خالد حنفي يستعرض تاريخ «الجماعة الفاشية» (الحلقة الرابعة)

خالد حنفي يستعرض تاريخ «الجماعة الفاشية» (الحلقة الرابعة)
- «الجماعة الفاشية»
- الإخوان الإرهابية
- الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر
- يوسف القرضاوى
- «الجماعة الفاشية»
- الإخوان الإرهابية
- الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر
- يوسف القرضاوى
لم يسلم الأزهر الشريف من مكائد الإخوان.. كالعادة لم يكن لديهم الجرأة لأن تعلن الجماعة الفاشية عن نيتها تجاه الأزهر قبل 25 يناير.. فقط كان مكاناً لكى ينمو فيه طلاب ينتمون لهم، إما أثناء الدراسة أو بعدها.. مكان يستغلون اسمه باعتباره المرجعية الدينية الأولى للمسلمين فى دينهم ودنياهم.. فقط يقولون إنهم تخرجوا فى الأزهر الشريف، وإذا ما تزايدت أعدادهم استعرضوا عضلاتهم.
وهو ما حدث عندما نظم طلاب الجماعة عرضاً عسكرياً فى جامعة الأزهر وقت أن كان رئيسها العالم الجليل الدكتور أحمد الطيب.. ترفع الجماعة فى وجوهنا شعارات دينية لا يصدقها سوى المنتمين لها أو المتعاطفين.. لكنها تريد أن يصدقها الجميع عندما ترفع هذه الشعارات، وهذا لن يتحقق لها سوى عن طريق الأزهر الشريف.. المؤسسة التى لم تقترب قياداتها منها إلا بعد 30 سنة من القطيعة بين الأزهر والجماعة.
وهذا ما حدث عندما نجحت الجماعة فى خطف كرسى الحكم فى السنة الكبيسة، وذهب محمد بديع مرشد الجماعة لمشيخة الأزهر والتقى بالطيب.. إذاً الجماعة تريد اختطاف المشيخة.. كعادتها تغازل حتى يأنس لها الآخرون، وتزيد من الغزل كى يطمئنوا، وتزرع رجالها حتى تأتى اللحظة المناسبة للانقضاض، وقد بدأت الأمور تتضح لها بعد 25 يناير.. الأزهر هدف الجماعة أيضاً.. لا بد من تشويه رموزه ومن يحكمونه.
فى الأيام الأولى وبعد رحيل نظام مبارك تقدموا ببلاغ ضد شيخ الأزهر يتهمونه بالتحريض على قتل المتظاهرين والتآمر على الثورة، واستندوا فى بلاغهم الكيدى على الأوراق التى خرجت بعد اقتحام مقرات أمن الدولة، وهى الأوراق التى اكتشفنا أن كثيراً منها «مضروب»، وكل فصيل يريد تصفية فصيل آخر أو تشويه من يقوده يخرج ورقة ويقول إن «فلان» متعاون مع الأجهزة الأمنية.
وقتها كان يتم استخدام هذه الأوراق بهدف التصفية.. رغم أن موقف الدكتور أحمد الطيب كان معروفاً للجميع ومعلناً فى بيانات صادرة من الأزهر وفى ظل وجود نظام مبارك.. لكنها الجماعة التى كانت تريد خطف الأزهر، فلابد من تصفية الإمام بأى شكل من الأشكال.
هى الجماعة التى حاربت الأزهر فى ميدان التحرير، ومنعت رموزه وممثليه من الخطابة فى التحرير أو إمامة الصلاة.. هى الجماعة التى فتحت الميدان فقط أمام يوسف القرضاوى ليصلى بالجميع فى جمعة النصر ويخطب فى الناس، وهو ما كان مزعجاً لمن كان يعرف خطر هذه الجماعة.. العالم كله شهد بأنه جرى استقبال القرضاوى ودخوله مصر على طريقة الخومينى.. وقتها حاول من فى الميدان أن يأتى بممثل عن الأزهر ليخطب فى الجمعة التالية لكن الجماعة رفضت.
