فرج فودة.. مات «المفكر» وعاشت «الفكرة»

كتب: إمام أحمد

فرج فودة.. مات «المفكر» وعاشت «الفكرة»

فرج فودة.. مات «المفكر» وعاشت «الفكرة»

الساعة: السادسة والنصف مساءً، مع الدقائق الأخيرة من نهار صيفى، الزمن كان مختاراً بعناية، فبعد قليل يحل الليل، وتكون الفرصة سانحة للهرب والاختباء تحت غطاء الظلام.

اليوم: قبل 23 عاماً، فى الثامن من يونيو 1992 «عام الزلزال»

أغلق الدكتور فرج فودة، باب مكتبه بالطابق الأول من العقار رقم 2 بشارع أسماء فهمى فى مصر الجديدة، وبدأ يخطو متجهاً نحو سيارته التى تنتظره أمام العقار، وعن يمينه ابنه «أحمد»، وعن يساره صديقه «وحيد»، ممر يبلغ طوله نحو 10 أمتار من باب المكتب إلى باب السيارة مروراً من «بوابة العقار» الواسعة الحديدية السوداء، خطوات اعتاد أن يخطوها يومياً بعد انتهاء ساعات العمل والكتابة، لكنه لم يكن يعلم أنها فى هذه الليلة ستكون الخطوات الأخيرة.

«سمعت صوت الضرب بالنار، قلت الحرب قامت تانى، الطلقات كانت كتيرة وصوت الرشاش ولا أفلام السيما»، يستعيد حارس العقار، المعروف بـ«عم أبوعلاء» واقعة فات عليها ربع قرن، إلا قليلاً، كان أحد معاصريها، وأحد الشهود عليها. الرجل الثمانينى، الذى ضعف نظره حتى يكاد يفقد البصر تماماً تحت وطأة طعن العمر، لم يكن فى حاجة إلى جهد ذهنى كبير ليسترجع حادثة كان على بعد خطوات قليلة منها، ولم تفارق ذاكرته يوماً «ياااه.. دى حكاية فات عليها كتير، شفت المجرمين بعينى، وشفت الدكتور فرج -الله يرحمه- غرقان فى دمه، وابنه وشخص تالت كانوا معاه، وأصيبوا برده، وفى غفلة عين جرى الراجل اللى ماسك رشاش، وركب موتوسيكل ورا واحد كان مستنيه على الرصيف التانى، واختفوا»، مستدركاً «ماكانوش لابسين لبس الجماعة السُنيّة، كانوا لابسين عادى، زى الناس».

أبو علاء حارس العقار يروى شاهدته على الحادث

نهر من الدماء جرى على رصيف الشارع، المفكر الذى ملأ سماء المحروسة بضجيج أفكاره ودعواته التنويرية التى أطلق سهامها فى كتبه وخلال مناظراته وعلى صفحات الجرائد، أمسى جثة هامدة، لا يحرك ساكناً ولا يتفوه قولاً. فى حالة من الهلع وقف «أبوعلاء»، وكان عمره ستين عاماً حينذاك، مزهولاً ومصدوماً كأن على رأسه الطير، حسبما يحكى، لكن الصدمة لم تفارقه حتى يومنا هذا، والخوف لم ينصرف عن قلبه، ليرفض أن يواصل حديثه، خشية أن تتكرر الواقعة مجدداً، ويرفض أن تنشر صورته فى الجريدة خشية أن يعرفه أحد «زى ما عرفوا من الجورنان» بحسب كلماته البسيطة، متابعاً فى حواره مع محرر «الوطن»: «اتكل على الله يابنى، كفاية كده، ولا صورة ولا غيره، مش عاوزين داعش ييجوا عندنا تانى»، تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ«داعش»، الذى لم يعاصره «فودة»، اعتبره «عم أبوعلاء» أنه المسئول عن تصفيته: «كلهم واحد، داعش بتاعة دلوقتى، هى داعش بتاعة زمان»، رافضاً دعوات تكفيره بقوله: «هو فيه واحد كافر يبقى وشّه منوّر، ده كان راجل طيب وبتاع علم وأخلاق».

