بدو سيناء: تتبّع الأثر حرفة يتعلمها الرجل من أبيه أو جده

بدو سيناء: تتبّع الأثر حرفة يتعلمها الرجل من أبيه أو جده
- الأجهزة الأمنية
- التحقيقات الجنائية
- الجهاز الأمنى
- الجيش والشرطة
- الشيخ زويد
- الطرق الوعرة
- العناصر الإجرامية
- المناطق المحيطة
- الوديان الجبلية
- آباء
- الأجهزة الأمنية
- التحقيقات الجنائية
- الجهاز الأمنى
- الجيش والشرطة
- الشيخ زويد
- الطرق الوعرة
- العناصر الإجرامية
- المناطق المحيطة
- الوديان الجبلية
- آباء
يتميز قصاصو الأثر فى محافظة شمال سيناء بحرفية فائقة فى التعامل مع دروب الصحراء، ما يمكنهم من كشف غموض بعض الجرائم، وأكد أهل البادية فى المحافظة أن قصاص الأثر يجب أن يكون أميناً وليس له عداوات مع أحد، وأن ما يعرف بالـ«فيش وتشبيه» حالياً هو التطور الطبيعى لمهنة «قص الاثر»، مؤكدين أن الرياح من ألد أعدائهم، ذلك لأنها تتسبب فى محو الأثر فى دقائق معدودة ما قد يتسبب فى نتائج غير دقيقة.
الحاج «سليمان أبوعيد» من جنوب الشيخ زويد، يقول إن بعض الأشخاص اختصموا عنده فى مدينة الشيخ زويد، ليحكم بينهم، متهمين رجلاً بأن ناقته أكلت من شجر مزرعة شخص آخر، فقام قاص الآثر، ورأى الشجر والحديقة التى أكلت منها الناقة، فقال لهم إن الناقة التى أكلت عوراء، فقالوا بالفعل هى عوراء، فسألوه كيف عرفت، وأنت لست من هنا، فأجاب، إنها كانت تأكل من ناحية وتترك أخرى.
{long_qoute_1}
وأيضاً قيل إن أحد الأشخاص دعا أحد قصاصى الأثر لبيته لتناول الطعام عنده، وبعد أن أكل عنده قاص الأثر، قال له، «اللهم أتم عليك ولادة زوجتك بخير» انتفض الرجل قائلاً: «كيف عرفت أن زوجتى على وشك الولادة»، شك الرجل أن هناك علاقة بين الضيف وزوجته، ولكن الضيف قاص الأثر قال له، إن الخبز «الفطير» البدوى الذى أتيتنى به، طيب من ناحية وغير ناضج من الناحية الأخرى، ما يدل هذا على أن السيدة التى قامت بطهيه بطنها كبير ولا تستطيع الوصول إلى الناحية الأخرى لتقليب الأرغفة، فخرج ناحية طيبة والأخرى البعيدة غير ناضجة. ويؤكد أهل البادية أن قص الأثر عبارة عن حرفة يتعلمها الرجل من أبيه أو جده، ولا يشترط أن يكون فى القبيلة أكثر من شخص، ولكن يشترط أن يكون أميناً ودقيقاً وليس له عداوات مع أحد، ومحايداً إلى أبعد الحدود، وتعلمه الخبرات كيف يميز أعمار الأشخاص من أثرهم، وهوياتهم، أى إن الغريب له مشية وصاحب البيت له مشية والجندى له مشية، والمسلح له مشية، واللص له مشية والضيف له مشية أخرى وكذلك المقبل والمغادر والمرأة والبنت، كل منهم له طريقة مختلفة فى المشى تختلف عن الآخر. يقول الحاج إبراهيم، من سكان جنوب الشيخ زويد، إن الخبرة يجب أن يلازمها ذكاء حاد وسرعة بديهة، ولذلك نادراً ما تلقى اللص الذى فى البادية يسرق فى ديرته، إنما يمارس هوايته بعيداً، لأن أثره أصبح معروفاً لدى قصاص الأثر الذى فى منطقته، فإن لكل إنسان طريقة مختلفة فى مشيته تختلف عن الآخر، ولا يستطيع أن يميزها إلا صاحب الخبرة.
