علماء من بلدنا.. محمد عبدالرحمن بيصار فقيه وأديب وفيلسوف وشيخ الأزهر الشريف

علماء من بلدنا.. محمد عبدالرحمن بيصار فقيه وأديب وفيلسوف وشيخ الأزهر الشريف
يُعد الإمام الأكبر الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار، شيخ الأزهر الأسبق، أحد أبرز المؤثرين فى تاريخ المشيخة لما له من تأثير علمى كبير ودور بارز فى النهوض بالأزهر الشريف نهضة كبيرة سجلها التاريخ، وحينها لُقب بـ«الفيلسوف» لتخصصه فى الفلسفة الإسلامية.
الشيخ عبده حافظ بيصار، مفتش سابق بالأزهر الشريف، وابن شقيق فضيلة الإمام الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار، أكد لـ«الوطن»، أنّ عمه وُلد عام 1910 فى منزل ريفى بقرية السالمية التابعة لمركز فوه بمحافظة كفر الشيخ، وكعادة أهل القرى فى ذلك الزمان ألحقته أسرته بكُتّاب القرية وفيه أتم حفظ القرآن الكريم، ثم أرسله والده للالتحاق بمعهد دسوق الدينى الأزهرى لاستكمال دراسته فى المرحلة الإعدادية ولما اجتازها بنجاح لافت ألحقه والده بمعهد طنطا الدينى بمحافظة الغربية لاستكمال دراسته الثانوية به، ولأنه كان محباً للأدب أقدم على خطوة كانت بدعة من وجهة نظر أساتذته، حيث قام بتأليف رواية أدبية عنوانها «بؤس اليتامى»، وفيها تحدث عن حياة الأيتام وما يتعرضون له من ظلم وبؤس من الأوصياء عليهم، وكذا من المجتمع، ولقيت الرواية رواجاً وإقبالاً من الناس، لكن إدارة المعهد غضبت عليه لاشتغاله بالتأليف الأدبى الذى هو فى نظرها مهانة لا تليق بطالب العلوم الدينية، فأحيل للتحقيق وعليه تم نقله إلى معهد الإسكندرية، وهناك أتم دراسته الثانوية ثم التحق بكلية أصول الدين وتخرج فيها عام 1949، فتم تعيينه مدرساً بالكلية نظراً لتفوقه ونبوغه.
وفقاً لـ«عبده»، تحولت حياة الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار حينما تم اختياره من قبل الأزهر فى بعثة تعليمية إلى إنجلترا، وفيها تنقل بين الجامعات الإنجليزية ونال فيها من العلم الكثير، واستقر بجامعة إدنبرة، ومنها حصل على الدكتوراه فى الفلسفة العامة وكان موضوعها «حجة الإسلام الإمام الغزالى والفيلسوف ديكارت»، بحسب «عبده»: «واصل الدكتور بيصار نبوغه وصعوده سلم الترقى حيث تم اختياره لتولى منصب مدير المركز الثقافى الإسلامى بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1955، فقام بشئون المركز على أعلى مستوى، وجعله مصدر إشعاعٍ وجذب لأبناء جميع المسلمين من جميع المذاهب الموجودين فى الولايات الأمريكية، واستطاع بذكائه ومعرفته وعلمه ودرايته بأفكار أصحاب تلك العقائد والملل، أنّ يحظى باحترام وتقدير جميع تلك الطوائف، وظلَّ يدير المركز الإسلامى لمدة أربعة أعوام ثم عاد إلى مصر ليعمل أستاذاً بكلية أصول الدين مرة أخرى».
فى عام 1968 صدر قرار جمهورى بتعيين الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار أميناً عاماً للأزهر، وأتاح له هذا المنصب المشاركة فى الأعمال الإدارية والتوجيهية، واستطاع بخبرته أنّ ينهض بأعباء هذا المنصب المهم، وأداء واجبه، وفقاً لما ذكره «عبده»: «تولى أيضاً منصب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية فى عام 1970، وفى عام 1974 خلا منصب وكيل الأزهر، فكان بيصار أول المرشحين لتولى وكالة الأزهر، وتم تعيينه بقرار جمهورى، والمتعارف عليه أنّ وكيل الأزهر هو المعاون الأول لشيخ الأزهر ومنفذ قراراته والقائم بأعماله حين غيابه أو مرضه أو استقالته، وقد كان الدكتور بيصار الساعد الأيمن للإمام السابق الدكتور عبدالحليم محمود، وموضع ثقته ويأخذ برأيه، ويثق فى علمه وخلقه، وظل هكذا حتى صدر قرار جمهورى بتعيينه وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر عام 1978، ومن وزارة الأوقاف إلى منصب شيخ الأزهر، وذلك فى عام 1979، وإبان توليه مشيخة الأزهر طالب بيصار علماء الأزهر بأن يتزودوا باللغة الأجنبية لا لمجرد التحدث بها أو التخاطب مع الغير، وإنما لأن ذلك يساعد على تكوين أجهزة فى الأزهر تكون ذات صلة قوية بما ينشر فى العالم الإسلامى حول الإسلام لترجمته والرد عليه ونشر ثقافة الأزهر بالخارج».
