انقلاب مصر 2011

انقلاب مصر 2011
«فى 11 فبراير من عام 2011، أمسكت القوات المسلحة المصرية بزمام السلطة بعد أن أخذتها من الرئيس حسنى مبارك، فى انقلاب عسكرى، جاء استجابة لموجات الاحتجاجات العنيفة التى استمرت نحو 18 يوماً، وقام بها مئات الألوف من المواطنين، مطالبين بالقضاء على نظام (مبارك) المستبد والفاسد واستبداله بنظام ديمقراطى. وضمت صفوف المتظاهرين كل أطياف المجتمع المصرى، نساء ورجالاً، مسلمين وأقباطاً، علمانيين وإسلاميين، فقراء وأغنياء، وتشابكت أيادى الجميع فى ميدان التحرير فى صيحة عارمة من أجل الحرية والديمقراطية، بعد عقود من الحكم الديكتاتورى، وأدى سقوط (مبارك) إلى موجات من الترحيب حول العالم، لأن مصر حجر زاوية التغيير فى العالم العربى، وأعطت أملاً للشعوب العربية المقهورة فى ليبيا وسوريا واليمن وغيرها للثورة ضد قاهريها، ولاقى الجيش المصرى الثناء المستحق، لأن قادته رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين أثناء المظاهرات، وتقدموا وسيطروا على الحكومة حين رفض (مبارك) التنحى».
وبعد استعراض موجز لحكم «مبارك» وقمعه للمعارضة وتزوير الانتخابات وتكميم الأفواه، خلص الباحث إلى أن نظام «مبارك» كان نموذجاً لـ«حكم مستبد إلى حد ما»، فقد أظهر تسامحاً محدوداً مع التعددية السياسية، واعتمد طوال حكمه على قانون الطوارئ وجهاز «أمن الدولة» سيئ السمعة والإجراءات القمعية والاحتيال لإسكات الأصوات المعارضة ومنع منافسيه من مواجهته فى صناديق الاقتراع.
وبات متوقعاً أن يظل «مبارك» للأبد فى منصبه، وإن ترك الحكم سيتركه لولى عهده جمال مبارك، الذى أُعد ليكون فرعون مصر الجديد.
وأوضح «فارول» أن المجلس العسكرى كان مشغولاً بأمرين أساسيين بعد سقوط «مبارك»؛ الأول: الحفاظ على الوضع الدستورى الذى حكم به «مبارك» البلاد بأقل قدر ممكن من التغيرات، لاعتبارات متعددة، منها: أن هذا الوضع يحفظ مصالح الجيش وتصوراته، الأمر الثانى: إنهاء الاحتجاجات المستمرة وما ينجم عنها من عدم استقرار اقتصادى واجتماعى، ليتمكن من العودة إلى ثكناته بأسرع وقت ممكن.
ومثل كل من الجيش التركى والبرتغالى، سعى قادة المجلس العسكرى لفرض رؤاهم وتصوراتهم على الدستور الجديد بأربعة طرق، عن طريق إجراء انتخابات فى ظل إطار زمنى مكثف، وإجراء انتخابات برلمانية قبل أن تبدأ عملية صياغة الدستور، والتأثير على التركيبة السياسية لمجلسى النواب، وتفضيل النظام الرئاسى على النظام البرلمانى.
1- الجدول الزمنى السريع الذى أجريت خلاله الانتخابات البرلمانية صب فى صالح القوى السياسية القديمة، خصوصاً جماعة الإخوان التى كانت تتمتع بالقدرات المالية والتنظيمية الأقوى والأجهز لخوض الانتخابات، وكان تقدير الجيش أن هذه القوى القديمة ستعارض إجراء إصلاحات دستورية ضخمة، وستكون أكثر ميلاً لحماية الهياكل السياسية لنظام «مبارك» التى تحفظ مصالح الجيش، على عكس القوى الناشئة بعد الثورة الراغبة فى رؤية تغيير أكبر فى الحياة السياسية بشكل قد يهدد مصالح الجيش، وكما هو متوقع استولت الأحزاب الإسلامية على ما يقرب من 75% من مقاعد مجلس الشعب، على حساب الأحزاب الناشئة وعلى رأسها القوى الشبابية، التى كانت تعانى من انقسامات وتشتت فى أجنداتها وضعف فى التمويل والتنظيم، وكانت فى حاجة لوقت أطول لتنظم صفوفها وتروج برامجها.
ويرى الباحث أن الانتخابات السريعة -باختصار- أدت لتهميش هذه الجماعات ورؤيتهم فى التغيير الدستورى. وكان فوز الإخوان يعنى عودة الاستقرار بشكل سريع وهو ما يرغب فيه المجلس العسكرى، «وعلى الرغم من أن الجيش المصرى رفض دوماً السماح بدخول الإسلاميين صفوفه، لكنهما أصبحا (شريكين طبيعيين فى حفظ النظام) خلال الفترة الانتقالية، لأن الأحزاب الإسلامية، بطبيعتها، أكثر محافظة وانضباطاً ورغبة فى عدم التغيير من الأحزاب العلمانية».