أما فى محافظة جنوب سيناء فتحتل مهنة «قَص الأثر» مكانة مرموقة، حيث يجيد أهالى المحافظة متابعة الأثر وتحديده والتعرف على المسارات والطرق الوعرة، وأغلب المتمتعين بهذه الموهبة هم من البدو ومن سكان الصحراء، وقد أسهم هؤلاء فى فك طلاسم عدد من الجرائم وتدعيم التحقيقات الجنائية، إذ تمكنهم هذه القدرة من التعرف على الطريق الذى سلكه المفقودون فى الصحراء والجبال والوصول إلى العناصر الإجرامية التى تتوارى داخل الجبال، إضافة إلى تحديد أجناسهم وأطوالهم وأوزانهم، ما يسهل تحديد الفاعل بيسر وسهولة ولا تزال العديد من أجهزة الأمن المتطورة تعتمد على قاص الأثر فى التحقيقات الجنائية. وقصاص الأثر يختلف عن الدليل، فالأول يتتبع الآثار فى الأرض أو على الجبال أو داخل الصحارى أياً كان نوعها عن طريق الخبرة والفراسة التى اكتسبها، إما بالسمع أو مشاهدة الآباء والأجداد وهم يمارسون هذه الحرفة النادرة، أما الدليل فهو يعرف الدروب والوديان الجبلية ويستطيع السفر والعودة من نفس المكان دون أن يضيع فى الصحراء. ومن أشهر قصاصى الأثر فى جنوب سيناء الشيخ مبارك صالح والشيخ صالح عيد والشيخ غندور أبوفرج الله. قصاصو الأثر فى جنوب سيناء كان لهم دور كبير فى حروب التحرير ومساعدة الجيش والشرطة فى تتبع أثر الإرهابيين، إضافة إلى تحديد هوية اللصوص، إلا أن المهنة أوشكت على الانقراض، وحذر بعض مشايخ وعقلاء البدو من اندثارها لأنها لم تعد ضمن أولويات القبائل. الشيخ محمد عودة، شيخ قبيلة الجبالية بسانت كاترين، يبلغ من العمر ٦٠ عاماً، ويعرف عنه موهبته فى قَص الأثر، قال إن قَص الأثر موهبة من الله عز وجل وتتوارثها القبائل منذ القدم، وأضاف لـ«الوطن»: «كنا فى الماضى ننظم مراهنات فى هذا المجال بين الرجال لبيان مدى دقة كل منهم فى قص الأثر، ومن الممكن أن يكون الأثر قدماً أو نصف قدم أو أثر دابة ويقوم القصاص بمعرفة الأثر إن كان رجلاً أو سيدة أو شيخاً أو ربما كان يحمل أثقالاً أو ربما يرتدى حذاء أم لا، وكل قبيلة يوجد بها قصاص على الأقل، وهناك قبائل بها أكثر من واحد»، مؤكداً أن قبيلة المزينة تستحوذ على أكبر عدد من قصاصى الأثر. وأكد الشيخ محمد عودة، أحد مشايخ البادية، أن القصاص لا يحصل عل أى مزايا مادية من الحكومة، وليس له راتب ثابت، علماً بأن هذه الحرفة موهبة نادرة وقليل من أهل البادية يعرفها جيداً وتفيد الأجهزة الأمنية فى الصحارى والجبال، وأكد أن قَص الأثر كان له دور كبير فى ضبط الإرهابيين الذين هاجموا كميناً بجوار دير سانت كاترين، حيث تم تتبعهم فى المناطق المحيطة وحاصرناهم حتى هبطوا من الوادى فجراً وتم القضاء عليهم قبل وصولهم لأى قوات. حميد سعد جبلى، ٤٩ عاماً، من قبيلة المزينة بقرية الجبيل بطور سيناء، قال إن مهنة قصاص الأثر تعتمد على قوة الملاحظة وبعض من الفراسة فى تتبع الأثر، وأضاف: «أسير واضعاً عينىّ على الأثر الذى أمامى وأضع دائرة حول الأقدام المراد تتبعها ونوع النعال ورسمته من أسفل، حتى لو كان حافياً يتم تتبع أثره. وأكد سليمان محمود الجبالى، ٤٥ سنة، من قبيلة الجبلية، أن هذه الموهبة معرضة للاندثار والانقراض بعد عزوف الشباب عنها لعدة أسباب، أهمها عدم تقديرهم مادياً ما دفعهم للعمل بالسياحة والسفارى وكدليل لتوفير المال لأسرهم، واقترح سليمان إنشاء مركز فى جنوب سيناء لتعليم مهنة قصاص الأثر واختيار مجموعة منهم للعمل فى الجهاز الأمنى كـ«قصاصى أثر».