سائق فرج فودة: «شفت واحد ماسك بندقية رشاش»

الخوف الذى سيطر على حارس العقار لحظة وقوع الحادثة، ويتلبسه حتى اليوم، أفلت منه «محمد فاروق محمود»، السائق الخاص للدكتور فرج فودة قبل رحيله، الذى كان ينتظر خارج السيارة، ليتمالك أعصابه ويهرع صاحب الـ26 عاماً فى ذلك الوقت، وراء القاتل ومساعده، محاولاً اللحاق بهما وضبطهما، حسبما أفاد بشهادته فى التحقيقات: «شفت واحد ماسك بندقية رشاش خارجة من حقيبة كان يحملها على كتفه، وبيضرب نار تجاه الدكتور، جريت خدت مفاتيح العربية من إيده -وكان وقع على الأرض وبينزف دم كتير- وركبت العربية بسرعة وطاردتهما لمدة 5 دقائق»، يواصل «محمد» شهادته موضحاً أنه تمكن من الاصطدام بالموتوسيكل الذى كان يستقلانه، وأوقعهما على الأرض، لكنه بعد ذلك سارع بالفرار محاولاً الهرب «لقيت واحد منهم مسك الرشاش، وحاول يستهدفنى، فجريت بسرعة واستخبيت بشقة جمب جراج، وماعرفتش إيه اللى حصل بعد كدة، وإزاى تمت عملية إلقاء القبض؟».

علامة الاستفهام التى تركها السائق فى نهاية شهادته، يجيب عنها اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق، الذى شارك فى الكشف والتحقيق بالعديد من قضايا العنف والإرهاب أثناء عمله بالجهاز قبل الخروج على المعاش: «فى هذا النوع من القضايا، يكون القاتل هو الهدف الأول لأجهزة الأمن والتحقيق، لكنه ليس الهدف الأخير، ففور القبض عليه يصبح حلقة أولى لكشف تفاصيل القضية، والوصول إلى قيادات التنظيم وأفراد الخلية التى ينتمى إليها»، «علام» أوضح أن الأمن اتبع المنهجية نفسها فى حادثة اغتيال «فودة»، فبعد القبض على «عبدالشافى» تم الوصول إلى 12 متهماً آخر، جرى تقديمهم إلى العدالة.

مطاردة بين السائق والإرهابيين

مطاردة بين سائق شجاع، وإرهابيين، انتهت بفرار السائق طلباً للنجاة، وهروب أحدهما هو «أشرف إبراهيم»، ووقوع الآخر «عبدالشافى أحمد»، تحت قبضة عدد من الأهالى وأحد أمناء الشرطة الذى اقتاده إلى قسم شرطة مدينة نصر بعد أن كبّل يديه بأساور من حديد. انتهت المطاردة، وتفرق ثلاثتهم: السائق، والمتهم الهارب إلى حين، والمتهم الذى ألقى القبض عليه، فيما تجمّع الثلاثة الآخرون، الأب والابن والصديق، فى «مستشفى الميرغنى» الأقرب لمكان الواقعة إثر نقلهم إليها بعد مرور 30 دقيقة كانت كفيلة بأن يفقد الهدف الرئيسى للجناة، كميات كبيرة من دمائه ويصبح على «عتبة الموت» بتلقيه رصاصات عديدة تنخر فى أنحاء متفرقة من جسده. فور وصولهم للمستشفى بسيارة أحد المواطنين الذى توقف وتطوع بنقلهم، وجّه الأطباء «فودة الأب» الذى غاب عن الوعى تماماً إلى غرفة العمليات، فيما كانت الحالة مستقرة بالنسبة لـ«فودة الابن» الذى أصيب بكسر فى الساق اليسرى وجرح بمنطقة الظهر، و«وحيد رأفت» الذى أصيب بجرحين بفخذه اليمنى.

