«تحسبهم أغنياء من التعفف»: سهير تعول 6 عيال بـ6جنيه فى اليوم
«تحسبهم أغنياء من التعفف»: سهير تعول 6 عيال بـ6جنيه فى اليوم
على بُعد خطوات من الكوبرى الدائرى، داخل أحد الأزقة تستكين، أبراج أسمنتية شاهقة تلفت الانتباه، غير أن أسفل القدم يقبع منزلها، 4 درجات تحيلك من فوق الأرض لتحتها، «بيت سويسى» من طابق واحد يستلزم دخولك له انخفاضاً اضطرارياً مهما قصرت قامتك، رائحة «المجارى» تزكم الأنوف، أرض متعرجة بقباب من التين المختلط بالصرف الصحى، أطفال تعرى الجزء الأسفل من أجسادهم، ينظرون بعيون يملؤها الهزال من قلة الغذاء، ويحتل الذباب جزءاً يسيراً من وجوههم، فى ذلك البيت الذى لا يمت للآدمية بصلة، تسكن الست سهير محمد وأولادها الستة، وكذلك «درتها» بأولادها الخمسة، برفقة زوج «أرزقى»، «الدخل الثابت» كلمة لا تعرف طريقها إلى تلك الأسرة، فليس لهم «معاش»، والجمعية الشرعية بـ«الخصوص» لا تصرف الزكاة إلا للأيتام «بس احنا حالنا أصعب من اليتامى» بلهجة صعيدية تدل على أصولها «المنياوية» مسقط رأسها، تتحدث من خلف نقاب، «متاهة» هى تلك التى تجدها لحظة تفقدك لـ«البيت السويسى» المعروش سقفه بالأخشاب -إيجاره 200 جنيه شهرياً- فاختراع الكهرباء لم يصل إليهم، اللهم إلا 3 لمبات من وصلة خارجية فى ركن قصى، كذلك من يمتهنون «النقاشة والمحارة» لم يمروا من هنا، فالطوب الأحمر هو سمة المكان، «مرتبة» مستندة على أخشاب وحدايد علّها تصبح سريراً كالذى يسمعون عنه، مروحة قديمة من الستينات وقع إطارها الخارجى تُزين -هكذا حاولوا- «التسريحة» ذات المرايا التى أكلها الصدأ، حمام لا تزيد مساحته على نصف متر، لا يظهر منه سوى دائرة يحيطها الصرف الصحى، «كل يوم جوزى بيدينى 6 جنيه ومراته التانية زيهم» تحكى المرأة التى قاربت سنها الخمسين بصوت متهدج عن مصروف يدها «يعنى بالبلدى كل واحد فى المكان ده يومه ميكملش الجنيه.. أكل وشرب وتعليم وعلاج وكسوة.. قولى أجيب منين»، خارج أسوار المنزل تستدل على مهنة الزوج حين تطالعك عربة «جيلاتى» مدون عليها كلمة «لذيذ» وكذلك أجولة من الملح يستخدمها للحفاظ على برودة بضاعته «المشكلة لما بيخش الشتا مبنعرفش نعمل إيه.. دى الشغلانة الوحيدة اللى بيعرف يعملها بعد ما جاتله حساسية شديدة ع الصدر خلَّت قعدته فى البيت أكتر من خروجه على باب الله»؛ لذا حاولت «سهير» غير مرة مساعدة زوجها «أحمد عبدالتواب» صاحب الـ55 سنة، فامتهنت أكثر من عمل «كنت بشيل رتش مع الفواعلية بس جتلى خشونة والتهابات فى الركبة مبقتش قادرة على التعب»، «الفقر» المشتق من فقرات الظهر قصم ظهرها وأحالها لعداد المرضى مبكراً، مظهر الترف الوحيد داخل منزلها هو «قعدة حمام أفرنجى» مستعملة -وجدتها فى الشارع- موضوعة أمام باب الحمام، قررت المرأة أن تستخدمها من دون أن تكون لديها أية مرافق أو مواسير «خلاص رجلى مبقتش تشيلنى». أكثر ما يحزن ذات النقاب الأسود هو «تريقة» أولاد الجيران على صغارها «فى المدرسة عيل عاير ابنى وقاله الهدوم اللى عليك دى بتاعتى.. يومها خدت الواد وقلت له هشتريلك قميص وبنطلون بس لقيت أرخص حاجة بـ60 جنيه.. خدت نفسى ورجعت إيدى فاضية والواد دمعته على خده».[Image_2]
تقف «مرات جوزها» أمام بوتاجاز بعين واحدة، فتتسامر مع «سهير»، تكيفا على هذه العيشة متناسيتين ما يحدث بين «الضرتين»، تدبران معاً أمر الطعام الذى تقدمانه للأطفال والذى لا تعرف اللحوم مكاناً لها وسط تلك الطبلية الخشبية الصغيرة، إلا أن «حواشى» المواشى مثل «الكرشة» تعتبر دليلهم الوحيد على عدم الأكل «أورديحى» حين يجربونها كل حين، قبل أيام وزع واحد من أهل الخير معلّبات على فقراء الحى الشعبى، فكان نصيب «الست سهير» منها علبة جمبرى، أخذت تقلبها يميناً ويساراً، فحجم العبوة الصغير «هيكفى مين ولا مين» عندها قررت بيعها «بستخسر اللقمة.. بس القرشين ينفعوا مصروف للعيال فى المدرسة.. مش مهم الأكل».
أخبار متعلقة:
الصدقات.. بابك إلى الجنة
ابن السبيل.. إبراهيم: «حكام المسلمين ينامون ملء عيونهم ويأكلون ملء بطونهم فهل يذكرون جائعاً؟
«العاملين عليها».. مطاوع: «لجنة المطرية» تشحت من رابعة العدوية من أجل 78 أسرة
«الغارمين».. آمال تروى قصة 12 سنة هروب من «الديون»
المساكين.. إنصاف: «أجيب منين 15 جنيه عشان أجدد البطاقة.. لو معايا هجيب أكل للعيال»