3 مشاهد من المرحلة الثانية لـ«النواب»: صمت «القاهرة».. وفوز «اللواءات».. وصعود الأنجال

كتب: أكرم ألفى

3 مشاهد من المرحلة الثانية لـ«النواب»: صمت «القاهرة».. وفوز «اللواءات».. وصعود الأنجال

3 مشاهد من المرحلة الثانية لـ«النواب»: صمت «القاهرة».. وفوز «اللواءات».. وصعود الأنجال

هناك علاقة عكسية واضحة بين نسبة المشاركة وعدد المقاعد للدائرة وهى علاقة تحسب على أساس ليس فقط المتوسط العام للمشاركة بل متوسط المشاركة فى كل محافظة على حدة ونسب المشاركة السابقة بهذه الدوائر

 

هيمن الحديث عن الرشوة الانتخابية واستخدام المال السياسى على الحوار بشأن المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية، كما ركزت غالبية المقالات على تراجع الأحزاب، خاصة «المصريين الأحرار» و«مستقبل وطن»، فى هذه المرحلة مقابل صعود المستقلين، وطغت القاهرة ودوائرها، التى تضم المشاهير، على الحدث الانتخابى، بالتركيز على أسباب فشل فاطمة ناعوت فى مصر الجديدة وسقوط طلعت القواس فى باب الشعرية، إلى جانب تحليل ظاهرة صعود المرأة والأقباط وفوز 12 امرأة و9 أقباط من بينهم مرشح فاز من الجولة الأولى هو سمير غطاس.

{long_qoute_1}

وبعيداً عن هذا الحوار، فإن هناك ثلاثة مشاهد أخرى بلورت المرحلة الثانية للانتخابات، وهى استمرار تراجع تصويت المدن وصعود القادمين من المؤسسات الأمنية والعسكرية وفوز عدد كبير من أنجال النواب السابقين، وهى المشاهد التى تسعى هذه القراءة لتفسيرها وتحليلها.

سؤال المشاركة: المدينة «الصامتة» وسر المقعد الواحد؟

بلغت نسبة المشاركة فى المرحلة الثانية نحو 29.3% مقارنة بنحو 26.5% فى المرحلة الأولى، وأوعز البعض ارتفاع نسب المشاركة فى هذه المرحلة إلى وجود محافظات مثل الغربية والمنوفية والدقهلية والشرقية، لكن السؤال الغائب الحاضر كان هو سر عزوف سكان المدن الكبرى عن التصويت، ووفقاً لبيانات اللجنة، فإن نسبة المشاركة فى القاهرة لم تتجاوز 19.9% وهى نسبة تقارب المشاركة فى الجيزة والإسكندرية التى بلغت 21% و23% فى المرحلة الأولى، ولعل من اللافت هنا أن استبعاد نسب المشاركة فى القاهرة يرفع نسب المشاركة فى المرحلة الثانية إلى 33.4%، وهى نسبة تدلل على استمرار ارتفاع معدلات التصويت فى محافظات الوجه البحرى مقارنة بالصعيد منذ ثورة 25 يناير.

{long_qoute_2}

وبعيداً عن النسبة الاستثنائية لجنوب سيناء، نجد أن المنوفية وكفر الشيخ والدقهلية والشرقية والغربية والإسماعيلية تصدرت مشهد التصويت، بل إن النسبة ارتفعت فوق 35% فى الإسماعيلية والمنوفية وكفر الشيخ والدقهلية ودمياط، وهى نسب لم تصل لها سوى الوادى الجديد ومرسى مطروح فى المرحلة الأولى. إن السؤال الشائك هو سر عزوف الناخبين فى القاهرة عن التصويت على غرار ناخبى الجيزة والإسكندرية، وهى المدن التى صنعت ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فتراجعُ المشاركة الانتخابية فى القاهرة مثل لدى البعض عقاباً للنظام السياسى الحالى، وهى الافتراضية التى لا تجد إثباتاً حتى اللحظة، وتظل الإجابة الأوقع هى أن الصراع السياسى بمثابة مغناطيس المشاركة فى الحضر، فالمدن فى غالبية دول العالم ترتفع فيها نسب المشاركة مع احتدام المنافسة على أساس حزبى وسياسى، وهو ما افتقدته الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى جعلها النظام الفردى تميل للصراع بين الشخصيات وليس السياسات، إلى جانب استبعاد تيار الإسلام السياسى وعدم خوض اليسار الانتخابات بقائمة منفصلة، ما قلّل دوافع المشاركة لسكان الحضر من الطبقة الوسطى.