جراحة الست ساعات.. محاولة أخيرة للإنقاذ

جراحة استمرت لمدة 6 ساعات، شارك فيها 6 أطباء، إضافة إلى سابعهم طبيب التخدير، تحت إشراف الدكتور حمدى السيد، نقيب الأطباء الأسبق، الذى وصف العملية بأنها واحدة من أصعب العمليات الجراحية التى يمكن أن يواجهها فريق طبى فى العالم، قائلاً لـ«الوطن» بعد لحظات حاول فيها استعادة ذاكرته داخل غرفة العمليات: «الرصاص كان فى كل جزء، والجسد كان ممزقاً تماماً، لكن القلب كان لا يزال ينبض»، مستدركاً: «فوراً طلبت أحد أطباء الفريق، وهو جراح كبير من معهد الأورام لا أتذكر اسمه، بأن يشاركنى فى تنفيذ الجراحة لأننا كنا نريد أن نسابق الزمن، واشتغلت أنا بمنطقة البطن والحوض، واشتغل هو بمنطقة الكبد، وتم ترقيع الأمعاء بالكامل، وخياطة الكبد، واستئصال الطحال، لكن تصاعدت الأزمة مع تحرك رصاصتين ووصولهما لمنطقة الرئة، فكان لا بد من فتح الصدر فوراً». محاولات عديدة قادها الفريق الطبى، وجهد كبير بذله لإنقاذ المفكر الذى بات بين الحياة والموت، لكن كل المحاولات وجل الجهد، ذهب دون جدوى، ليلفظ «فودة» نفسه الأخير فى تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح اليوم التالى، بعد أن توقف قلبه عن النبض، وفشلت جميع محاولات تنشيطه.

تليفون من الرئيس مبارك

يضيف الجراح الكبير حمدى السيد: «لم يحدث أى تقصير طبى إطلاقاً، بالعكس كنا نعمل بكل الإخلاص والجد»، موضحاً أنه كان لا يحتمل أن يصدر قرار بالسفر للعلاج بالخارج، لأنه كان فى حالة صعبة جداً، ونزف كميات كبيرة من الدماء، وجرى إمداده بـ20 عبوة دم إضافية، واهتمام الدولة بإنقاذه كان على أعلى مستوى، «الرئيس الأسبق حسنى مبارك، كلفنى شخصياً بالاتجاه فوراً للمستشفى فور وقوع الحادثة، واتخاذ التدابير الطبية اللازمة»، مضيفاً «كنت فى منزل مصطفى الفقى، وفجأة جاء اتصال من الرئاسة، وكان مبارك بشخصه على التليفون، وقال: يا مصطفى خلّى د. حمدى ينزل من عندك ويروح المستشفى حالاً لإنقاذ فرج فودة».

بيان من شيخ أزهري بتفكير فرج فودة

تدخل من رأس الدولة لم ينجح فى تضميد جراح أبرز مفكر تنويرى مصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين، كما لم ينجح أيضاً فى مسح ماء وجه الدولة نفسها، التى كانت -ممثلة فى مؤسستها الدينية الرسمية الأزهر الشريف- شريكاً فى الجريمة، إذا لم تكن بالفعل والتحريض، فعلى الأقل بالصمت عن أصوات كثيرة تبارت فى إصدار فتاوى التكفير والردة واستباحة الدم، بعض أصحابها ممن يلبسون جلباب الأزهر وعمامته. عبدالغفار عزيز، الشيخ الأزهرى الذى تولى عمادة كلية الدعوة الإسلامية بالمنوفية وعمره 41 عاماً، كأصغر عميد لكلية أزهرية، كان أحد هؤلاء، حيث أصدر بياناً يكفر «فودة»، نشرته جريدة «النور» قبل الاغتيال بـ5 أيام فقط، ثم أصدر كتاباً بعد الحادثة، باسم «من قتل فرج فودة؟»، أورد فيه 4 اتهامات تفيد بردة المفكر، أولها رفض تطبيق الشريعة، حتى أنهى الكتاب بعبارة «فرج فودة هو من قتل فرج فودة».

