«الخرابة»: ساتر المتظاهرين.. ومرحاض العساكر

كتب: محمد أبوضيف

«الخرابة»: ساتر المتظاهرين.. ومرحاض العساكر

«الخرابة»: ساتر المتظاهرين.. ومرحاض العساكر

على مبعدة من رسوم جرافيتى تمتد من جدران محمد محمود إلى شارع يوسف الجندى، تقع قطعة أرض فضاء، وتحدد بأسوارها الطويلة مقدمة شارع «منشأة الفاضل» المعروف بين الثوار بشارع «الخرابة»، نسبة لتلك القطعة من الأرض التى طالما اختبأ متظاهرو يناير خلف جدرانها بعيداً عن طلقات قوات الأمن، يقع الشارع بمحاذاة شارع محمد محمود، ويربط بين يوسف الجندى، و«الأمير قدادار»، فى مقدمته كان يستقر مستشفى ميدانى، هناك حيث تسكن الحكايات وجدان أهل الشارع الخلفى الذين كانوا وشارعهم شهود عيان على وقائع الثورة وأحداثها. فى منتصف الشارع، وبجانب عربات تصطف على الجانبين، يجلس محمد السيد، 69 عاماً، على كرسى حديدى، بملابس رثة، ولحية كثيفة، وعينين يفتحهما بصعوبة، يعمل «السيد» سائساً للسيارات بالشارع، الرجل الذى لم يبرح مكانه طيلة الأحداث منذ ثورة 25 يناير، وشهد العديد من الأحدث، لا يغيب عن ذاكرته مشهد اشتعال سيارة الشرطة بالقرب من مجلسه يوم الثامن والعشرين من يناير، ويشير بيده إلى إحدى البنايات العتيقة: «الضباط جريوا واستخبوا فى العمارة دية». يومها، كما يتذكر، ساعد الضباط فى تغيير زيهم الميرى حتى يفلتوا من الثوار: «قلعوا لبسهم، ولبسوا جلاليب وخرجوا على إنهم فلاحين قرايبنا من البلد عشان يعرفوا يهربوا». يشير «السيد» إلى محل «منجد»، ويقول: «اتنين من الشباب الحلو وقعوا هنا وماتوا، كانوا غرقانين فى دمهم وماعرفناش نلحقهم»، يواصل قائلاً إن وجود الخرابة فى مقدمة الشارع سهّل على القناصة الموجودين فوق أسطح بنايات شارع محمد محمود ووزارة الداخلية مهمتهم فى إطلاق النيران على الشباب المختبئين فى الشارع: «لحقونى، كانوا واقفين جنبى ووقعوا من الرصاص، الناس هنا جريت عليا وخبّونى فى المحل من جوه.. كان ليّا نصيب أشوفهم وهما ميتين».[SecondImage] يتمنى العجوز سقوطه بدلاً ممن سقطوا من الشباب إلى جانبه، وما زالت ذاكرته تحتفظ بمشهد والد أحدهم وهو يقف بجانب جثمان نجله: «كان بيقرا الفاتحة على الجثة ولا كأنه فى تربة»، أصعب المواقف يتذكرها السيد حين سقط أحدهم بجانب نجله الطبيب فى المستشفى الميدانى عندما رآه سابحاً فى دمه، فلقى مصرعه هو أيضاً بالسكتة القلبية: «هىّ كانت فوضى، رسمها اللى قال قبل ما يمشى يا أنا يا الفوضى.. وربنا يستر على مصر وشباب مصر». إسلام محمود، شاب عشرينى، اعتاد أن يفطر على عربة فول «عم كامل» التى تقع فى نهاية شارع منشأة فاضل، يقول إن تلك العربة كانت إلى وقت قريب تستقبل عساكر الأمن المركزى إلى جوار المتظاهرين ليتناولوا جميعاً صحن الفول: «كانت العربية بتتقسم نصين.. نص يبقى عساكر أمن مركزى، والنص التانى ثوار.. والاشتباكات كانت تبقى شغالة وهما واقفين على عربية الفول». اتفاق غير مكتوب بين الشرطة والمتظاهرين، تتحول بمقتضاه عربة الفول إلى منطقة هدنة: «العسكرى اللى بيروح ياكل ليه الأمان، والمتظاهر اللى بيروح ياكل برضه ليه الأمان.. وكل واحد بعد لما يخلص أكل يرجع لمكانه فى الاشتباكات».[FirstQuote] أما الخرابة فقد كان لها طابع خاص، هى ساتر للمتظاهرين، ومرحاض لعساكر الأمن، وما زالت ذاكرة إسلام تحتفظ بالموقف الطريف الذى جمعه بعسكرى الأمن داخل الخرابة: «دخلنا نستخبى فى الخرابة، وكان فيه عسكرى جوه، حصل تاتش بينا وبينه، اكتشفنا إنه كان داخل الخرابة علشان يعمل حمام ونسى إن فيه اشتباكات شغالة بره أصلاً». رضا المصرى، 30 عاماً، يقف بجانب واجهة محل يعمل به لافتته مهشمة، يقول إن البلطجية كانوا يسيطرون على الشوارع الخلفية لميدان التحرير لضرب الثوار خلال الـ18 يوماً، وتعرضت الكثير من المحلات للتكسير، ويتحرك نحو الخرابة ويقول بصوت خافت: «القناصة كانت واقفة على عمارات محمد محمود وبتضرب الثوار»، ويشير إلى أن الكثير من المتظاهرين سقطوا داخل الشارع أثناء الهروب من طلقات القناصة. رغم ما طاله من «قطع العيش» بسبب الأحداث والمتظاهرين لكن «رضا» يتعاطف مع المتظاهرين، فيقول إنه لم يتعرض لهم، بل حمل عدداً منهم على دراجته البخارية خلال أحداث محمد محمود إلى مستشفى أحمد ماهر، وكثيراً ما ضمّد جراح المتظاهرين: «لازم يبقى فيه حرية، آه قطع عيش، بس الحرية ما حدش يقدر يستغنى عنها.. وما حدش يحس بنار اللى ماتوا غير اللى اتكووا بيها من أهل الشهداء»، ويستطرد: «ما تعدش الناس اللى ماتوا قدام عنينا». يزدحم الشارع بمحلات الأدوات الكهربائية، فهو جزء من منطقة باب اللوق التى تشتهر بأنها سوق لتلك المنتجات، وفى مقدمة الشارع يظهر مقهى «حمادة»، تصطف مقاعده على جانبى الشارع، فيما يقف وسط المتوافدين عليه «محمد عبدالعظيم»، 40 عاماً، صاحب المقهى، بسمرة وجهه وجسده النحيل: «بقالى 30 سنة شغال فى القهوة دية.. كانت قهوة الفنانين والمثقفين من طلاب الجامعة الأمريكية اللى جنبنا هنا». ملف خاص: الثورة.. حكايات الشوارع الخلفية «الجريون»: ممر آمن للأطعمة والبطاطين.. والهروب «أفتر إيت»: استراحة محارب قبل العودة لأرض المعركة