أوراقهم تحكي| الأبنودي وأمراض الطفولة.. قصة "إعجاز فاطنة قنديل العلمي"

كتب: سلوى الزغبي

أوراقهم تحكي| الأبنودي وأمراض الطفولة.. قصة "إعجاز فاطنة قنديل العلمي"

أوراقهم تحكي| الأبنودي وأمراض الطفولة.. قصة "إعجاز فاطنة قنديل العلمي"

"أتركیه یموت في هدوء، لا تتعلقي به، شدي حیلك وهاتي غیره"، كلمات غلب عليها الحزن من أب غلبه اليأس وهو يرى ابنه يفارق الحياة أمام نصب عينيه، فيما تتمسك أمه به، بذلك الطفل الذي جاء إلى الدنيا قدم داخل الدار مستعدة للعيش 100 عام، وأخرى على الطريق مستعدة للفرار من الحياة قبل أن ينتبه إلى ذلك أحد، قدره الذي خطّته أقدام والدته "فاطنة قنديل" التي انزلق منها مولودها "عبدالرحمن الأبنودي" أثناء عبورها عتبة البيت، ويُختار له أن يكون طفلًا مريضًا تُشفيه فطرة أمه باتباع الطرق الفلكلورية.

"المريض الفلكلوري"، التوصيف الذي أطلقه الأبنودي على نفسه خلال مذكراته "أيامي الحلوة" وهو طفل خاضع للوصفات والطرق الشعبية المتوارثة والمُتبعة لشفاء من أمراض رأوها "عويصة" في حينها بينما تنتهي الآن بـ"برشام"، وظل يتذكر طوال حياته حُقن الشيخ المائية "وتوتياء العين" وغيرها كعلاج لم يكن يتوافر لديهم غيره.

في عمر السادسة كان "الإسهال" سبب لبداية تعارفه على ذلك العالم الشعبي للشفاء، وعند كتابة مذكراته أدرك أنه ربما كانت نزلة معوية من النوع الذي يعقبه جفاف، فقد استلمه "الإسهال" 3 أيام متوالية حتى حوّله إلى "جلد على عظم"، وإن كان ذلك لم يختلف كثيرًا عن حجمه الأصلي، فجاءت النسوة من الجيران مجتمعات على أفضل وسيلة لرتق أو لصق أو وصل "المصران المقطوع" وإعادته إلى حالته الأصلية التي خلقه الله عليها قبل أن تقطعه العين الشريرة التي حسدته حسب معتقدهم، فأتين بملاءة سوداء فرشنها على الأرض وحملوه داخلها، ووقفن كل امرأة على طرف، اثنتان من هنا واثنتان من هناك وصحُن وهو يمرجحنه يمينا ويسارا بخفة أولا ثم يبدأ العنف وينشدن كلمات:

ومع انتهائهن يصحن: يارب، ويقلبن الملاءة وهو في داخلها يصيح، حتى تقرُط الملاءة البطن وتَحزِق على المصارين وتشلَّه شللا كليا حيق ألفقد صلته بكل جسده، لا يلتفتن للصراخ من باب "وجع ساعة ولا كل ساعة"، ثم يبدأن يقلبن الملاءة من الجهة الأخرى صائحات مهللات ويكررن ذلك مرات ومرات حتى يتصل طرف القطع في المصران ثم يلقين به بعد انتهائهن.

ليعقب على ذلك في نهاية الوصف بقوله:

تجربة أشد إيلامًا مع الدواء الفلكلوري عاشها الأبنودي في صغره، حين أرادت أمه "فاطنة قنديل" علاجه من الهزل، فجاءت السيدات محضرات "الجل" وتضع سيدة منهم تحته الولعة وتنفخ وتنفخ، وعند شروع الجل الملتهب في اللمعان تدخل إحداهن ومعها 3 مسامير ذات الرؤوس الكبيرة التي في حجم ريال الفضة، وُضعت المسامير في النار لتلهب هي أيضًا ويلمع إحمرارها في أزيز النيران، وتتمتم السيدات بأدعية غامضة، وفجأة قامت امرأتان من أقواهن وعلى حين غرة هجمتا على "الطفل المسكين الذي هو أنا في قلب ذهولي.. كتفنني جميعًا إلى جوار النار"، ومدت عمته يدها لتقبض على كتلة من أقمشة قديمة وأمسكت بأحد المسامير الضخمة من ذيله فلمع رأس المسمار في يدها واقتربت من طفل السابعة، ووضعت المسمار في عنقه.

"ظللت في غيبوبتي وقتا طويلًا"، ويُكمل الأبنودي بأن السيدات مضغن حبات القمح لتصير عجينة على هيئة قرص ألصقوه على الجرح النازف لسد الحفرة التي فغرت فاها في عنقه، ووضعوا فوق العجينة بضع ورقات عريضة من أوراق "شجر الخروع" لأنه ورق ليّن دائم الطراوة ليرطب هول النار في العنق الشايط، وظل على هذه الحالة لأكثر من 50 يومًا "أشيل عجينة القمح لاستبدلها بأخرى أكثر طزاجة".

أمراض عدة وطقوس كثيرة مورست على عبدالرحمن الأبنودي وقتما كان طفلًا، فكان ضعيفًا نحيفًا وعليلًا مزمنًا، ضئيل البدن، أصفر الوجه، لدرجة أن أمه كانت تربط يديه المنحلتين بأشرطة من القماش تمسك الساقين اللتين تشبهان عود البوص كي لا تنفرطا، فكانت أمه كما يذكُر تفخر بأنها حققت به أكبر معجزة في الدنيا وهي أنها أبقته على قيد الحياة في قتال مرير وحرب ضروس ضد الطبيعة وقوانين الوجود بخبرتها الطبية النادرة ووعيها لتجارب السابقين، وكان يصف ما تفعله بـ"إعجاز (فاطنة قنديل) العلمي".

"والله وشبت يا عبدالرحمن"، كلمات خرجت من العمة "يامنة"، تلك المرأة البسيطة التي حجزت مكانًا واسعًا داخل صدر الخال الأبنودي، والتي قد تكون سبب من أسباب وفاته، عندما نفذ وصيتها، حين قالت له "إن جاك الموت یا ولیدى موت على طول"، حتى استسلم جسده الضعيف للمرض ورحل عنا الخال في 21 أبريل 2015.


مواضيع متعلقة