الدكتور هاني تمام يكتب: دعوة الصائم

الدكتور هاني تمام يكتب: دعوة الصائم
الصيام من أجَلِّ الأعمال التى فرضها الله على عباده، ليصل العباد من خلاله إلى تهذيب النفس وتقويمها وتحقيق تقوى الله ومرضاته، قال تعالى: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
والصيام أحد أهم أركان هذا الدين الحنيف، كما جاء عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيْفَ أى أكرم الضيف دَخَلَ الْجَنَّةَ» وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَام».
وللصيام أجر عظيم وثواب كبير لا يعلمه إلا الله حيث يقول سبحانه وتعالى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ. وإضافة الصيام لله تعالى إضافة تشريف وتكريم، ومعنى هذا الكلام أن كل عمل ابن آدم يمكن أن يكون له فيه حظ نفس من رياء ومفاخرة وحب الظهور ونحو ذلك، فقد يفعل الإنسان عملاً صالحاً ويرغب أن يعرفه الناس، أو يفعله وينتظر به ثواباً ومدحاً من الناس، أما الصيام فإنه يكون خالصاً لوجه الله تعالى، ولا يبتغى العبد به ثواباً ومدحاً من أحد غير الله تعالى، ولا يعبد الإنسان بالصيام أحداً إلا الله سبحانه وتعالى، وما عظم أحد من الناس غيره أو تقرب إليه بالصيام حتى الكفار، لكونه مختصاً بالله تعالى وحده؛ لذا كان الصيام من أجلِّ الأعمال وأفضلها لبعده عن الرياء والمفاخرة. والدعاء عند الإفطار مجاب ومقبول إن شاء الله تعالى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِى لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ «أخى الصائم خصص جزءاً من وقتك عند الإفطار وتوجه إلى الله فيه بالدعاء والتضرع واطلب منه ما تريد، بعد الثناء على الله بما هو أهله وشكره على توفيقه لك فى الصيام، واسأله القبول وكَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أخى الصائم إذا أفطرت عند غيرك فادع له كما ورد فى السنة النبوية المطهرة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليه وسَلم إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ»، أى جعلكم الله أهلاً لذلك دائماً، وهذا دعاء بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عندهم، أو بشارة بما حصل لهم من الخير، كما يستحب الدعاء لأهل البيت بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ».
وعلى المسلم إذا أراد أن يفطر غيره فى رمضان أن يكون ذلك من كسب حلال، وأن ينوى بذلك وجه الله تعالى لما لذلك من ثواب عظيم، وثواب الله لا ينال إلا بالإخلاص فى العمل، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ومن البشارات النبوية والهدايا المحمدية التى تدل على ثواب إطعام الصائمين من الحلال قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى طَعَامٍ، وَشَرَابٍ مِنْ حَلَالٍ، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فِى سَاعَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ» والصلاة من الملائكة هى الدعاء والاستغفار للصائمين، فضل وشرف كبير لمن فطَّر غيره فى رمضان من كسب حلال وبنية صادقة. كما أن النية الصادقة فى إفطار الصائمين ينال صاحبها ثواب الصائمين الذين أطعمهم وسقاهم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئاً».
*أستاذ الفقه بجامعة الأزهر