم الولد»، حضر «عربى» إلى الدنيا شبيها بأبيه، لذا حمل لقب العائلة «عربى محمد العربى». كل يوم تتأمل المرأة العشرينية وجه حبيبها الصغير، لا ترجو من الخالق سوى حفظه، يخالجها الشك بأنه «ابن موت»، تُنسيها الأيام الوساوس. ملأ عليها الدنيا بأسرها، وقفز إلى عامه التاسع سريعا، فى عين أمه «سيد الرجال» يقول عن نفسه: «أنا كلمتى تمشى فى البيت»، ينصح شقيقته الطالبة بالإعدادية أن ترتدى حجابا، يحفظ القرآن، حوّل المنزل إلى بسمة كبيرة، قبل أن تقتلعها «صدمة القطار». قبيل أيام من حلول سنوية «عربى»، لم تكن الأم خلعت زى حدادها الأسود، لتتراكم عليها النكبات، فوالدها الذى ربى «عربى» يلحقه لدى رفيق أعلى. ارتسمت ملامح الفقد على وجهه، ثم رحل. 45 ألف جنيه هى مجموع التعويضات التى حصلت عليها أسر الضحايا من 5 جهات «الأوقاف، والسكك الحديدية، والأزهر، والشئون الاجتماعية والمحافظة»، وفضلت «أم عربى» ألا تبدد الأموال فى شىء دنيوى، فأقامت مسجدا فى مكان بعيد وأرفقت جواره شقة صغيرة حتى لا تمر بمكان الحادث. تقطع «هبة» نحو 2 كيلو كاملين سيرا على الأقدام، حتى لا تطأ قدماها موضع مزلقان المندرة: «ليلاتى دموعى ع المخدة، مش قادرة أصدق، لسه ريحته فى الهدوم، بس الحمد لله على كل حال». لم يكن «عربى» مجرد صغير ترتبط به أمه، فكان بالنسبة لجيرانها بهجة الشارع، يستغربون من انطلاقه، يدون على الحوائط اسمه بخط طفولى يُظهر لين اليد، لكنه قبل 3 أشهر من الحادث راح يمسك بإحدى صوره ويضعها فى برواز، وحين سألته أمه عن السبب أجابها بنصف ضحكة: «عشان لما أموت تفتكرينى»، تتذكر الأرملة الكلمة باستمرار، تواجهها فى وحدتها، فيما تسأل ربها أن يهون عليها هجمات القدر. أسبوع كامل قضاه «عربى» جليس الفراش، قبل أن يتعافى ليلة الحادث، فى الصباح أصر أن يذهب للمعهد؛ فهو أدى امتحان التربية الدينية حاصلا على الدرجة النهائية، كما أخبرته أبلة «هناء» فى التليفون، لكنه أراد أن يُبصر ورقة النتيجة بعينيه، فكان حضن والدته فخرا، هو آخر ما لمس جسده. داخل جمعية المجتمع الخيرية بالمندرة صورة مجمعة لضحايا الحادث، فيما خُصصت صورة شخصية لكل شهيد مهداة لأسرته تذكارا، لكن منزل الطفل «طارق عبدالباسط الشيمى» لا يزال خاليا من صورته، فوالدته ترفض تعليقها، وكذلك أغلقت دولاب ملابسه نهائيا، خشية الانهيار. يتوجس الحاج عبدالباسط الشيمى حين تأتى سيرة ولده ابن العشر سنوات وقت الرحيل، تقفز إلى ذهنه لحظة حين طلبت والدته عدم ذهابه للمدرسة بسبب عدم وجود سندوتشات، «قال لها: برضه هروح»، فاته الأتوبيس فلم يعد للمنزل، راح يركض خلفه حتى وصل إليه قبل المزلقان بـ100 متر فقط، وبعد دقيقتين حصل «قدر الله». 6 سنوات كاملة قضتها «شيرين عبدالراضى» دون إنجاب، قبل أن يأتى إلى الدنيا «علام محمد علام» وبات ونيسها. توفى والده عقب مجيئه للدنيا بعامين وشهر، وأصيب جده بجلطة فى قدمه اليمنى من أثر الحزن، فقررا أن يرعياه معا، فيما كانت الأبلة «آيات»، قريبتهم ورفيقة المنزل، تبيت عندهم دوما، اعتبرته وليا، يداوم على الصلاة وهو ابن الرابعة، ينزعج إن فاتته جماعة، يضع المصحف على صدره وهو يسير فى الطرقات، خجول، يشبه والده. تناديه أمه «مصطفى»، فيدون اسمه على المنزل مرتين، الأولى «علام» حسب وصية والده، والأخرى «مصطفى» كى لا يغضب والدته. فى ذلك اليوم استيقظ مبكرا على غير عادته، وارتدى ملابسه الجديدة وحده «كان أول مرة يلبس الشتوى»، لم يكن ابن الثمانى سنوات يحب الإفطار فطلبه يومها، أطلق القطار نفيره فى تمام السادسة فاستعجل الأم: «عايز أمشى بسرعة»، ودعته أمه وهو يسير مُنشدا: «نور فى الظلمات» كمقطوعة من أنشودة حفظها من أبلة آيات، سيلقيها على تلاميذ المعهد لحظة تكريمه فى حفل الأوائل، وهو منهم. قبل يوم واحد من الحادث كان قطاع غزة يُضرب بالصواريخ فتوجهت «آيات» صوب القِبلة مرددة: «اللهم أكرمنا بالشهادة». عقب نزول «علام» بدقائق شعرت والدته بانقباض فى القلب، خال لها أن زوجها يربت على كتفيها، دمعت عيناها تلقائيا، هبطت إلى الشارع صوب المدرسة التى تعمل بها، شعرت بأجواء كئيبة، هاتفتها إحدى الجارات: «هو فين علام؟» ثم أغلقت سريعا، سمعت الجمع يقولون فى الشارع: «الحقوا اللى حصل عند المزلقان»، انخلع فؤادها، أوقفت «توك توك» فوجدت رجلا كبيرا يلطم خديه، فأيقنت أن الأمر جلل، لا تعرف كيف وصلت إلى المستشفى. بأيادٍ مرتعشة تبحث فى كشف الأحياء، ينتهى البحث، فتعيد الكرة، لكنها وجدته ملقى على الأرض مبتسما بملابس نظيفة، حتى تسريحة الشعر لم تتغير، اللهم إلا ذرات تراب أصابت ملابسه الجديدة. عقب الحادث بـ5 أيام، كان «علام» حاضرا، لكن فى منام والدته، يشبك كفه الصغير بيد والده، غير أن بينهما وبين الأم حاجزا حديديا، لكنه هون عليها الأمر، فهو صار فى رعاية رفيق دربها. اخبار متعلقة «الوطن» مع أسر شهداء قطار أسيوط فى الذكرى الأولى للكارثة عامل المزلقان المتهم: نار السجن ولا نظرة من «أبوالشهيد» «الوطن» ترافق الطلبة: رحل الأتوبيس وبقيت أرقامه موقع الكارثة: المزلقان على إهماله.. وحجر أساس لمعهد لن يرى النور هنا.. «مقبرة السكة الحديد الجماعية» قصة «صورتين» داخل المعهد الأزهرى: ضحايا داخل «إطار»