أطفال سوهاج.. الموت فى انتظار «حضَّانة»

كتب: خالد الغويط

أطفال سوهاج.. الموت فى انتظار «حضَّانة»

أطفال سوهاج.. الموت فى انتظار «حضَّانة»

فى محافظة سوهاج التى تحتل المركز الثانى دوماً بقائمة «الأكثر فقراً»، وفق تقارير التنمية البشرية المتتالية، تصبح رحلة البحث عن حضَّانة للأطفال حديثى النمو فى المستشفيات، أقرب إلى سباق بين الحياة والموت، فالإجابات التى سيسمعها حتماً كل أب فى تلك الرحلة الصعبة، هى «انتظر دورك»، و«لا يوجد»، و«لا تعمل»، ثم يبقى الحل الأخير «اذهب إلى أسيوط».

بوجوه أثقلتها الهموم، يتردد عشرات البسطاء من أبناء سوهاج على مقر الجمعية الشرعية وسط المدينة يومياً، على أمل العثور على حضّانة خالية، ثم يكررون الزيارة صباحاً ومساء، رجالاً ونساء، خاصة أن حضانات الجمعية كلها بالمجان، بينما تتجاوز أسعار اليوم الواحد فى حضانات المراكز الخاصة الألف جنيه. {left_qoute_1}

يضطر المترددون على الجمعية الشرعية إلى تسجيل أسمائهم فى قائمة انتظار طويلة، لا تقل عن 48 حالة يومياً، بينما عدد الحضانات المتوافرة فى الجمعية هو 40 حضانة فقط، ورغم أن الوقت يداهمهم، إلا أنهم يضطرون فى النهاية إلى «تسليم أمرهم لله»، وانتظار ما سيأتى، لأن البديل هو الانتظار فى قائمة أطول بمستشفى سوهاج العام، الذى يضم 33 حضانة تعمل منها 6 فقط.

ومع تزايد أعداد المواليد فى المحافظة، وارتفاع عدد حالات الولادة القيصرية، التى أرجعها مسئولون فى مديرية الصحة إلى قلة خبرة الأطباء، واستعجالهم إخراج الجنين من بطن أمه قبل اكتمال نموه، زادت الحاجة إلى وضع المواليد فى حضّانات، ما يحمل الأهالى نفقات باهظة يدفعونها فى مراكز الحضانات الخاصة، التى تحولت إلى تجارة رائجة، حيث تصل تكلفة الليلة الواحدة فيها إلى ألف جنيه، فى ظل عجز المستشفيات الحكومية عن استيعاب الأعداد الكبيرة للمواليد.

وناشد الأهالى مسئولى «الصحة» سرعة التدخل لإنقاذ أبنائهم من الموت، ووضع حلول جذرية لمشكلة نقص الحضانات فى مستشفيات المحافظة، فيما كان رد الفعل الرسمى على تلك الأزمة مثيراً للجدل، فعندما سألت «الوطن» وكيل وزارة الصحة، الدكتور يسرى بيومى، عن أزمة الحضانات وأسباب عدم عملها بكفاءة، خاصة فى مستشفى سوهاج العام، أكد أنها تعمل بكامل طاقتها، وتشبه فنادق الخمس نجوم، ما لاقى استنكاراً من أطباء المستشفى العام، الذين أكدوا أن مشكلات الحضانات لا تعد ولا تحصى، وتعمل بربع طاقتها فقط.

«الوطن» زارت مركز رعاية الأطفال حديثى الولادة الوحيد فى سوهاج، الذى يقدم خدماته إلى الأهالى بالمجان، ويتبع الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، وبحسب المدير الإدارى لحضاناتها، الدكرورى السيد عبدالقادر، فإن الجمعية تأسست عام 1997، وتعمل من وقتها بتبرعات أهل الخير، وأضاف: «تضم 40 حضانة، بينما قوائم الانتظار تشمل 48 مولوداً لا تتمكن الجمعية من مساعدتهم، بسبب عدم وجود أماكن شاغرة، وجميعها حالات لأسر معدمة، لا تملك قوت يومها، ولا تستطيع الذهاب إلى الحضانات الخاصة، وكشف عن إنفاق الجمعية ما يزيد على المليون جنيه شهرياً فى رعاية الأطفال حديثى الولادة. {left_qoute_2}

