«السويس الباسلة».. حكايات الفدائيين فى «بلد الغريب»

«السويس الباسلة».. حكايات الفدائيين فى «بلد الغريب»
من فتحات شبابيك مغلقة راقب سكان السويس تحرك الدبابات الإسرائيلية ذهاباً وإياباً بطول شارع الجيش، وجنود الاحتلال بستراتهم العسكرية المتهالكة بهيئة مذرية وشعر أشعث. فى تلك الفترة من عام 1973 كانت مجموعات من الفدائيين تنفذ عمليات نوعية ضد القوات الإسرائيلية التى تمركزت فى السويس، بعدما تمكنت من عبور قناة السويس، مستغلة ثغرة دفاعية بين صفوف القوات المصرية، تفاصيل تلك الأيام تابعها محمود حسين «كان الفدائيين بيطلعوا بالليل ويهجموا عالدبابة أو العربية الإسرائيلية ويرموا فيها قنبلة ويهربوا.. السويس شهدت بطولات كتير».
قبل ذلك بنحو ستة أعوام وقعت حرب الخامس من يونيو 1967، ومنيت مصر فى تلك الحرب بهزيمة أجبرت قواتها المسلحة على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء إلى غرب خط القناة «واتكررت الغارات فى الوقت ده بشكل كبير جداً.. كانت الحكومة عاملة خنادق وملاجئ تحت الأرض، نجرى عليها وقت ما إسرائيل تعمل غارة عالسويس.. ولما كنا نخرج كنا نلاقى الجثث مالية الشوارع.. جثث الناس اللى مالحقوش يوصلوا الخنادق.. وكنا نشيل جثثهم على عربيات الترمس أكوام فوق بعض ونوديهم مشرحة المستشفى الأميرى» يروى محمود، الذى يضيف «مناظر الجثث ملأت سكان السويس بالحقد والغلّ تجاه إسرائيل».[FirstQuote]
يشطر شارع الجيش السويس نصفين، بداية من مزلقان المثلث، ووصولاً إلى بورتوفيق، مروراً بالأحياء القديمة فى السويس. وكان خط القطار يمتد مع الشارع وصولاً إلى ميناء بورتوفيق. وكان كامل عشماوى، العجوز السويسى، فى التاسعة من عمره حينما وقعت حرب أكتوبر. «كانت الغارات بتاكل السويس، وكنت لما أسمع صوت صفارات الإنذار أنزل من البيت لو كنت فى البيت أو أجرى من المحل اللى كنت شغال فيه وأدخل المخبأ اللى كان فى مكان محطة الأوتوبيس».
تبة خرسانية ظلت فى مكانها لأعوام، محصنة تحصيناً يكفى لصد رصاصات مدافع الطائرات وانفجارات القنابل المتساقطة على المدينة. يشير «عشماوى» إلى بعض البيوت ذات الخمسة أدوار بالقرب من المستشفى الأميرى «واخد بالك من التكسير اللى فى واجهة البيوت دى.. أهى دى آثار شظايا القنابل اللى كانت بتتحدف فى الحرب». وتوقفت حركة القطارات فى عام 1973 عندما دخل الجيش الإسرائيلى إلى السويس، وقتها حلت الدبابات والمدرعات الإسرائيلية محل القطار، وشقت شوارع السويس بين صفى البيوت فى أحياء الأربعين والبراجيلى والسويس وبورتوفيق. ويروى محمود حسين، القاطن بحى البراجيلى، أن شارع الجيش «اللى كان فيه خط القطر القديم كان بيمشى فيه موكب كسوة الكعبة الشريفة، وكانت بتتعمل احتفالات قبل حرب 1967، لحد ما وقف خط القطر ووقفت معاه رحلة الكسوة والاحتفالات وبقت مواكب القادة الإسرائيليين هى اللى فى المكان».
