اللبنانيون ينتظرون إجراءات لإصلاح المؤسسات واستعادة الاستقرار

اللبنانيون ينتظرون إجراءات لإصلاح المؤسسات واستعادة الاستقرار
تحديات عدة تنتظر الرئيس اللبنانى الجديد فى الداخل اللبنانى، الذى يعانى انقسامات طائفية وحزبية عميقة أثرت على استقرار الدولة ومؤسساتها، ما يطلب منه العمل على بناء توافق وطنى يضم مختلف القوى السياسية والطائفية لإعادة إرساء أسس الدولة، وضرورة إصلاح المؤسسات، ومعالجة الأزمات الاقتصادية الحادة التى أثقلت كاهل المواطنين، لتكون بمثابة اختبار حاسم لنجاح القيادة الجديدة فى إحداث تغيير حقيقى فى لبنان، وتحقيق الاستقرار المنشود فى هذا البلد الذى مرّ بالكثير من الأزمات.
وقال محمد سعيد الرز، المحلل السياسى اللبنانى، إن «عون» جاء من خارج الطبقة السياسية التى حكمت لبنان على مدار الثلاثين سنة الماضية، وهى الطبقة التى اعتمدت المحاصصة السياسية على حساب الدستور والقانون، ما أدى إلى تدمير مقومات الدولة الاقتصادية والمالية لخدمة مصالحها الخاصة، وفى الوقت ذاته أثبت قدرته على حماية الجيش اللبنانى، رغم الظروف الصعبة والانقسامات التى عانت منها البلاد، حيث أصبح الجيش هو الضمانة الأخيرة للوطن فى ظل انهيار معظم المؤسسات الأخرى.
وأضاف «الرز»: «لم يكن غريباً أن تسعى الطبقة السياسية الحاكمة إلى عرقلة وصول العماد جوزيف عون إلى رئاسة الجمهورية، فقد وضعت أمامه العديد من العوائق، سواء عبر اجتهادات دستورية أو محاولات لتشكيل تحالفات حزبية ضده، لكن بفضل رصيده الوطنى الكبير ومؤهلاته السياسية والاستراتيجية، نجح الرئيس عون فى كسب ثقة غالبية أعضاء المجلس النيابى، كما حظى بدعم عربى ودولى واسع، مما يعكس مكانته القوية على الساحة الوطنية والإقليمية».
وتابع: «زيارة العماد عون إلى مصر قبل نحو ثلاث سنوات وتواصله مع الرئيس عبدالفتاح السيسى مثال على احترامه الدولى واهتمامه بتعزيز العلاقات مع الدول العربية الكبرى، وفى خطابه بعد قسم اليمين أعلن عن خارطة طريق واضحة لإعادة بناء الدولة اللبنانية، مع تأكيده على تنفيذ الدستور الوطنى الذى يستند إلى اتفاق الطائف، والذى تعرّض لعدة انتهاكات من الطبقة السياسية بهدف تعزيز مصالحها على حساب مصلحة الوطن».
وأشار «الرز» إلى أنّ تعهُّد الرئيس عون بتحقيق استقلالية القضاء، وتعزيز قدرات الجيش، وإصلاح قانون الانتخابات، وإنعاش المؤسسات الحكومية، كلها خطوات بالغة الأهمية لإعادة بناء لبنان على أسس سليمة وقوية، كما أن عزمه على حصر السلاح بيد الجيش اللبنانى والقوى الأمنية، وتعزيز علاقات لبنان العربية، هو أمر يعكس التزامه بالسيادة الوطنية واستقرار لبنان فى محيطه العربى، وختم قائلاً: «رغم التحديات العديدة التى ستواجه تطبيق خارطة الطريق التى وضعها الرئيس عون، فإنه فتح الطريق نحو الإصلاح والتغيير بالتعاون مع الحكومة اللبنانية التى ستتشكل قريباً»، مؤكداً أن انتخاب الرئيس جوزيف عون يمثل بارقة أمل واسعة للبنانيين بجميع فئاتهم، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطنى من أجل لبنان أفضل وأكثر استقراراً.