وطالب «عبدالقادر» بضرورة تشغيل حضانات مستشفيات سوهاج العام وسوهاج التعليمى بكامل طاقتها فى أسرع وقت، لتخفيف العبء عن الجمعية. وعلى أبواب الجمعية الشرعية فى سوهاج، وقف عارف عويس، أحد أهالى مدينة جرجا، حائراً، بعدما عجز عن إدخال طفله حديث الولادة إلى حضانات الجمعية الشرعية، التى كانت الأمل الأخير له، وأكد عويس لـ«الوطن» أنه سيضطر إلى انتظار اتصال من الجمعية الشرعية لإبلاغه بخلو مكان لابنه، لأنها تقدم خدماتها بالمجان، بينما لا يستطيع تحمل نفقات الحضانات الخاصة، ثم اختتم حديثه قائلاً «إذا مات، ستكون هذه هى مشيئة الله، لكن السبب هو إهمال وزارة الصحة فى توفير الحضانات».

أما ربة المنزل سوسن حماد، فجاءت بحفيدتها المولودة حديثاً بعملية قيصرية فى عيادة خاصة بمدينة المنشاة، وقالت: «فور الولادة، أخبرنا الطبيب أن المولودة تحتاج إلى دخول حضّانة لمدة 15 يوماً، فذهبت إلى مستشفى المنشاة المركزى للبحث عن مكان، لكن المسئولين هناك أبلغونا بوجود حضّانتين فقط، ولا توجد أماكن شاغرة، فاضطررنا إلى القدوم لمدينة سوهاج، وبحثنا عن حضانة شاغرة فى المستشفيات العامة، والجامعى، والهلال الأحمر، إلا أننا فشلنا فى الحصول على واحدة»، وعندما ذهبت إلى حضّانة خاصة فى مدينة سوهاج، طلبت منها دفع 500 جنيه فى اليوم الواحد، رغم أنه لم يكن بحوزتها سوى 5 جنيهات.

وفى المستشفى الجامعى، قال أحد المسئولين لـ«الوطن»، طلب عدم ذكر اسمه، إن المستشفى يضم 24 حضّانة، بينها 10 حضانات للتنفس الصناعى، وجميعها تعمل بكامل طاقتها، مؤكداً أن المستشفى يشهد 20 حالة ولادة يومياً، منها 6 حالات تحتاج إلى استكمال النمو فى الحضّانات، أى بنسبة 30% من المواليد، وأضاف أن قوائم الانتظار فى المستشفى تخطت الـ50 حالة، ولا يوجد حل أمام إدارة المستشفى سوى إقناع الأهالى بالتوجه إلى الجمعية الشرعية أو المراكز الخاصة، نظراً لعدم وجود أماكن شاغرة، فيما حمَّل الأطباء حديثى التخرج مسئولية تزايد أعداد المواليد التى تحتاج إلى حضانات، بسبب استعجالهم الولادة بإجراء الجراحة القيصرية قبل اكتمال نمو الجنين، مشيراً إلى أن بعض الأطباء يستسهل الولادة القيصرية، بدلاً من انتظار السيدة ليوم كامل داخل عيادته، واضطراره لمتابعتها حتى تلد بشكل طبيعى.

