«الوطن» في جولة داخل «القاهرة التاريخية» بعد ساعات من زيارة مدبولي: عاد الباعة وانتشرت التكاتك

كتب: كريم عثمان

«الوطن» في جولة داخل «القاهرة التاريخية» بعد ساعات من زيارة مدبولي: عاد الباعة وانتشرت التكاتك

«الوطن» في جولة داخل «القاهرة التاريخية» بعد ساعات من زيارة مدبولي: عاد الباعة وانتشرت التكاتك

أسوار عالية، أشبه بقلاع حصينة، تحتضن مكان أثري، مر عليه عقود من الزمان ظل خلالها محتفظًا بأصالته، أشكال المنازل والمحال من حوله تتغير، والتطوير ينال من المباني بجواره نصيبًا، وهو ثابت لا يتغير، يبقي على عراقته ويخفي داخل طيات طوب أسواره حكايات شهد عليها التاريخ، يأتي المواطنين من كل حدب وصوب لزيارته، يتركون سياراتهم بالخارج، ويترجلون ببطء للاستمتاع بمناظر المباني والمساجد التليدة، التي حاصرها الباعة منذ فترة زمنية طويلة بعرباتهم، واتخذوا من ظل الأماكن التراثية مكانا لكسب رزقهم.. هنا منطقة الخيامية والمعز والغورية، اللاتي زارها أمس الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء لتفقد أحوالها، هنا «القاهرة التاريخية».

زيارة «مدبولي» للمنطقة الأثرية ورؤيته لوضعها الحالي ضمن مشروعات إحياء مناطق القاهرة التاريخية، دفعه للتوجيه ببعض القرارت، من أجل إعادتها إلى رونقها ومظهرها الحضاري، من بينها نقل الباعة الجائلين اللذين يشوهوا المنظر الحضاري للمكان، ومنع سير «التوكتوك» الذي سبب في زحام الشوارع هناك، لذا حرصت «الوطن» على التواجد هناك بعد نحو 6 ساعات من توجيهات رئيس الوزراء، لمعرفة ماذا جدّ على المنطقة، وما التغيير الذي حل بها عقب جولة رئيس الوزراء.  

فور أن تطأ قدماك «بوابة المتولي» بمنطقة الخيامية بالدرب الأحمر، تختلط رائحة عبق التاريخ المنبعثة من جدران المباني الأثرية، بدخان «التوكتوك» وبهارات عربة سندوتشات الكبدة المجاورة للمكان الأثري، صدمة حضارية على أبواب المكان العريق تلتقطها الأنف، رغم حث مدبولي للجميع بالحفاظ على الشكل الحضاري للمكان ولكن «كأن شيئًا لم يكن».

البائعون عن مدبولي: شوه بشوش ومضايقش حد فينا

على يمين ويسار الطريق يفترش البائعون بضاعتهم، منهم من يبيع منتج ثابت من سنوات، ومنهم من استغل اقتراب موعد الموسم الرمضاني، ليبتاع «زينة رمضان» بأسعار بسيطة لسكان المنطقة، ولا حديث يعلو على زيارة رئيس الوزراء للمكان والتي وصفها مصطفى عيد بالتاريخية، «مصدقتش بصراحة اتبسطت إن الدولة فاكرانا وبتراعينا، والراجل جه مضايقش حد خالص بالعكس، أنا شوفته معدي قصادي وابتسمت له وهو كان وشه بشوش وبيضحك في وش الناس».

على بعد خطوات من «بوابة المتولي» يصل السائر منطقة يعرفها أهل المكان بـ«القبوة»، مكان به فتحة جانبية متواضعة، تتفرع منها مداخل بيوت المكان القديمة، وعلى يسارها يأتي باب السلم الذي صعد منه «مدبولي» لمشاهدة المكان من فوق البوابة التاريخية، والمواجهه لشرفة منزل «الحاجة صباح» بائعة السجائر، التي اتطمئن على حالها رئيس الوزراء على حد قولها، «شاور لي وقال لي إزيك يا حاجة محتاجة حاجة؟».

أمام «فرشة» السيدة الستينية، يجلس «عم حسين» بائع العطور، يمسك بسيجارته التي أوشكت على الانتهاء ويتحدث عن فكرة نقل الباعة من المكان، «أنا بقالي 50 سنة شغال هنا، أمشي أروح فين، طب والمكان التاني اللي هنتنقل فيه ده هنلاقي الزبون بتاعنا فيه برضه، أكيد لأ، إحنا يهمنا شكل المكان الحضاري بس في نفس الوقت عايزين ناكل عيش برضه»، وبخطوات بطيئة سارت الحاجة صباح للجهة الأخرى من الشارع لتلتقط أطراف الحديث من جارها، «نفسي لو هيمشوني من هنا ينقلوني مكان تاني كويس، عشان ملقيش نفسي في الشارع من غير شغل».