من جانبه، يرى عمرو حسين، الباحث فى العلاقات الدولية، أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة بعد انتخاب رئيس جديد، وعقب سنوات صعبة شهدتها الدولة، سواء قبل العدوان الإسرائيلى والاجتياح البرى فى سبتمبر الماضى أو بعده: «لبنان مر بمنعطفات كبيرة أثرت على الاقتصاد، والأزمة الكبرى كانت سياسية بسبب تمكن فصيل معين من مفاصل الدولة ولديه أسلحة وقوات خارج إطار الدولة والجيش تحت غطاء شعارات مثل المقاومة، وبعد انتهاء فترة رئاسة الرئيس ميشيل عون ظل لبنان عامين دون رئيس بدعم من قوى إقليمية، ولكن اليوم هناك مرحلة سياسية جديدة».
وأضاف «حسين» أن التحدى الآخر الذى يواجه الرئيس الجديد هو ضرورة تحقيق عملية سياسية شاملة تجمع القوى اللبنانية بمختلف طوائفها لبناء نظام سياسى قوى يضمن عدم تكرار الأزمة الحالية، وهو ما يتطلب توافقاً وطنياً بين جميع القوى السياسية، ويكمن الحل فى حوار وطنى شامل لجميع القوى والأحزاب اللبنانية، من أجل إنهاء المحاصصة والطائفية، وفرض سيادة القانون، وإلزام الجميع بمدنية الدولة، وعدم السماح بتأثير القوى الإقليمية التى حولت لبنان إلى دولة معزولة.
وأشار إلى أن الرئيس «عون»، بعد تحقيق المصالحة والتوافق الوطنى، سيكون قادراً على تحريك عجلة الاقتصاد اللبنانى إلى الأمام، خاصة بعد استعادة لبنان مكانته فى محيطه العربى وترميم علاقاته الدولية، وذكر أن الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية والجزائر منفتحة على التعاون الاقتصادى مع لبنان، بما فى ذلك مد لبنان بخطوط الغاز والطاقة، فى مقابل عودته إلى الحاضنة العربية، موضحاً أن أمام الرئيس عون أيضاً ملفاً كبيراً يتعلق بمحاسبة المسئولين عن الفساد فى لبنان، بما فى ذلك التحقيق فى جريمة انفجار مرفأ بيروت الذى أسفر عن مقتل العديد من اللبنانيين، وأضاف أنه يجب إعادة هيبة القضاء اللبنانى، الذى تأثر بتدخلات قوى لبنانية للتستر على جرائم الفساد والانفجار.
ووصف انتخاب رئيس جديد بأنه خطوة كبيرة نحو استعادة لبنان مكانته فى المجتمع الدولى، الذى يعير اهتماماً كبيراً لهذا البلد الذى يمتلك إرثاً حضارياً وثقافياً، وأوضح أن لبنان يحتاج إلى نحو 5 مليارات دولار لإعادة إعمار المناطق التى تأثرت بالعدوان الإسرائيلى الأخير فى الضاحية الجنوبية وقرى جنوب لبنان، كما أن الاستقرار السياسى فى لبنان سيسهم فى دفع صندوق النقد الدولى إلى تقديم دعم كبير للبنان فى مرحلة إعادة البناء، مؤكداً أن التوافق الوطنى والحوار الشامل بين القوى اللبنانية، الذى يستبعد التدخلات الخارجية، سيسهم بشكل كبير فى إنهاء الانقسام الداخلى، مما سيمنع تدخلات إسرائيلية جديدة تحت ذريعة سلاح حزب الله، ويجب على المجتمع الدولى تحمُّل المسئولية فى تسليح وتأهيل الجيش اللبنانى، ليتمكن من استعادة السيطرة على جميع حدود البلاد، وضمان عدم تعرُّض لبنان للاستهداف الإسرائيلى مرة أخرى.