تخصص الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار فى الفلسفة الإسلامية ودرس جوانب هذه الفلسفة دراسة علمية دقيقة وتعمق فى بحث وجوه الخلاف بين الفلاسفة وعلماء الكلام والصوفية، وسجل هذه البحوث فى كتبه ومحاضراته، وله الكثير من الإنجازات، كما أكد «عبده»: «قام بتأليف لجنة موسعة لدراسة قانون الأزهر ولائحته التنفيذية والعمل على أداء رسالته فى حراسة الإسلام ولغته، وأنشأ نظاماً للدراسات العليا فى جامعة أم درمان بالسودان وأقام مركزاً كبيراً للبحث العلمى فى هذه الجامعة، كما نجح فى إرساء قواعد المنهج الفلسفى والعلمى فى الأزهر، كما شارك فى قوافل علماء الأزهر التى نظمها الأزهر لمؤازرة الضباط والجنود قبل حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وتوعيتهم بأهمية فضل الجهاد والاستشهاد فى سبيل الله والوطن، وأهمية المعركة مع العدو الصهيونى الغاشم، وكذلك المعانى التى تُسهم فى رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية، وقد نجحت هذه القوافل نجاحاً كبيراً وتم تعميمها على جميع وحدات الجيش».
وأضاف «عبده» أن الإمام الأكبر الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار تعلق بمسقط رأسه بشكل كبير فكان يتردد على قرية السالمية التابعة لمركز فوه بمحافظة كفر الشيخ بشكل دائم: «كان مُحباً لقريته ويعمل لصالحها وشارك وهو شاب فى إنشاء دار للمناسبات بالقرية بالجهود الذاتية، وبعد انتقاله إلى القاهرة ظل على علاقة وثيقة بقريته، فيحضر فى المناسبات وهو وزوجته وأولادهما السبعة، كما كان ينتدب للإصلاح بين المتخاصمين وللجلسات العرفية، لأنه كان محبوباً وكان مصدر ثقة الجميع، وكان وراء إنشاء مجمع المعاهد الأزهرية بالقرية، الذى ضم خمسة معاهد، وكان مرتبطاً بقريته حتى توفاه الله، وأتذكر أنه أثناء افتتاح المعهد الابتدائى الأزهرى بالسالمية، كان هناك احتفال كبير وفرحة غامرة بالقرية، وحضر الافتتاح وهو وكيل للأزهر وقتها، برفقة مجموعة كبيرة من الوزراء، منهم المهندس حسب الله الكفراوى، والمهندس على فهمى الداغستانى، والدكتور عبدالمنعم النمر».
ترك الإمام الأكبر الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار أثراً طيباً فى نفوس أقاربه، كما أشار «عبده»: «كنت ملازماً له فى طفولتى، لأننى كنت أحبه جداً وأقتدى به، وقلدته والتحقت بالكُتّاب فى طفولتى وسلكت طريق الأزهر الشريف، وكان يشجعنى حتى تخرجت فى الأزهر، وعند تعيينى نصحنى بالاعتماد على الله وعلى نفسى وعدم اللجوء لأى واسطة، ولم يتدخل فى تعيينى، وكان غيوراً على الأزهر غيرة كبيرة، وله دور كبير فى نشر وإقامة المعاهد الأزهرية على مستوى الجمهورية».
كانت ولاية الإمام الأكبر الدكتور محمد عبدالرحمن بيصار لمشيخة الأزهر فى وقت عصيب من عُمر مصر، حيث اشتدت الحرب بين السلطة وعلى رأسها الرئيس الراحل أنور السادات، وبين فصائل المعارضة من جميع الاتجاهات السياسية، كما ذكر على بيصار، أحد أقارب الإمام الأكبر: «نادى بعدم معارضة الحاكم إلا فى الأمور الجوهرية، وسعى إلى تجنيب الأزهريين أى صدام مع السلطة آنذاك، كما دعا لمواجهة التطرف العلمانى والتغريب فى الثقافة والانحلال الخلقى فى المجتمع، ودعا إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية والحوار مع المتطرفين وإلغاء التضييق على رجال الدعوة، وكان من أبرز المؤيدين لاتفاقية كامب ديفيد، وأرسل برقية تهنئة إلى الرئيس السادات بمناسبة توقيعه المعاهدة، ونادى بتطوير قانون الأحوال الشخصية، وشدد على ضرورة أنّ يتضمن حقوق المرأة التى لم تكن تحصل عليها من قبل، وقد حظى بالعديد من أوجه التكريم، منها قلادة الجمهورية فى عام 1981 وهى أرفع الأوسمة والنياشين فى مصر، كما مُنح درجة الدكتوراه الفخرية فى نفس العام من جامعة ماليزيا، حتى رحل عن عالمنا فى عام 1982 بعد رحلة من الكفاح الطويل والجهود المضنية التى لا تكاد تُحصى فى خدمة الإسلام والعلم، وحينما توفى بالقاهرة، انتقل غالبية أهالى القرية والقرى المجاورة للقاهرة للمشاركة فى تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير».
وأعرب محمد عبده حافظ بيصار، مُحامٍ وأحد أحفاد الإمام الأكبر الراحل، عن فخره الشديد بجده: «الإمام الأكبر هو عم والدى وشقيق جدى حافظ بيصار، رحمهما الله، وأنا سميت على اسمه، وسعيد بهذا الشرف الكبير، وفى أى مكان أتشرف بذلك»، مطالباً بإحلال وتجديد معهده بقرية السالمية، كما طالب بإطلاق اسم جده على أحد ميادين محافظة كفر الشيخ، تقديراً لمكانته الكبيرة فى العالم العربى والإسلامى.
وأضاف عبدالحميد حسن، من أهالى قرية السالمية بمركز فوه، أنّ الإمام الأكبر الراحل من العلامات المضيئة فى محافظة كفر الشيخ، متابعاً: «سمعت عنه الكثير والكثير وأفخر أنّه أحد أبناء قريتنا، ودرست فى الأزهر الشريف لأنى اتخذته قدوة وأتمنى فى يوم من الأيام أنّ أكون مثله وأشرف قريتى».