{long_qoute_3}

ومن الملاحظ أن الانتخابات البرلمانية لم تنجح فى جذب الطبقة الوسطى للذهاب إلى الصناديق، بسبب فقدان الانتخابات للصراع السياسى وتحول الصراع فى أغلبه إلى صراع شخصى أو محاولة لكسب أصوات بالرشاوى الانتخابية والدعاية الإعلامية، بعيداً عن الخطاب السياسى والاجتماعى، ومن ناحية أخرى يبدو أن الطبقة الوسطى الحضرية اعتبرت أن باب الصراع المفتوح على السلطة، الذى فتحته ثورة 25 يناير، قد أغلق بانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى، وبالتالى فإن دورها فى نقل عجلة القيادة السياسية للدولة قد انتهى «مؤقتاً»، فهذه الطبقة الاجتماعية فى حضر القاهرة والإسكندرية والجيزة اعتبرت أن نقل عجلة القيادة من «الإخوان» لنظام «30 يونيو» كان بمثابة إنجازها الرئيسى خلال السنوات الأربع الماضية، ومع غياب أى تهديد للنظام والدولة فى الانتخابات الأخيرة وانحصار المنافسة بين مؤيدين للنظام جعلها تجد غيابها غير مؤثر، فأحد محفّزات التصويت للطبقة الوسطى، وفقاً لمدارس السلوك التصويتى الأمريكية، هو القدرة على التأثير السياسى وليس الحشد العائلى والتصويت مقابل الرشوة المالية أو الخدمات.

وبعيداً عن الدلالة السياسية لتراجع التصويت فى القاهرة والمدن الكبرى، فإن تقسيم الدوائر طرح مفارقة أخرى للمشاركة، وهى ارتفاع نسب المشاركة فى الدوائر التى تدور فيها المنافسة على مقعد واحد مقابل تراجعها فى الدوائر التى كان من نصيبها أربعة مقاعد، وهو ما كشفت عنه بوضوح نسب المشاركة باحتلال السويس قاع نسب المشاركة فى المرحلة الثانية بنسبة 18% وهى المحافظة التى تم تقسيمها إلى دائرة واحدة بأربعة مقاعد، فيما احتلت جنوب سيناء القمة بنسبة مشاركة 41% التى تم تقسيمها إلى 3 دوائر، كل دائرة بمقعد وحيد. وربما البحث فى التفاصيل يجعل الصورة أكثر وضوحاً، فمن بين 28 دائرة بالمرحلة الثانية كانت المنافسة بها على مقعد واحد تجاوزت المشاركة فى 15 دائرة نسبة 30% كما تجاوزت المشاركة نسبة 40% فى 9 دوائر، وسجلت دائرة مشتول السوق بنسبة 49.9% أعلى نسبة مشاركة فى هذه المرحلة وهى دائرة بمقعد واحد، فيما تجاوزت جميع الدوائر بالقاهرة ذات المقعد الواحد نسب المشاركة للعاصمة، باستثناء شرق القاهرة، وهى دائرة غنية جداً تثبت تراجع نسب المشاركة للأكثر غنى فى انتخابات برلمانية دون منافسة سياسية واضحة المعالم.

 

فى المقابل، نجد أن بين 20 دائرة كانت تجرى فيها المنافسة على أربعة مقاعد لم تحقق أى دائرة نسبة الـ40% فيما تراجعت نسب المشاركة فى دائرة مثل حلوان إلى 16% فقط، ولم تتجاوز 6 دوائر نسبة 30% رغم أن غالبية هذه الدوائر هى دوائر ريفية بالوجه البحرى تتميز بارتفاع نسب المشاركة، باستثناء ميت غمر، التى شهدت صراعات مفتوحة بين رموز انتخابية مشهورة وكذلك بركة السبع.

فهناك علاقة عكسية واضحة بين نسبة المشاركة وعدد المقاعد للدائرة، وهى علاقة تحسب على أساس ليس فقط المتوسط العام للمشاركة بل متوسط المشاركة فى كل محافظة على حدة، ونسب المشاركة السابقة بهذه الدوائر، وربما تفسير هذه العلاقة يقوم على قاعدة أن المقعد الواحد يزيد من حدة التنافسية ويجعل الانتخابات البرلمانية أقرب لانتخابات رئاسية للدائرة بمنطق «المعادلة الصفرية»، وهى العلاقة التى يجب أخذها فى الاعتبار عند صياغة قانون تقسيم الدوائر الجديد فى مجلس النواب، خاصة أن الدوائر الأصغر أفرزت عدداً أكبر من النواب الشباب وكذلك ضعف فيها التأثير النهائى للرشاوى الانتخابية.