قالت قيادات الجماعة ومنهم عصام العريان إنهم لم يتفقوا على ذلك، قالوا هذا الكلام رغم موافقتهم قبلها على هذا الطرح بأن يكون الأزهر حاضراً ويقوم واحد من ممثليه بإمامة الناس.. لكنها الجماعة التى لا تريد مزاحمة أحد لها.. هى الجماعة التى قررت أن تلغى دور الأزهر الشريف حتى قبل تمكنها وخطفها لكرسى الحكم، وطوال الفترة الانتقالية الأولى لم تكن الجماعة تكف عن التفتيش فى ذمم رموز الأزهر الشريف والتربص بهم والكيد لهم.. كلما هدأت الأوضاع قاموا بإشعال الفتن حتى يظن الناس أنه لا بد من تطهير الأزهر.
كان الأزهر هدفهم المنشود وإزاحة أحمد الطيب من طريقهم فرض عين.. الطيب كان شوكة فى حلق الجماعة.. بينها وبينه ثأر قديم وقد كان رئيساً لجامعة الأزهر قبل 25 يناير.. هى لم ولن تنسى له شهادته أثناء رئاسته لجامعة الأزهر ضد الطلاب الإخوان الذين نظموا عرضاً عسكرياً فى الجامعة واستعرضوا فيه مهاراتهم القتالية وهم يرتدون أقنعة سوداء وملابس تشبه تلك التى يرتديها المنتمون إلى حماس.
كانت شهادة الطيب لها أثرها فى التحقيقات التى أجرتها النيابة.. تركت أثرها أيضاً فى نفوس الجماعة الحاكمة وأوغرت صدورهم.. فى هذه الفترة كان أحمد الطيب شديد الانتقاد للطلاب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين.. كان يراهم ينصرفون عن الدراسة ويتدخلون هنا وهناك فأصبحوا مصدر صداع له.. الجماعة لم تنس للطيب شهادته وآراءه فيهم.
ما إن أصدر الرئيس الأسبق مبارك قراره بتعيين الطيب شيخاً للأزهر حتى خرج أعضاء الجماعة ينتقدون القرار ويتحفظون عليه.. خرج أحدهم -حمدى حسن المتحدث الإعلامى باسم الكتلة البرلمانية- ليقول إن اختيار الطيب له دلالة خطيرة تؤكد استمرار تدهور مؤسسة الأزهر وتراجع دورها.. اختياره يعنى إصرار النظام على تقليص دور أهم مؤسسة دينية فى العالم الإسلامى فى مرحلة خطيرة من تاريخ الأمة.
لم ينس حمدى حسن أن يشير إلى شهادة الطيب ضد الطلاب الإخوان، وهى الشهادة التى رأى أنها أدت إلى محاكمة عسكرية لأكبر عدد من قيادات الجماعة.. تمت محاكمة أكثر من 40 قيادة مع إدانة 25 بالسجن ما بين 3 سنوات و10 سنوات يأتى فى مقدمتهم خيرت الشاطر نائب المرشد العام.. هى الشهادة التى رأى أحد أعضاء الجماعة -عبدالمنعم عبدالمقصود- أنها الأخطر، فالطيب أكد أمام النيابة أن الطلاب قاموا بالتمثيل العسكرى والتخريب داخل الجامعة والقيام بتدريبات عسكرية.. صحيح أن الطلاب حصلوا على البراءة لكن قيادات الجماعة هى من دفعت الثمن، وهو أمر لن تنساه - على حد تعبيره.
فى هذا الوقت خرجت جماعة الإخوان عبر متحدثها الرسمى وهو الدكتور محمد مرسى ليؤكد أن الجماعة تتمنى أن يكون فى القرار خير للأزهر والمصريين والأمة العربية والإسلامية، وأكد مرسى أنه طالما صدر القرار من رئيس الجمهورية فلا يسعهم أن يعارضوه أو يناقشوه دون أن يعلق على مواقف الطيب مع الجماعة.
عادة الجماعة الحاكمة ألا تنسى أبداً من أساء إليها مهما غازلته فى تصريحات.. لا تنسى من يضيق عليها ويكتم على أنفاسها ويورطها.. عادتها أن تمرر الموقف وتغض الطرف عن الإساءة حتى تأتيها الفرصة وتتمكن، وساعتها سيبدأ العصف والتنكيل والإقصاء، وهو فى ظنى ما جرى مع العالم الجليل أحمد الطيب.. فى ظنى أن شهادته أمام النيابة ضد الطلاب الإخوان كسرت الجماعة ووضعت أهم شخص فيها -خيرت الشاطر- داخل السجن.