«وائل»، نجل الشيخ عبدالغفار عزيز، يدافع عن والده حتى اليوم، ويشيد بموقفه، ويفتخر به باعتباره «أحد أعلام الأزهر والدعوة الإسلامية»، مشيراً إلى أنه برىء من اتهامه بالتحريض على قتل «فودة»، لأنه أصدر فتوى بالتكفير، شاركه فيها كثيرون الذين قالوا بكفره لكنهم لم يدعوا لقتله، منهم الشيخ محمد الغزالى، أحد كبار مشايخ الأزهر، الذى حصل على جائزة الدولة التقديرية فى العام السابق لواقعة الاغتيال، وقال فى متن الشهادة التى أدلى بها أمام المحكمة: «إنهم قتلوا شخصاً مباح الدم، وتجاوزهم الوحيد هو الافتئات على الحاكم، لأنها وظيفة حاكم وليست وظيفة فرد»، اختتم الشيخ الأزهرى شهادته، وغادر المحكمة بنفس راضية، تاركاً من ورائه كلمات سجّلها التاريخ، وظلت إلى اليوم محل انتقاد واسع، ليست من جانب النخبة الثقافية والفكرية فحسب، الذين اعتبروا أنها «شهادة دفاع عن الإرهاب»، لكن من جانب بعض الأزهريين الذين يمثلون تياراً مختلفاً بين أبناء العمامة القرمزية.

سعد الدين هلالي: لسنا أوصياء للدين

«نحن لسنا أوصياء للدين، ولسنا آلهة من دون الله، كى نصدر حكماً على فلان بأنه أصبح مستحقاً للقتل، هذا كلام مردود على صاحبه، ولا يجوز شرعاً أو قانوناً»، قال الدكتور سعد الدين هلالى، أستاذ الفقه المقارن بالأزهر، مؤكداً أنه لا جناح على من يعمل عقله، حتى وإن خالف جمهور العلماء: «د. فرج فودة كان صاحب رأى، ومثقف ومفكر، وتكفيره غير جائز، وقتله جريمة، والفكر لا يناقش إلا بالفكر، وليس بالسلاح».

فتاوى تكفير «فودة» التى أصدرها عدد من شيوخ الأزهر، و«بيان الردة» لجبهة علماء الأزهر، وفتوى «إباحة الدماء» لعمر عبدالرحمن، أمير تنظيم الجهاد، كانت كلها حاضرة بالزنزانة التى أقام فيها «عبدالشافى»، المتهم الأول، فى انتظار تنفيذ حكم الإعدام شنقاً الذى أصدره القاضى، الحكم الذى كان يعتبره «بائع السمك» الحاصل على دبلوم صنايع، بمثابة «الطريق للفردوس الأعلى»، بحسب نبيل نعيم، القيادى الجهادى السابق، الذى التقاه قبل إعدامه 1993: «قابلته قبل تنفيذ الحكم، وكان معترفاً ومؤمناً جداً بما فعله، ومقتنعاً أنه نصر الإسلام وأعز الدين، وقال لى: يا شيخ نبيل أنا قتلت كافر بإجماع أهل العلم، وحبل المشنقة هيكون طريقى للجنة». «نعيم» أحد مؤسسى تنظيم الجهاد، الذى كانت تربطه علاقات بأطراف إسلامية مختلفة داخل وخارج مصر، قبل أن ينشق عن التنظيم، أوضح أن «عبدالشافى» وشريكه «أشرف» كانا ينتميان للجماعة الإسلامية، وقررا تنفيذ العملية بعد تكليف نقله إليهما المحامى «منصور»، من صفوت عبدالغنى، القيادى بالجماعة، الذى كان محبوساً على ذمة قضية أخرى، مضيفاً: «منصور نقل التكليف لعبدالشافى، وقال له: الشيخ صفوت بيقول لك مفيش حد يخلصنا من فرج فودة»، الرواية التى ذكرها «نعيم» هى الرواية نفسها التى ذكرها «عبدالشافى» فى اعترافاته أمام نيابة أمن الدولة عليا طوارئ، لكنها تختلف عن اعترافاته السابقة التى أدلى بها أمام نيابة شرق القاهرة فى التحقيق الأول من القضية، الأمر الذى استند إليه «منصور»، لنفى الرواية برمتها وإثبات براءته من تهمة نقل تكليف «الاغتيال»، النفى الذى اقتنع به القاضى، وأصدر حكمه ببراءة «منصور»، لكن طريقه إلى السجن ظل ممهداً بقرار اعتقال أصدرته أجهزة الأمن عقب القضية، حتى جرى إطلاق سراحه فى أكتوبر 2006.