لم تسيطر إسرائيل على السويس تماماً، هذا ما يقوله محمد إمام، القاطن بحى الأمل، قبل أن يضيف «كان عندى 13 سنة وقتها، وكنا بنسمع عن إن الفدائيين قادرين يتحركوا فى السويس بكل سهولة، وكانت عملياتهم بترج المدينة كلها بالليل، وكنا نصحى على صوت انفجار دبابة أو قنبلة تجيب أجل كام عسكرى إسرائيلى». العمليات التى شنها المدنيون فى السويس ضد قوات الجيش الإسرائيلى كان لها أثرها، بحسب إمام، فى إجبار إسرائيل على الخروج من المدينة والرجوع إلى سيناء واستكمال المفاوضات فيما بعد «كان كل يوم تفجير وطول الأسابيع اللى كانوا فيها كانوا بيحددوا ساعات للشغل وساعات للنوم، ويعملوا حظر تجول لكن برضو كنت تلاقى تفجيرات. ويذكر محمود حسين أنه فى فترة حصار السويس قطعت القوات الإسرائيلية المياه عن سكان المدينة «وكان مفيش أى مصدر للمياه.. لحد ما سبحان الله لقينا الميّه طلعت من بير قديم كان جف موجود فى دكان جنب جامع سيدى الغريب» يبتسم حسين مضيفاً «وكل الأهالى اللى كانوا موجودين كانوا بيشربوا من البير اللى طلع بفضل ربنا».
عربات النقل التى تحمل قطع الأثاث لكنها فى طريقها إلى المنازل المهجورة، ويقول محمود حسين، أحد من عاصروا تلك الفترة، إن «الحكومة دفعت للأهالى مبالغ رمزية كبدل تهجير بعد هزيمة 1967.. تقريباً كانوا بيحاولوا يجلوا السويس من المواطنين علشان فى موقع خطير وتعتبر على خط النار.. وفى 1975 كانت السويس رجعت تماماً زى الأول». «الانفتاح».. كلمة السر التى يظن محمود حسين أنها غيرت خريطة السويس.. أضافت الفنادق إلى حوافى بورتوفيق التى لم يكن بها سوى مساكن أوروبية الطراز عتيقة.. ارتفعت من حولها العمارات ودور العرض السينمائى وازدحمت شوارع السويس والبراجيلى والأربعين بالمحال التجارية.
وكرّم بعض الفدائيين الذين واجهوا قوات الجيش الإسرائيلى من سقط من صفوفهم بكتابة أسماء هؤلاء الراحلين على واجهة مسجد الشهداء.
وتم إلغاء شريط القطار الذى يمتد بطول شارع الجيش، أطول شوارع المدينة، أما الدبابات الإسرائيلية التى تم أسرها من حرب 1973 فهى فى حديقة مبارك التى تحوّل اسمها إلى «حديقة الشهداء».
ملف خاص:
«الوطن» فى 7 ساحات لمعركة استرداد الكرامة
«تبة الشجرة».. أقوى الحصون الإسرائيلية التى أسقطها الجيش المصرى
«معدية نمرة 6».. صعد الشهيد عبدالمنعم رياض فارتفع علم مصر
«القنطرة شرق».. الباقى من المعركة مسجد وكنيسة وعبارة «الله أكبر» بدم أحد الشهداء
«كبريت».. أرض البطولات التى اشتراها عائلة مبارك بالملاليم
«أبوعطوة».. مقبرة جماعية للإسرائيليين وحاخام يهودى لاستخراج الرفات
اللواء عبدالمنعم سعيد: الضربة الجوية «معجزة»
العميد عشماوى: السادات أرسلنى إلى «مؤتمر جنيف» لخداع إسرائيل وقلت لمندوبى أمريكا وتل أبيب: «لن نحارب»
العميد يسرى عمارة بطل موقعة أسر «عساف ياجورى»: عاملته باحترام وفق تعليمات الجيش المصرى
اللواء عبدالوهاب سيد عبدالعال: كنت سبباً فى تغيير خطة حرب أكتوبر