كان عليها أن ترد الصفعة بعشرة أمثالها.. جاءتها الفرصة -وكما قلت- بعد ثورة 25 يناير.. كان لشيخ الأزهر نصيب من الهتافات الغاضبة بميدان التحرير.. كانت الجماعة الحاكمة تحرض عليه بزعم أن الطيب محسوب على النظام القديم.. بزعم أن الطيب كان ضد هذه الثورة رغم أن أحمد الطيب كان واضحاً وضوح الشمس فى موقفه تجاه الثورة.
لم ينتظر حتى تأتى ثمارها ويرحل النظام ليتحدث أو يقول كلمته كما فعل غيره.. قال كلمته فى ظل وجود النظام.. هو شخصياً خرج بأكثر من بيان يدعم فيه الثورة.. فعل ذلك بعد يوم واحد من جمعة الغضب -28 يناير- أكثر من 5 بيانات أكد فيها على المطالب المشروعة للمتظاهرين وأدان فيها استخدام العنف وقام بتعزية أهالى الشهداء.. فعل هذا فى ظل وجود النظام.. لم ينتظر حتى يرحل لتظهر شجاعته.
هذا العالم الجليل رفض وصف الثورة بالإسلامية، ويبدو أن ذلك أوغر صدر التيارات الإسلامية التى كانت تجهز لاختطاف الثورة والاستئثار بها وحدها.. فلم تتركه فى حاله.. راحت تؤلب المتظاهرين ضده.. راحت تتهمه بأنه كان يتعاون مع أمن الدولة بهدف تشويه سمعته والإساءة إليه.. دفعت كثيرين لتقديم بلاغات فى النيابة ضد الطيب؛ مستندين إلى وثائق ادّعوا أنها من أوراق مباحث أمن الدولة عندما جرى اقتحامها.
التيارات الإسلامية اجتمعت على قلب رجل واحد للإطاحة بالطيب.. كان من بينها التيار السلفى.. فالمنتمون إليه يرون فى مشيخة الأزهر خطراً عليهم.. يرون فى شخص الطيب الخطر الأكبر.. فهم يعرفون رأى أحمد الطيب فى مذهبهم بأنه مذهب الغلاة ويصفهم بأنهم خوارج العصر.. الطيب قال عنهم أيضاً: «لا يمكن لأزهرى حقيقى أن يقع فى هذا المذهب.
لا يمكن لأزهرى تدرب لمدة 13 سنة على التعددية وانفتح على كل الآراء أن يقع فيه، ومن يقع فيه بالتأكيد هو من الضعفاء».. السلفيون يرون أن مذهبهم هو الحق بينما يفسقون باقى المذاهب.. كانوا يرون ذلك قبل أن يلتف السلفيون حول أحمد الطيب، ربما نكاية فى الإخوان وربما لموقف أحمد الطيب من إيران والشيعة.. فهم لن ينسوا للطيب أنه طلب من الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد أثناء زيارته للمشيخة بالقاهرة أن يتبرأ من سب الصحابة خاصة السيدة عائشة رضى الله عنها، وطالبه بألا يسعى لفرض المد الشيعى فى مصر.. كما حدثه عن اضطهاد أهل السنة فى إيران.
كان موقف شيخ الأزهر كفيلاً بأن يزيل الضغينة من قلوب السلفيين حتى ولو بشكل مؤقت.. فموقف الطيب يدعمهم فى حربهم ضد التشيع وفى مخاوفهم من السياحة الإيرانية التى يرونها خطراً كبيراً على الإسلام والمسلمين.
التفاف السلفيين حول أحمد الطيب كان التفافاً مؤقتاً انقضى سريعاً بينما استمر موقف الجماعة الفاشية من الأزهر والطيب.. تحريضها عليه زاد عندما حصلت على أكبر نسبة من مقاعد مجلس الشعب المنحل.. وصل إلى ذروته عندما وصلت الجماعة إلى كرسى الحكم.. كانت تتعمد فى كل مناسبة مهمة أن تنال من الطيب.. كانت تتعمد الإساءة إليه ربما يريحها هو شخصياً فيتقدم باعتذاره عن منصبه بدلاً من التخلص منه على طريقة النائب العام عبدالمجيد محمود فلم يجنوا سوى المتاعب وغضب أعضاء النيابة عليها وهجوم من القضاة والقوى السياسية وغيرها.