«رواية نقل تكليف القتل من صفوت داخل السجن، إلى عبدالشافى خارج السجن، من خلالى باعتبارى كنت محامياً للأول فى ذلك الوقت، محض افتراء وكذب، وعبدالشافى رواها فى التحقيق الثانى أمام نيابة أمن الدولة بعد تعرضه للتعذيب، بينما كانت اعترافاته الأولى خالية من تلك الرواية»، قال «منصور» الذى يقترب حالياً من إتمام عامه الستين، فيما كانت القضية فى عشرينات عمره. الرجل الخمسينى الذى يدير حالياً مكتب محاماة كبيراً بالقرب من منطقة وسط البلد، يضم عدداً من المحامين الإسلاميين ويتناول النوع نفسه من القضايا، خلع «الروب الأسود» وعاد بذاكرته 23 عاماً للوراء، مستعيداً لحظات وقوفه بقفص الاتهام: «كنت واثقاً من حصولى على البراءة، والقاضى كان مستمعاً جيداً، وترافعت عن نفسى داخل قاعة المحكمة، وأوضحت هذا التضاد بين الاعترافات الأولى والثانية للمتهم الأول بالقضية»، مشيراً إلى أن «عبدالشافى» من جهة أخرى كان واثقاً من إعدامه، لكنه كان متماسكاً، ولم ينهر بعد سماع الحكم: «كان ينتظر الموت لأنه يعتبره شهادة فى سبيل الله، وكان صواماً قواماً فى زنزانته، وآخر عبارة سمعتها منه: أنا قتلت فرج فودة حباً فى الله، لأنه كافر، حتى الأزهر نفسه قال بكفره». 30 يوماً احتاجها «عبدالشافى» فى عملية مراقبة «فودة» ورصد تحركاته، بعد معرفة عنوان مكتبه من دليل التليفونات، حسب اعترافاته فى التحقيقات، تدريب بدنى وعسكرى على عملية الاغتيال تحت إشراف أحد أعضاء الجماعة، بيع بعض الممتلكات الشخصية لشراء السلاح اللازم مع مساعدة آخرين بالمال، تخطيط دقيق للزمان والمكان وطريقة التنفيذ، اختيار أمثل للشخص المساعد «أشرف إبراهيم»، الذى شاركه العملية نظراً لإتقانه استخدام السلاح، واستطاع الهرب حتى ألقى القبض عليه وواجه «حبل المشنقة» فى قضية اغتيال أخرى، التواصل مع بعض العناصر التى ساعدت فى تنفيذ العملية بالمشاركة فى الرصد وجمع المعلومات أو توفير مكان للاختباء قبل التنفيذ أو تسهيل الهرب بعده.