وحفلت الفترة التى حكم فيها المجلس العسكرى بقيادة المشير محمد حسين طنطاوى والفريق سامى عنان بشائعات عن صفقات خلف الكواليس بين المجلس والإخوان.
2-خطوات العملية الانتقالية دعمت أجندة الجيش، فبموجب التعديلات الدستورية التى اعتمدها استفتاء مارس 2011 تم تكليف جمعية تأسيسية ينتخبها البرلمان بغرفتيه لصياغة الدستور بدلاً من انتخاب جمعية تأسيسية أولاً لصياغة الدستور ثم انتخاب البرلمان على أساس الدستور الجديد، أى أصبح للحكومة أن تضع قواعد الحكم الذى ستسير عليه، وهو بذلك حذا حذو الجيش البرتغالى، والهدف فى الحالتين واحد، فانتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد قبل الانتخابات البرلمانية سيؤدى لإطالة الفترة الانتقالية وهو ما لا يريده الجيش والأهم تجنب إجراء تغييرات دستورية أساسية فى النظام السياسى. ولذا اكتسبت الانتخابات البرلمانية فى 2012 أهمية خاصة، ويعود ذلك جزئياً إلى الفترة الزمنية القصيرة التى أجريت فيها، ما أدى كما كان متوقعاً لاكتساح الإخوان والسلفيين لنحو 75% من مقاعد مجلس الشعب، وبالتالى فإن الإسلاميين سيطروا أيضاً على الجمعية التأسيسية المكلفة بصياغة الدستور. وربما لهذا السبب كان الإسلاميون، على عكس الأحزاب التى تشكلت بعد الثورة، يدعمون رغبة الجيش فى تأجيل كتابة الدستور لما بعد الانتخابات البرلمانية، لأنهم كانوا واثقين أن هذا السيناريو سيمنحهم الفرصة للسيطرة على الدستور الجديد. وقد رفض الجيش أيضاً التخلى عن السلطة قبل صياغة الدستور، ما ضمن له التأثير على صياغته.
3- حاول الجيش التأثير فى تركيبة السلطة التشريعية بالنص على نسبة 50% من «العمال والفلاحين»، ما يصب أيضاً فى صالح القوى القديمة، وعلى رأسها «الإخوان»، التى على عكس الأحزاب الناشئة بعد الثورة، تضم أعداداً كبيرة من هاتين الفئتين، ولهذا السبب كانت أحزاب الشباب تعارض بقوة إدراج هذا المادة فى الدستور المؤقت.
4- حافظ الدستور المؤقت على النظام الرئاسى الذى يرتاح إليه قادة الجيش، إذ يسهل عليهم التعامل مع شخص واحد مدنى، عادة ضابط سابق بالجيش ذى صلاحيات واسعة.
وبالإضافة إلى كل ذلك، أجرى المجلس العسكرى محاولتين فاشلتين إضافيتين للتأثير على الدستور الجديد؛ فقد حاول الجيش الترويج لمجموعة من المبادئ الأساسية التى عرفت وقتها بالمبادئ «فوق الدستورية»، التى من شأنها أن تقيد عمل الجمعية التأسيسية، لكن القوى الإسلامية وبعض الجماعات الليبرالية قاومت الفكرة، ما اضطر المجلس العسكرى للتراجع، ثم حاول الجيش أيضاً التأثير على تشكيل الجمعية التأسيسية بتعيين 80 من أعضاء الجمعية التأسيسية البالغ عددهم 100، لكنه تراجع أيضاً تحت ضغط المعارضة المستمر.
ويستخلص الباحث بعد ذلك أن الانقلاب العسكرى المصرى فى عام 2011 لديه كل خصائص الانقلاب العسكرى الديمقراطى، فقد نقل المجلس العسكرى السلطة التشريعية إلى مجلس نواب بعد انتخابات برلمانية بدأت فى نوفمبر 2011، وتعهد بتسليم السلطة التنفيذية فى أعقاب الانتخابات الرئاسية فى مايو 2012 وفعل، ولكن الجيش حرص على حماية امتيازاته والمصالح القومية لمصر كما يراها، وأعد الفترة الانتقالية بحيث تفضى إلى حماية هذه المصالح.
الأخبار المتعلقة:
«الانقلاب العسكرى الديمقراطى»
الشروط السبعة لـ«الانقلاب المشروع»
الفارق بين «الديمقراطى» و«غير الديمقراطى».. عدم تحول الجنرالات إلى «طغاة»
انقلاب البرتغال 1974
انقلاب تركيا 1960