حضرة الضابط: التصويت لصالح المؤسسة

شهدت المرحلة الثانية استمرار ظاهرة صعود الضباط السابقين فى المؤسستين العسكرية والشرطة، حيث نجح 34 مرشحاً من الضباط السابقين فى الدخول للبرلمان عبر بوابة المقاعد الفردية فى هذه المرحلة، إلى جانب 4 على قائمتى «فى حب مصر» ليصل العدد الإجمالى إلى 38 نائباً من الضباط السابقين. ومن اللافت فى هذه الانتخابات أن محافظات الوجه البحرى ودوائر القاهرة التى خاضت صراعاً شرساً مع «الإخوان» هى التى فضلت انتخاب اللواءات السابقين، فعلى سبيل المثال فإن مدينة نصر التى عانت من اعتصام «رابعة» انحازت للتصويت لصالح اثنين من الضباط السابقين بالمؤسسة العسكرية.

فالحضور القوى للضباط فى هذه المرحلة يرجع بالأساس إلى أن الكتل السكانية التى تعتبر أن قوة الدولة هى التعبير عن الاستقرار رأت فى انتخاب أبناء المؤسسات الأمنية سبيلاً للتأكيد على صيغة الاستقرار الراهنة، (من وجهة نظرهم)، وقد بلغ عدد النواب الفائزين بالمقاعد الفردية من المؤسسة العسكرية 11 نائباً، بالإضافة إلى اثنين بالقائمة، وهو عدد يزيد على ضعف النواب القادمين من المؤسسة العسكرية بالمرحلة الأولى، وهذا الرقم يدلل على تفضيل الناخب للمرشحين ذوى الخلفية العسكرية. بالتوازى، فإن عدداً ليس بقليل من هؤلاء النواب نجح فى الحصول على مقعده بعد خوض معركة واضحة ضد مرشحين من النواب السابقين والمحسوبين على الحزب الوطنى المنحل. وهنا تبدو دلالة خلفية الرئيس عبدالفتاح السيسى ودورها فى الانحيازات التصويتية، حيث ما زالت كتلة ليست بقليلة من الناخبين تعتبر أن المؤسسة العسكرية هى الضامن الرئيسى للاستقرار فى اللحظة الراهنة، وما زالت تعتبر القادم من الجيش هو الأفضل للتعبير عن مصالحها.

صعود الأنجال: العائلة وميراث المقعد البرلمانى

من ضمن تحيزات الناخب الواضحة فى المرحلة الثانية كان التصويت لصالح الأنجال أو أبناء العائلات البرلمانية، خاصة فى دوائر محافظات الوجه البحرى، حيث نجح 9 من أنجال نواب سابقين، من بينهم ثمانية من أنجال نواب «المنحل» ونجل أحد القيادات اليسارية، كما فاز بعضوية البرلمان فى هذه المرحلة 6 من أبناء العائلات البرلمانية فى المقاعد الفردية. وإجمالاً أصبح لدينا نحو 22 من الأنجال فى هذا البرلمان، بينهم اثنان من اليسار، هما هيثم الحريرى وخالد محمد عبدالعزيز شعبان، وجاء من هؤلاء الأنجال 18 عبر المقاعد الفردية بينما جاء أربعة عبر القوائم. ومن اللافت أن جميع أنجال نواب الحزب الوطنى المنحل على قائمة «فى حب مصر» ينتمون لحزب «مستقبل وطن» الذى رشح عدداً كبيراً من الأنجال على المقاعد الفردية، وهو ما يشير بوضوح إلى أن «حزب الشباب» الافتراضى اعتمد بشكل رئيسى على شباب العائلات، خاصة عائلات «المنحل» فى خوض الانتخابات.

الآباء خرجوا من ساحة السياسة بسبب السن أو الخوف من الفشل فحافظوا على مقعد العائلة بالدفع بـ22 نائباً بينهم يساريان

الكتل السكانية التى تعتبر أن قوة الدولة هى التعبير عن الاستقرار رأت فى انتخاب 13 نائباً من أبناء المؤسسات الأمنية سبيلاً آمناً

 

 

 


مواضيع متعلقة