تقسيم مصر بـ«التعليم»

كتب: محمد البرغوثى

تقسيم مصر بـ«التعليم»

تقسيم مصر بـ«التعليم»

منذ أكثر من 65 عاماً، أطلق الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربى وأشهر وزير معارف عرفته مصر، مقولته الشهيرة: «التعليم كالماء والهواء».. ومنذ أكثر من نصف قرن وخبراء وفلاسفة التربية يكررون فى دأب وحسم أن «التعليم هو أعظم صناعة مجتمعية».. وأن أحد أهم مقومات الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعى هو أن يخضع الناس جميعاً -فقيرهم وغنيهم- لتعليم أساسى واحد. وفى كل بلدان العالم، التى قطعت شوطاً فى التنمية الحقيقية وتحسين شروط الحياة والارتقاء بمواطنيها، كان التعليم الموحد للجميع، هو الأساس المتين الذى قامت عليه فكرة المواطنة وتفرعت عنه مشاعر وجدانية عظيمة، مثل الهوية الواحدة والانتماء. وعلى الرغم من أن مصر كانت من الدول الرائدة عالمياً، فى وضع مناهج تعليمية راقية ومتطورة فى كل مراحل التعليم، ورغم مشاركة عشرات التربويين المصريين وعلماء الجامعات فى وضع مناهج العديد من دول العالم الثالث، فلم يعد هناك مراقب أو خبير أو حتى مواطن واحد، إلا ويشعر بحسرة بالغة وحزن مفجع على ما آلت إليه أحوال التعليم فى مصر من ضعف ورداءة وتعقيد وحشو، ثم اكتملت الكارثة بتحول التعليم خلال الثلاثين عاماً الأخيرة إلى أحد أهم معاول هدم الوحدة الوطنية وتفتيت النسيج المجتمعى. لقد أصبح التعليم الجيد فى مصر حكراً على من يملكون الثمن، بعد أن توحشت ظاهرة المدارس والجامعات الخاصة، ثم انقسمت هذه المؤسسات التعليمية الخاصة إلى محلية يجتذب بعضها أبناء الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، ويجتذب البعض الآخر أبناء الشريحة العليا من ذات الطبقة، وتعمق الانقسام مع توالد المدارس الخاصة الدولية، التى لا يلتحق بها إلا أبناء الصفوة المحتكرة للثروة والسلطة.

{long_qoute_1}

وبدلاً من التدخل العاجل لوقف هذا التفتيت والتقسيم من المنبع، سارعت المؤسسات التعليمية العامة إلى اللحاق بهذا الخراب، فتوالدت أقسام التعليم الموازى فى جامعات مصر العامة، وأصبح لدينا طلاب جامعات فقراء لا يحصلون إلا على تعليم ردىء، مقابل طلاب أغنياء يدفع الواحد منهم 75 ألف جنيه سنوياً فى كليات القمة بجامعات العاصمة، ليحصل على تعليم أفضل من زميله الفقير. وفى هذا الملف الذى تفتحه «الوطن» عن قضية فى منتهى الخطورة.. نتعرف على مزيد من تفاصيل تدمير الوحدة الوطنية بالتعليم، وتخريب التماسك المجتمعى بالتفرقة بين المواطنين فى التعليم الأساسى.. حتى أصبح لدينا عشرات الهويات المتصادمة بدلاً من هوية واحدة.. وعشرات الأوطان المختلفة تعليمياً.. بدلاً من وطن واحد.


مواضيع متعلقة