انقلاب تركيا 1960

كتب: سيد جبيل

انقلاب تركيا 1960

انقلاب تركيا 1960

منذ عام 1923، وحتى 1950، حكم حزب الشعب الجمهورى، الذى أسسه مصطفى كمال الدين أتاتورك. وخلال هذه السنوات كانت الدولة والحزب شيئاً واحداً، وكلاهما تبنى نظريات «أتاتورك»، فى الحداثة، والوحدة الوطنية، وقبل كل شىء العلمانية. ثم انتقلت تركيا من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية بين عامى 1946 و1950. وظهر الحزب الديمقراطى الذى تبنى سياسات شعبوية، وحظى بدعم سكان المناطق الريفية. وفى عام 1950 فاز الحزب الوطنى بأغلبية ساحقة فى البرلمان، ولكن رغم خروج حزب الشعب الجمهورى من الحكومة التى احتلها لسنوات طويلة ظل كل من الجيش والبيروقراطية المدنية مواليين لحزب الشعب الجمهورى و«الكمالية»، خصوصاً أن زعيمه عصمت إينونو كان رفيق كفاح «أتاتورك» وجنرالاً يحظى باحترام كبير. الخوف من شعبية حزب الشعب خصوصاً فى الدوائر المؤثرة، دفع الحزب الوطنى لاتخاذ سياسات استبدادية وقمعية فور توليه السلطة، وعلى مدى السنوات العشر التى حكم خلالها (1950-1960) قمع الحزب الوطنى الصحافة، وسن قوانين لقمع المعارضة السياسية، واستغل الدين للتأثير على الجمهور، وبعد إعادة انتخابه واصل الحزب الوطنى سياساته القمعية وأنشأ لجنة برلمانية تتألف بالكامل من أعضاء الحزب، للتحقيق فى «أنشطة تخريبية» للأحزاب المعارضة، وسمح الحزب للجنة بفرض رقابة على الصحافة وعقوبات جنائية، ضد أى مواطن يقوض عمل اللجنة. وأثارت هذه اللجنة احتجاجات واسعة النطاق، وفى 26 أبريل أصدر مجموعة من أساتذة القانون إعلاناً يؤكد أن لجنة التحقيق انتهكت الدستور التركى، لكن الحزب الحاكم العنيد رد بزيادة صلاحيات اللجنة ومنع زعيم حزب الشعب الجمهورى من حضور البرلمان. عناد «الوطنى» أشعل مزيداً من الغضب وتجددت الاحتجاجات فى إسطنبول وأنقرة، فأعلن «الوطنى» الأحكام العرفية لقمع الاحتجاجات وسمح للجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، لكن الجيش التركى، مثل نظيره المصرى فى عام 2011، انحاز للشعب، ورفض إطلاق النار عليهم، وانقلب على الحزب الحاكم وأطاح به فى 27 مايو 1960. بعد استيلائها على السلطة، أصدرت القوات المسلحة بياناً أعلنت فيه أن الانقلاب كان يهدف إلى «إنقاذ الديمقراطية التركية من الوضع المؤسف الذى وصلت إليه». بعد فترة وجيزة من صدور هذا الإعلان، اختار الجيش لجنة لصياغة الدستور من أساتذة الجامعات، وفى بيان مشترك أوضح قادة الجيش وأعضاء لجنة صياغة الدستور أن الحزب الوطنى فقد شرعيته السياسية بإصراره المتكرر على انتهاك الدستور، ما يمنح الشرعية للانقلاب العسكرى، ويبرر الحاجة لصياغة دستور جديد يحمى سيادة القانون. وفى 27 مايو عام 1961، وفى الذكرى السنوية الأولى للانقلاب، انتهت الجمعية التأسيسية من صياغة مسودة الدستور، وسنت قانوناً لتنظيم الانتخابات. وفى 9 يوليو 1961 طُرح الدستور الجديد، الذى توسع فى ضمان الحريات. لكن قبل هذه الخطوة اجتمع المجلس العسكرى مع قادة الأحزاب السياسية الرئيسية، واتفقوا على توقيع إعلان مشترك كانت أهم بنوده: حماية مبادئ أتاتورك، الامتناع عن استخدام الإسلام كأداة سياسية، الامتناع عن التشكيك فى شرعية انقلاب 27 مايو 1960، الامتناع عن انتقاد نتائج المحاكم العسكرية التى ستقرر مصير رموز النظام السابق، الذين كانت تجرى محاكمتهم بتهم ارتكاب «جرائم ضد الدستور التركى»، وانتهت بالحكم عليهم جميعاً بالإعدام فى 15 سبتمبر 1960. ووفقاً للباحث، فإن الانقلاب التركى مثال واضح على مفهوم «الانقلاب الديمقراطى». لكن كما هو الحال فى كل الانقلابات الديمقراطية لم يعد الجيش لثكناته قبل أن يطمئن لفرض رؤيته على الدستور الجديد، من خلال إنشاء المحكمة الدستورية التركية وما يسمى بـ«مجلس الأمن القومى»، اللذين لعبا دوراً خطيراً فى الحياة السياسية التركية لعشرات السنوات وحتى الآن. الأخبار المتعلقة: «الانقلاب العسكرى الديمقراطى» الشروط السبعة لـ«الانقلاب المشروع» الفارق بين «الديمقراطى» و«غير الديمقراطى».. عدم تحول الجنرالات إلى «طغاة» انقلاب البرتغال 1974 انقلاب مصر 2011