«الجريون»: ممر آمن للأطعمة والبطاطين.. والهروب

كتب: محمد أبوضيف

«الجريون»: ممر آمن للأطعمة والبطاطين.. والهروب

«الجريون»: ممر آمن للأطعمة والبطاطين.. والهروب

بين تحفتين فنيتين صنعتهما بنايتان شاهقتان رفعهما «يونانى» يعشق التراث، يمر العابرون من ممر "الجريوم"، وكأنهم فى متحف مفتوح، زخرفات المبانى تظهر فى أركانه، يضيق فى المنتصف كما لو كان عنق زجاجة، ويعود ليتسع، ثم ينفتح وكأنه بهو قصر، يزينه قوس كبير ينقل العابرين من شارع قصر النيل إلى شارع محمود بسيونى، يحفظه أرباب المكان عن ظهر قلب، يقرب المسافات المقطوعة بين منطقة الإسعاف إلى ميدان التحرير، فيبعد السالكين عن زحام منطقة وسط البلد وميدان طلعت حرب. «الجريون» هو الاسم المعروف بين أهالى المنطقة نسبة للحديقة والبار الذى تقع بوابته فى منتصف الممر، ولكن ما لا يعرفه المترددون على وسط البلد أن الاسم الحقيقى للممر هو «إيفرينو»، نسبة لليونانى صاحب العمارتين اللتين يتشكل منهما الممر، هكذا يسرد «صلاح خليفة» فهو الأدرى بتاريخ الممر الذى يعمل فيه منذ ثلاثين عاماً: «الجريون أسهل من إيفرينو، وعشان المطعم والجنينة بقوا يقولوا الممر اللى فيه مطعم الجريون». «عم صلاح»، كما يناديه سكان الممر، يؤمن بأن ما حدث فى 25 يناير ثورة، ويقول إن الممر كان يستخدم لعبور البطاطين والأطعمة وكل ما يحتاجه ثوار الميدان من خلاله: «ممدوح حمزة كان بيجيب العربيات تفضى البطاطين والخيم هنا، والمتظاهرين يشيلوها ويعدوا الممر للميدان». كان «صلاح» يقف للمتظاهرين الذين يسعون للفتك بضباط الشرطة المقيمين داخل العمارة المجاورة للممر، يعرفهم بقوله: «ناس محترمة بس الهوجة خلت العيال عايزين يضربوهم ويموتوهم وأنا وقفت لهم».[SecondImage] وكما وقف «صلاح» للمتظاهرين وخلص من أيديهم جيرانه من ضباط الشرطة، فإن «أحمد إبراهيم» بائع الأحذية دخل فى مشادات مع عدد من أصحاب المحال لحماية المتظاهرين، فمع استمرار الأحداث كره أصحاب المحلات المظاهرات، واعتبروها وبالاً عليهم وعلى أكل عيشهم، ولأنه كان يؤمن بشعارات المظاهرات فقد أنقذ العديد منهم من أيدى أهالى المنطقة وساعدهم على الهرب من الشرطة. «أحمد» الشاب العشرينى، يجلس على كرسيه البلاستيكى فى منتصف الممر، ويقول: «لما يكون فيه اعتصامات فى الميدان كان المتظاهرين بيستخدموا الممر للهروب أو يستخبوا فيه»، ولا ينسى حين سقط مغشياً عليه جراء إلقاء القنابل المسيلة للدموع، ولكن أصعب المواقف حين سقط أحد المتظاهرين وسط دمائه ومات حينها متأثراً بجراحه: «الممر رغم إنه بعيد عن الميدان لكنه كان بيختصر مسافة كبيرة». المتظاهرون كانوا يتداولون اسم الممر على صفحاتهم الخاصة فى مواقع التواصل الاجتماعى كممر آمن للهروب حسب رواية «أحمد»، ولم يشاهد ضابطاً أو جندياً داخله من قبل: «مفيش حد من الأمن عارف الممرات دى زى المتظاهرين وأهل المكان».[FirstQuote] يمر «منتصر» من «الجريون» فى طريقه للمطعم والحديقة التى سمى المكان نسبة لها، يعمل هناك منذ عشرات السنين، ومنذ اندلاع الثورة وهو يجلس داخل مطعمه ليحميه، إيمانه بالثورة غلب على لقمة عيشه فطالما ساعد المتظاهرين خلال الأحداث: «كنت بخرج أول ما أشوف عسكرى وأقعد أطرق على العواميد عشان المتظاهرين ينتبهوا». «منتصر» يقول إن المطعم الذى يعمل به مملوك لعراقيين، يقول إنهم يحبون مصر كبلدهم، ويشيد بالمكان الذى يعتبره ملتقى المثقفين والسياسيين ليلاً خلال الثورة: «المكان ده كان بيجتمع فيه قيادات ثورية ومثقفين وناس كتير قوى». ملف خاص: الثورة.. حكايات الشوارع الخلفية «الخرابة»: ساتر المتظاهرين.. ومرحاض العساكر «أفتر إيت»: استراحة محارب قبل العودة لأرض المعركة