وصلت الجماعة للحكم فبدأ التربص وبدأت الإهانات.. فى حفل تنصيب محمد مرسى بجامعة القاهرة.. ذهب كثيرون وكان من بينهم الدكتور أحمد الطيب.. وجد الكرسى المخصص له يجلس عليه سعد الكتاتنى.. غضب وترك القاعة وعاد إلى مكتبه.. اتصل به مرسى ليعتذر.. لكن الرسالة وصلت.. رسالة مفادها أن يشعر بالإهانة فيتخلى هو عن منصبه.. فى نفس اليوم وفى حفل الفنية العسكرية بالهايكستب.
ذهب مرسى وصافح الجميع وتجاهل وجود شيخ الأزهر بطريقة غير لائقة ولا تناسب مكانته كشيخ للأزهر ولا مكانة الطيب العلمية.. التجاهل تكرر أيضاً فى الاحتفال بالمولد النبوى، فقد غاب عنه أحمد الطيب وقيل وقتها إن تغيبه كان بسبب زيارته لعائلته فى الأقصر.. ما قيل لم يكن الحقيقة، فمناسبة مثل هذه لا يمكن أن يفوتها شيخ الأزهر إلا لعذر قوى، خاصة أنه اعتذر عن عدم السفر إلى السعودية ليحضر المناسبة.
لكن الحقيقة أن الطيب لم يحضر الاحتفال لأنه لم يتم تخصيص مقعد له هو ووزير الأوقاف بجوار محمد مرسى وهو الإجراء المتبع فى مثل هذه المناسبات، ويبدو أن هذا دفع الطيب للاعتذار وأناب عنه شخصاً من المشيخة لحضور الحفل.. فى الحفل كان الشيخ يوسف القرضاوى حاضراً.. وهو من قام بخطبة الجمعة.. هو من تقدم المشايخ وجلس فى الصفوف الأولى ومعه محمد بديع المرشد العام للجماعة.
وقتها قيل كلام يمكنك أن تصدقه ببساطة.. قيل إن الجماعة تجهز القرضاوى ليحل محل أحمد الطيب بعد أن يجدوا صيغة مناسبة للتخلص منه.. كلام تصدقه رغم نفى يوسف القرضاوى المستمر بأنه لا يريد هذا المنصب وزاهد فيه.. رغم تأكيده على أن الطيب صديق له وواحد من العلماء الأجلاء.. لا يمكن أن تصدق النفى لأن الطمع فى مشيخة الأزهر واضح للجميع.
المشيخة واحدة من المؤسسات المهمة التى تريد الجماعة أن تبسط يدها عليها مثلما فعلت فى وزارة الأوقاف.. هى تريد المشيخة قِبلة المصريين التى يحجون إليها فى كل ما يتعلق بإسلامهم.. هى تريدها لتمرير ما تريده ولذلك وجب أن يكون شيخ الأزهر واحداً من رجالها المخلصين لها.
كان القرضاوى وكعادة الجماعة الفاشية حريصاً على أن ينفى ترشيحه للمشيخة.. كان حريصاً على أن يؤكد على متانة الروابط وعمق العلاقة بينه وبين أحمد الطيب وأنه من أصدقائه الذين يعتز بهم.. نفيه لم يزدنا سوى يقين بأنه فى طريقه للسطو على المنصب هو وجماعته.. لقد ظهر غله تجاه شيخ الأزهر عندما اشتعلت مصر بالمظاهرات ضد الإخوان وتوجت بثورة 30 يونيو فرمى الدكتور الطيب بأن دينه فاسد وأن خروجه على محمد مرسى معصية.
قبل «30 يونيو» ومع اشتعال المظاهرات قام مرسى بدعوة شيخ الأزهر والبابا للتحدث معهما فيما تمر به مصر.. كان يريد منهما تهدئة الأمور؛ مدعياً بأن التهدئة لصالح هذا الوطن.. دعاهما ربما يجد لنفسه وجماعته مخرجاً من ثورة المصريين وقصف المعارضين له ولجماعته.. لكن شيخ الأزهر -وكعادته- أصدر بياناً بعد هذا اللقاء عن عدم جواز تكفير المعارضين وأن المعارضة السلمية لولى الأمر جائزة شرعاً وأن العنف والخروج المسلح على الحاكم معصية كبيرة لكنه ليس كفراً، وهو ما أزعج الجماعة الفاشية وزادها غلاً تجاه شيخ الأزهر.