المعز لدين الله الفاطمي أو «الشارع الأعظم وقصبة القاهرة» كما سمي قديمًا، شارع طويل سار فيه «مدبولي» بداية من بواب المتولي وصولًا لوكالة الغوري، وفي الطريق قابل عدد من أصحاب الحرف والمهن، الذين أشادوا بتواضعه وتحدثوا عن رأيه في نقلهم من المكان، ومن بينهم أبو دنيا، «سيادته مشي على رجله وسلم على الناس وبيقول السلام عليكم لما يعدي على حد، لغاية ما وصل باب وكالة الغوري وقعد جوه».

الباعة حاصروا المكان التاريخي: ناكل عيش منين؟

ينقل «أبو دنيا» الذي يعمل إسكافي منذ سنوات بالمنطقة، رؤية بعض الباعة حول قرار رئيس الوزراء، «إحنا منقدرش نكسر كلامه طبعا، بس كل الفكرة مش عارفين هنروح فين، يعني لو خدنا أجازة وقعدنا في بيتنا ناكل ونشرب منين»، وهو ما وافقه الرأي فيه الحاج ثروت عامل النجارة، «رئيس الوزراء عنده حق والمكان فعلا سياحي وجميل، بس إحنا لقمتنا بناخدها على حس زيارة الناس للمنطقة خايفين لو روحنا مكان تاني ميكونش فيه رجل».

عدد كبير من السياح يسيرون بين حواري وأزقة منقطة الخيامية، تأسر أعينهم مناظر الزخارف الإسلامية القديمة، والمباني العتيقة، ولا يعكر صفو المشهد سوى «شماعات» الملابس المعلقة على أسوار أحد المساجد العريقة بمنتصف الشارع، والتي يقول صاحبها، «الصبح محدش فتح من البياعين، وجينا بعد ما الموكب مشي عشان نشوف شغلنا، إحنا عمرنا ما هنكون ضد بلدنا وأنا عن نفسي موافق طالما هيتوفر لينا مكان تاني، وده اللي سمعته بودني من سيادته إنه مش هيمشي حد قبل ما يوفر له مكان يسترزق منه». 

في نهاية الشرع وبالقرب من منطقة الغورية، تتعالى أصوات إعلان الأسعار وأنواع السلع، في تنافس بين البائعين، «اشتري زينة رمضان بـ20 جنيه»، «يلا معطر جو وميدالية بتنور»، «ورنيش ومحفظة بـ10 جنيه»، والمواطنون يتسوقون بشكل طبيعي، وبنة وكالة الغوري العريق يعلق على أسواره «دباديب بوجي وطمطم» للأطفال.

بيده اليمنى يشير إلى باب عتيق يتوسطه قفل حديدي ضخم، ممر وكالة الغوري الذي صعد منه «مدبولي»، وفقًا للشاب أحمد يسري صاحب عربة القهوة المجاورة للمبنى الوكالة في الغورية، «نورنا والله وسلم علينا كلنا بمنتهى التواضع، وقعد فوق حوالي 3 ساعات، وبعد كدة الموكب مشي»، متطرقًا في حديثه إلى التوجيه بالحفاظ على المكان الأثري من الباعة، «أنا موافق طبعا امشي من هنا ونوح مكان تاني نبيع فيه، يتعمل لنا سوق تجاري أفضل من الشارع، هينضف شكل المكان السياحي ويريح بالنا كبياعين».

التوكتوك يعود لغزو الخيامية: أكتر من البني آدمين

التكاتك في منطقة وكالة الغوري، والتي وجه رئيس الوزراء بمنعها من المكان بناء على طلب الأهالي والتجار، انتشرت لتنقل كبار السن من السيدات بين حارات المنطقة الأثرية، فهي لا غتى عنها بالمكان على حد «أبو ليلة» بائع الحلويات، «التكاتك هنا أكتر من البني أدمين، وصعب تختفي من الحتة، أنا راجل رجلي تعباني مبقدرش أمشي الشارع كله، مين هيوصلنا طيب؟». 

يرى «أبو ليلة» أنَّ المكان تأثر شكله كثيرًا بتواجد التكاتك داخله، وأصبح يميل للشكل الشعبي عن التراثي والأثري، «زمان مكانش في حد يقدر يدخل هنا غير بعربية وتكون نضيفة كمان، التوكتوك بينفعنا عشان رخيص وبيقضي الغرض، لكن منظره ميليقش بمكان زي ده، شهد على حضارة العالم كله بيحي عنها».


مواضيع متعلقة