وشدد على أن مركزاً واحداً يضم 200 أو 250 حضانة سيكون كافياً لمواليد محافظة سوهاج، مشيراً إلى أن «المواليد من أبناء الفقراء يموتون بسبب عدم وجود حضّانات، وعدم قدرة الأهالى على إدخالهم حضّانات فى المراكز الخاصة، التى تمص دماء الغلابة، دون أن يكون هناك رقيب عليها أو على أسعارها من وزارة الصحة، لذلك فإن الحل هو استغلال الأرض الفضاء التى تقع داخل مستشفى الصحة النفسية المقامة على مساحة 4 أفدنة فى وسط مدينة سوهاج، لإقامة مركز حضّانات متخصص لرعاية الأطفال حديثى الولادة، ولا يستلزم ذلك أكثر من قرار لوزير الصحة، ينقذ به حياة أطفال البسطاء»، وشدد على أن «وزارة الصحة ملزمة بتوفير مركز صيانة فى المحافظة، يكون موجوداً فيه فنيون بشكل دائم، وتستطيع الوزارة إلزام شركات الصيانة بفتح مراكز لها فى جميع المحافظات، مع توفير فنيين على مدار الساعة»، مشيراً إلى أن «مستشفى الهلال الأحمر لديه قوائم انتظار لـ20 حالة، جميعها لأسر بسيطة». {left_qoute_3}

وقبل أن تتوجه «الوطن» إلى مستشفى سوهاج العام، أجرت مكالمة تليفونية مع وكيل وزارة الصحة فى المحافظة، الدكتور يسرى بيومى، لاستطلاع حقيقة الوضع داخل المستشفى، وأسباب عدم تشغيل الحضّانات فيها، فقال إن «المواليد فى سوهاج تشهد تفاوتاً من موسم لآخر، فهناك فترات تكون فيها الحضانات فارغة، ولا يوجد فيها سوى حالة أو حالتين، وهناك فترات أخرى تكون ممتلئة عن آخرها».

وأكد «بيومى» أن «الحضانات فى المستشفيات الحكومية شهدت تطوراً كبيراً فى الفترة الماضية، فلدينا حضانات فى مستشفى سوهاج العام عبارة عن فندق 5 نجوم، نظراً لما يوجد فيها من إمكانيات، وتتعامل مديرية الصحة مع جميع الحالات، وتنسق مع جميع المستشفيات فى المدن والقرى، بشأن استقبال المواليد، وعندما تكون المستشفيات الحكومية مضغوطة، يتجه الأهالى إلى الحضانات الخاصة».

وأثارت تصريحات وكيل وزارة الصحة فى المحافظة غضب واستنكار أطباء المستشفى العام، الذين نفوا لـ«الوطن» صحة ما جاء على لسان «بيومى»، مؤكدين أن حضّانات المستشفى لا تعمل بشكل جيد، رغم تجديدها مؤخراً، وبحسب أحد أطباء المستشفى، رفض ذكر اسمه، فإن «الوضع داخل المستشفى سيئ بشكل عام، خاصة فى قسمى الحضّانات وعمليات الجراحة العامة، فشبكة الغازات لم تستكمل، رغم إسنادها إلى شركة تابعة للهيئة الهندسية، وكان مفترضاً الانتهاء من الشبكة منذ 8 أشهر، لكن لا أحد يعرف أسباب التأخير».

وأشار إلى إرسال إدارة المستشفى العديد من الاستغاثات إلى محافظ سوهاج، الدكتور أيمن عبدالمنعم، لبحث الأوضاع فى المستشفى، والعمل على حلها سريعاً، إلا أن تلك الاستغاثات لم تجد صدى لديه، كما أرسل الأطباء عدة مذكرات إلى وكيل وزارة الصحة، وديوان عام الوزارة فى القاهرة، للتحذير من الأوضاع المتدهورة فى المستشفى، دون أى استجابة، مضيفاً أن «المستشفى يضم 33 حضّانة، يعمل منها 6 حضانات فقط، والباقى خارج الخدمة، بسبب عدم تنفيذ شبكة الغازات، حيث يعتمد المستشفى على أسطوانات الأكسجين التى يتم توريدها من إحدى الشركات، التى تتأخر فى عمليات التوريد عادة، كما لا يمكن أن يستقبل المستشفى المواليد الذين يحتاجون أجهزة تنفس صناعى»، وقال إن «المستشفى العام دخل فى خطة التطوير لكن بصورة مقلوبة، كما تفعل الحكومة فى معظم مشروعاتها، حيث يتم رصف الطرق ثم تكسيرها بعد فترة لتركيب شبكة الصرف الصحى، كما حدث فى مشروع تطوير المستشفى أيضاً، حيث تم تطوير عدد من الأقسام قبل تركيب شبكة الغازات، ما يعتبر خطأ فادحاً، وكان الأولى تركيب الشبكة ثم إجراء عمليات الصيانة للمستشفى».