تربصهم هذا ظهر فى وثيقة نبذ العنف التى دعت لها قوى شبابية ثورية.. هذه الوثيقة جرى إجهاضها لا لشىء سوى أنها كانت تحت رعاية الأزهر.. جرى إجهاضها رغم حضور ممثلى الأحزاب والقوى السياسية بما فيها حزب الحرية والعدالة.. لم تقم الحكومة الفاشلة وقتها بدعمها والسبب أن أحمد الطيب هو من تصدر المشهد ولم يتصدره بقرار منه وإنما نزولاً على رغبة من دعا إلى هذه الوثيقة.
لم يكن لدينا شك أن الجماعة الحاكمة لا تريد شيخ الأزهر.. لا تريده ولن ترضى عنه أبداً مهما فعل.. لن ترضى إلا وهى تراه بعيداً عن مشيخة الأزهر لتضع مكانه رجلاً من رجالها.. لقد قامت الدنيا على الطيب إثر تسمم 500 طالب بالمدينة الجامعية لجامعة الأزهر.. نظم الطلاب مظاهرات غاضبة تنادى بإقالة رئيس الجامعة والإطاحة بالطيب من منصبه.
وبدأ إعلام الجماعة الحاكمة فى النفخ فى الحادث وتضخيمه على أنه مصاب قومى يتحمل مسئوليته شيخ الأزهر.. لم يفعلوها عندما مات أطفال أسيوط تحت القطار.. لم يلقوا بالمسئولية على رئيس الحكومة، مبررين ذلك بأنه ليس سائق القطار.. لم يفعلوها عندما جرى قتل مواطنين فى بورسعيد وفى محافظات أخرى.. فعلوها فقط عندما تسمم طلاب جرى علاجهم.. لكنهم اعتبروا الطيب أنه الطباخ الذى وضع السم فى طعام الطلاب.
كان الشارع واعياً بهذه الهجمة الشرسة على شيخ الأزهر فراح المواطنون ينظمون مظاهرات تأييد للطيب.. رفعوا لافتات بأنه خط أحمر لا يجب الاقتراب منه.. خرجوا فى القاهرة وباقى المحافظات يدعمون الطيب رداً على المتربصين به.. خرج الآلاف بمركز القرنة بالأقصر إلى ساحة الطيب يهتفون للشيخ فى حضوره لكنه قال لهم: «أنا لا أريد هذا التظاهر.. ما تفعلونه سوف يحسب علىّ وليس لى».. هذا ما يمكن للشيخ أن يفعله مع أهالى مدينته الذين لم يكفوا عن الهتاف له بعد ما قال لهم جملته هذه.
مظاهرات غاضبة تنظمها الجماعة ربما تخرج منها بصيد ثمين.. طالبوا برأس الشيخ وفشلوا ثم طالبوا برأس الدكتور أسامة العبد رئيس جامعة الأزهر فى ذلك الوقت فتمت إقالته ليخلو هذا المنصب أمامهم ومن ثم الدفع بمرشح للجماعة يكون منتمياً لها.. نجحوا فى الإطاحة بالدكتور أسامة العبد أحد تلاميذ الطيب المخلصين.. إلى جانب رئاسته لجامعة الأزهر استعان به الطيب ليكون نائباً لشئون الطلاب، وطرح اسمه ليكون وزيراً للأوقاف لكن الجماعة الحاكمة جاءت بطلعت عفيفى..
هتفوا ضد أحمد الطيب فى الميدان وتقدموا ضده ببلاغات كيدية وأخرجوا أبناء التنظيم لإرهاقه بالمظاهرات
الطمع فى المشيخة لم يمنع الجماعة الحاكمة أن تمد حبال الود بينها وبين الطيب حتى لو كان وداً مفتعلاً.. بالتأكيد نذكر اللقاء الذى جمع بين أحمد الطيب ومحمد بديع فى المشيخة وهو اللقاء الذى تم ولأول مرة منذ 30 سنة.. وفى هذا اللقاء خرج أحمد الطيب ليعلق عليه قائلاً: «إحنا مش فى حرب والزيارة جاءت بعد أن تهيأ لها الجو العام وأتيح أن نلتقى فالتقينا».
