«الوطن» ترافق الطلبة: رحل الأتوبيس وبقيت أرقامه

«الوطن» ترافق الطلبة: رحل الأتوبيس وبقيت أرقامه
عقب شروق الشمس بلحظات تضبط ساعتك على «أيمن سيد» حاملا حقيبته المدرسية فى انتظار «ميكروباص» معهد نور الأزهرى النموذجى، الطفل الذى تخلف عن الدراسة يوم الحادث كتب له عمر جديد، بعدما أصر على النوم، بينما ظل أسبوعا كاملا لا يخرج من المنزل من هول الصدمة.. مع دقات السادسة والربع يحين موعد عم «رضا»، سائق الميكروباص الجديد، خلفا لعم «على»، داخل قرية المندرة يكون الطواف الأخير قبل الوصول للمزلقان، وجوه الأطفال تترقب تلقائيا، يتلفت السائق رغم فتح المزلقان، يقف للحظات، قشعريرة تصيب الجسد لحظة ملامسة عجلات السيارة القضبان، البراءة تكسو الملامح، وتخفى وراءها حزنا دفينا.
نصف ساعة كاملة، يقطعها الميكروباص صوب مقر المعهد بقرية بنى عدى، كافية لإعادة ذكريات موجعة للأذهان، الأطفال ذاتهم ولكن فى النفوس غصة؛ فكلما تحسست «مروة حسين» ذات الوجه الملائكى والعيون المتلألئة والبشرة البيضاء جبهتها، تبدلت البسمة دموعا، بفعل ذلك الجرح الغائر من يوم الحادث «باقلق وأنا معدية على المزلقان.. قلبى بيتقبض وبفتكر صحباتى التوأم إيمان وآيات يحيى».
اللعب فى الطريق والضحك بات مقتصرا على الأطفال دون العاشرة، أما كل من تسعفه ذاكرته للرجوع عاما كاملا فلا يزال محتفظا بقدر من الهم، على الأريكة المقابلة لمروة تجلس «روان» شقيقتها الصغرى، 8 سنوات، رحل شقيقهما الأكبر «هشام» عن عمر 10 سنوات «مش فاكرة حاجة خالص.. بس هشام كان طيب» تقولها روان بوجه طفولى ضاحك، بينما تعلو ضحكات الصغار غير مبالين، يتحدثون عن عم «على» السائق الراحل بحب شديد.
«لسه بقول قد أفلح المؤمنون.. حسيت بشوية برد ولقيت نفسى على الرصيف» يبدأ بها «عاصم زكريا»، 12 سنة، حديثه، ساردا شعوره لحظة اصطدام القطار بالأتوبيس، يؤكد أن جميع من نجوا حظهم أوقعهم فى الكرسى الأخير، الصبى يحفظ كتاب الله كاملا، يترحم على رفاق الأتوبيس «عدت سنة ولسه فيه ناس مش مصدقة إن عيالها راحت».
«2032» رقم لوحة الأتوبيس، هى آخر ما تبقى من «سيارة الموت»، الأتوبيس صار 6 قطع، إحداها التصقت بمقدمة القطار، الأتوبيس، ذو اللون الأخضر فى أبيض، عكر نقاءه الدم، بيعت أجزاؤه خردة، فيما جُددت الأرقام لسيارة أخرى تابعة للمعهد الأزهرى، حسب المهندس محمد مصطفى، كبير مهندسى إدارة مرور أسيوط بقرية «منقباد»، والذى كان مسئولا عن عملية الفحص عقب الحادث «72 راكبا فى سيارة ترخيصها 29 بس» يبرر بها الرجل الخمسينى ضخامة عدد الضحايا، قبل أن يؤكد أنه ربما خدعهم صغر أجساد الأطفال، يعتبر «مصطفى» أن سوء تقدير سائق الأتوبيس كان سببا رئيسيا فى وقوع الحادث بهذا الشكل، مشيراً إلى أن المزلقان لا توجد عنده أى حواجز، فيما يطلق القطار نفيره قبل الوصول للمزلقان بـ3 كيلومترات كاملة.
على طريق ممهد تارة، ومكفهر مرات يمر ميكروباص الأطفال صوب المعهد، الضحك واللعب مع الصغار يهون على «رضا بركة» -السائق الذى عمل بالمعهد عقب الحادث- طول الطريق، يداعب «سيد وطه» الجالسين جواره فى الكرسى الأمامى فيضجان بالضحك «كانوا فى الحادثة بس ميفتكروش حاجة.. لسه صغار».
لا تتوقف عينا الدادة «سعاد» عن الدموع، تنهمر كالسيل، يتهدج صوتها، تقطع الكلمات من وقع الذكرى السيئة، 8 أشهر قضتها المرأة الأربعينية فى المنزل تتعافى من آثار الحادث «وأنا فى المستشفى كل ما أسأل على عيل يقولوا مات»، تصمت للحظات، تمتد لدقائق «كنت مركباهم بإيدى، حسيت بخبطة شديدة جنبى وصحيت فى المستشفى»، تعمل «سعاد» فى المعهد منذ 3 سنوات، تعتبره بيتها، قسوة والدها وزوجها الذى هجرها ببنتين وولد حولتها لحنو ورفق قِبل الأطفال «كلهم بيحبونى وأنا بموت فيهم»، تحكى بمرارة عن أول يوم عادت فيه للعمل دون أن تجد أكثر من 50 طفلا كانت تجلس معهم أكثر من أولادها «كل ما أخطى خطوة فى المعهد أفتكر طفل من اللى راحوا».. يصل الميكروباص صوب بوابة المعهد فى تمام السابعة والنصف، ينطلق الصغار صوب الباب يتحدثون ويتسامرون قبل أن يبدأ الطابور مع دقات الثامنة صباحا.
اخبار متعلقة
«الوطن» مع أسر شهداء قطار أسيوط فى الذكرى الأولى للكارثة
أهالى الشهداء يروون «حدوتة الصبر» على فقدان «الضنا»
عامل المزلقان المتهم: نار السجن ولا نظرة من «أبوالشهيد»
موقع الكارثة: المزلقان على إهماله.. وحجر أساس لمعهد لن يرى النور
هنا.. «مقبرة السكة الحديد الجماعية»
قصة «صورتين» داخل المعهد الأزهرى: ضحايا داخل «إطار»