ووجه الطبيب الاتهام إلى وكيل وزارة الصحة بإخفاء الحقائق التى يعلمها الجميع، مؤكداً «هو يدلى دائماً بتصريحات حول استقرار الأوضاع، وأن كل شىء يعمل فى تناغم داخل المستشفى العام، رغم أنه يعلم جيداً أن المستشفى يحتاج إلى ميزانية ضخمة ليسترد عافيته من جديد، ويقدم خدمة تليق بالمواطنين»، موضحاً أن «قسم الحضانات فى المستشفى عديم الفائدة لكونه لا يعمل بشكل سليم، كما توجد أكثر من 30 حالة انتظار، بينما تقف إدارة المستشفى عاجزة عن التصرف مع تلك الحالات التى تحتاج إلى حضّانات بشكل فورى، خاصة أن معظم أهالى المحافظة غير قادرين على تحمل تكاليف الحضّانات الخاصة، فعملية الولادة تتكلف حوالى ألفى جنيه، ثم تتكلف الحضّانة أكثر من 5 آلاف جنيه فى المتوسط، وتصل إلى 10 آلاف جنيه فى حالات أخرى، فمن أين يأتى الناس بتلك المبالغ؟».

واعتبر أن تزايد حالات إلحاق المواليد بالحضانات يرجع إلى سببين، الأول عامل طبيعى، ناتج عن كون المولود ناقص النمو، أما الثانى فهو تسابق الأطباء صغار السن إلى إجراء عمليات الولادة القيصرية، خوفاً من هروب الحالة منهم، فيتم إقناع الأم بأنها لا بد أن تلد عن طريق العملية القيصرية، لأن حياة الطفل مهددة بالخطر، وكل ذلك يتم من أجل الحصول على المال، دون أن يضع أى منهم الظروف المادية للأسرة فى اعتبارهم، حتى لو كانوا يلقون بالمولود إلى التهلكة، ويتسببون فى إزهاق الأرواح البريئة. وكشف الطبيب عن تعاقد هيئة المعونة الأمريكية مع وزارة الصحة فى عام 2002، على تزويد كل مستشفيات سوهاج بحضّانات، ما وصفه بأنه من أفضل التعاقدات التى أبرمتها وزارة الصحة، موضحاً «كانت جميع الحضّانات تعمل بشكل جيد فى جميع المستشفيات الحكومية بعد تزويدها بالأطباء والممرضات، لكن مع مرور الوقت تعطلت الأجهزة، وأغلقت أقسام الحضّانات فى معظم المستشفيات، وأصبحت السوق مفتوحة أمام أصحاب رؤوس الأموال، الذين وجدوا فرصتهم للاتجار بالغلابة عن طريق فتح مراكز متخصصة فى الحضّانات، هدفها الأول هو الربح المادى، وليس خدمة الأهالى، وانتشرت تلك المراكز بشكل كبير، ودون تنظيم من وزارة الصحة، فأصبحت القرى الفقيرة تضم مراكز للحضّانات، ويضطر البسطاء إلى بيع كل ما يملكون أحياناً، حتى يتمكنوا من إدخال أبنائهم لتلك الحضانات، وسط صمت تام من مسئولى الصحة».

وطالب الطبيب بأن يخاطب محافظ سوهاج، الدكتور أيمن عبدالمنعم، وزارة الصحة للعمل على حل مشكلة الحضّانات، أو إطلاق حملة تبرعات لرجال الأعمال فى المحافظة لإنشاء مراكز متخصصة للحضانات.

 

إحدى الأمهات تقف بجوار طفلها


مواضيع متعلقة