وأكد أيضاً أن «نصف الإخوان أزهريون»، وأن حواره مع محمد بديع كان حول أسس الشراكة بين الأزهر والإخوان، فنحن نريد أن نقضى على بدع الإقصاء والتكفير حتى لا تنشأ الجماعات المتصارعة».
فى المقابل أثنى محمد بديع على أحمد الطيب وأشاد به وبفكره المعتدل مذكّراً أن للمسلمين إماماً واحداً فقط هو شيخ الأزهر الذى يستحق لقب شيخ الإسلام.. قال أيضاً إن الأزهر هو المرجعية الدينية الوحيدة للمسلمين.. بل إن المرشد كان حريصاً على أن يصك عبارة «الأزهر والإخوان إيد واحدة».. فالجماعة تعرف أهمية المشيخة للمصريين وإيمانهم بها.. فكل ما يتعلق بدينهم ودنياهم يخرج منها.
كان أعضاؤها حريصين على التعامل مع هذا اللقاء على أنه فتح من الفتوحات فقد دخلوا إلى مكان كان محرماً عليهم دخوله لذلك لم يكن غريباً أن تقوم الجماعة بتصويره بعيداً عن كاميرات الفضائيات المختلفة وتحرص على نشره على مواقع الإنترنت.. هذا اللقاء حضره المرشد السابق محمد مهدى عاكف وعبدالرحمن البر والشيخ سيد عسكر والدكتور أسامة العبد رئيس جامعة الأزهر الذى أقيل على خلفية تسمم طلاب جامعة الأزهر.
هذا اللقاء مر عليه وقت طويل حرصت الجماعة عليه حتى لا تكشف عن نواياها الحقيقية تجاه شيخ الأزهر.. حتى تلتقط أنفاسها وعندما تضرب ضربتها لا يقول أحد إن الجماعة لم تمد يدها إلى الشيخ.. لكن ما تسعى إليه بات مكشوفاً حتى للذين لا يعرفون تاريخها القديم فى فن الإطاحة بمن لا ينتمون إليها.. يكفيهم ما رأوه منها وعلى الهواء مباشرة.. يكفيهم ما رأوه من إقصاء لكوادر مهمة بزعم التطهير، وبزعم أنهم يديرون ثورة مضادة هدفها الإطاحة بالجماعة وإفشالها.
لن تنسى الجماعة الحاكمة -وكما قلت- لأحمد الطيب أنه كان سبباً فى سجن أهم قياداتها.. لن تنسى أنه وضعها فى حرج شديد عندما رفض مشروع الصكوك.. المشروع الذى كانت الجماعة الفاشية تراهن عليه لكنه اصطدم بمؤسسة الأزهر فقد رفضت مشروع الصكوك مرتين.. لن تنسى له أيضاً استقباله لأحمد شفيق منافس مرسى فى انتخابات الرئاسة فى بيته بالأقصر.
رأوا فى ذلك انحيازاً من الطيب لأحمد شفيق.. رأوا فى الأمر دعماً لشفيق وإشارة لمريدى الشيخ لأن يمنحوا أصواتهم لشفيق.. رغم أن العالم الجليل ما كان له أن يمنع أحداً من زيارته فى بيته.. فالطيب وقتها لم يظهر انحيازه لأحد، عكس الدكتور على جمعة الذى كان واضحاً تماماً فى موقفه.. فقد كان من داعمى شفيق فى انتخابات الرئاسة.. أما الطيب فقد نأى بنفسه بعيداً لينجو بالمشيخة من الدخول فى صراع قد ينال من رصيدها لدى المصريين.
لقد كان الطيب مزعجاً للجماعة وهى تحت الأرض، وكان مزعجاً لها وهى فوق الأرض.. أجهض ما كانت تسعى إليه من اختطاف الأزهر ووضعه فى جيبها وتحت تصرفها تفعل من خلاله ما تشاء.. لو كان أحد غيره ربما تصرف بعصبية واعتذر عن المشيخة لينجو بنفسه بعيداً عن نكايات الجماعة ومكائدها.
لكنه مثل غيره من الشرفاء صمد فى وجه الجماعة وتحمل تطاولها حتى لا تقترب من المشيخة.. كان على استعداد أن يدفع ثمناً أكبر مما دفعه ولا تُمس المشيخة.. تحمّله كان رسالة قوية للمصريين الذين صمدوا وجاهدوا حتى تمكنوا من إزاحة الجماعة من كرسى الحكم.
غداً.. الحلقة الخامسة