لماذا فرج فودة؟

خطوة بخطوة كانت تسير الخطة على قدمٍ وساق، وكانت تتحرك عقارب الساعة حتى جاءت «لحظة الصفر».. لكن لماذا فرج فودة تحديداً من بين باقى المثقفين ودعاة التنوير والعلمانية؟.. سؤال ربما يجد البعض حيرة للإجابة عنه، الحيرة التى يفك «منصور» طلاسمها: «فرج فودة كان مختلفاً عن أى مثقف آخر، فكان أكثر جرأة وأشد تأثيراً وأحسن قدرة على استخدام القلم، وعبدالشافى داخل السجن كان يردد دائماً: فخور بأنى قتلت الرجل الذى قفز بالعلمانية 80 عاماً للأمام، وهذه القفزة لم يحققها سواه». البراءة التى أنقذت «منصور» من مصير «البدلة الحمراء» فأصبح مستشاراً قانونياً لحزب البناء والتنمية، التابع للجماعة الإسلامية، ماثلها صدفة على الجانب الآخر، مجرد صدفة أنقذت إسحق حنا، رفيق الدكتور «فودة» لما يقارب من 10 أعوام قبل رحيله، من الرحيل معه فى واقعة الاغتيال نفسها: «كنت صديقاً مقرباً للدكتور، واعتدت ملازمته دائماً، وفى ليلة الاغتيال، كان بيننا موعد فى السادسة مساء بمكتبه، لكن لظروف عملى لم أتمكن من الذهاب، وبعد نصف ساعة فقط علمت بما حدث»، «إسحق» الذى أصبح أميناً للجمعية المصرية للتنوير، التى أنشأها «فودة»، واتخذ من مكتبه مقراً لها، أوضح أن كتاب «قبل السقوط» الذى كتبه 1982 كان البداية لعلاقة قوية جمعتهما: «هذا الكتاب كان نذيراً حذّر فيه من قدرة الجماعات الإسلامية على السيطرة على المجتمع والدولة، لأنها تملك 3 أمور: المال والمنابر والعنف، وبعدما قرأت الكتاب، الذى كان بمثابة نبوءة، بحثت عنه حتى وصلت إليه، ومنذ تلك اللحظة صرنا صديقين، وكان نعم الصديق على المستوى الإنسانى».

دماء كاتب «الحقيقة الغائبة»، الكتاب الذى رد به على «الفريضة الغائبة»، لأمير الجماعة الإسلامية، محمد عبدالسلم فرج، تفرقت بين منفّذ للقتل، ومحرّض عليه، وصامت عن جريمة كان يعلم الجميع بقدومها، بحسب «إسحق»: «التهديدات كانت تصل يومياً إليه، والدولة تعرف ذلك، لكن لا أحد يهتم. وأخبرنى فى إحدى المناقشات أنه ينتظر الموت، ولا يخشاه، لكن كل ما يخشاه هو أن يُغتال الوطن على أيدى هؤلاء»، بغضب أضاف أن الذين عوقبوا هم منفذو العملية فقط، لكن الأزهر الذى يضم بين جوانبه عشرات الداعشيين، على حد وصفه، حرضوا على القتل وذهبوا دون حساب، بل تم تكريم بعضهم من جانب الدولة التى وقفت صامتة وهى تعلم أن الجريمة اكتملت، ولم يعد يبقى إلا «الضغط على الزناد»، لأن مبارك كان حاكماً «ضعيفاً وفاشلاً وجاهلاً»، ولم يكن يعى حجم وخطورة تلك الجماعات، مسترجعاً مناقشة دارت بينه وبين «فودة» قبل عام من اغتياله: «أخبرنى الدكتور، وكان مستاءً جداً، أنه خلال لقائه بالرئيس الأسبق ضمن عدد من المثقفين، حذر من خطورة الإسلاميين وأنهم يستعدون لحرب ولو بعد حين، فقاطعه مبارك باستخفاف، بقوله: لا، الموضوع مش زى مانت فاهم».

مضت الأيام، ويوماً بعد آخر، كانت تتكشف الحقيقة شيئاً فشيئاً، حتى حل محل «مبارك» بعد 20 عاماً فقط، هؤلاء الذين حذّر منهم صاحب النذير، ليتأكد له فى مثواه الأخير أنه كان على حق، ويتأكد لرئيس أصبح أسبق، لكنه لا يزال على قيد الحياة، أنه كان على خطأ. رحل المفكر، وبقيت فكرته، تدونها كلماته بين صفحات كتبه المصفوفة داخل مكتبة صغيرة فى الجمعية التى أسسها، التى كانت محطته الأخيرة قبل أن يغادر منها ليغتاله الإرهاب على بعد خطوات قليلة من لافتة صغيرة، اغتالها هى أيضاً الإهمال حتى تهالكت، لكنها لا تزال تحمل اسمها «المصرية للتنوير»، وتحمل اسمه «فرج فودة».. أو قل: «شهيد الفكر».

لقراءة نص التحقيقات في قضية اغتيال فرج فودة.. اضغط هنا


مواضيع متعلقة