شهادات حية لـ«الوطن» من قلب مدن انقلاب ميانمار: نشعر بالذعر في بلادنا

شهادات حية لـ«الوطن» من قلب مدن انقلاب ميانمار: نشعر بالذعر في بلادنا
بينما كان المواطنون في ميانمار يستعدون لاستقبال يومهم الجديد، استيقظوا على جملة مألوفة على مسامعهم، في البيان المقتضب الذي بُث على إحدى القنوات المملوكة للجيش، «السلطة نقلت إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال مين أونج هليانج»، لتعود الدولة الآسيوية لنقطة كانت تقبع فيها منذ سنوات قليلة.
الجيش يعلن الطوارئ
«الجيش يفرض حالة الطوارئ لمدة عام».. كان هذا الإعلان كفيلا بأن يجعل سكان الدولة الآسيوية يهرعون إلى الأسواق لتخزين المؤن، فيما اصطف آخرون أمام ماكينات الصرف الآلي لسحب نقود، وقامت البنوك لاحقا بتعليق الخدمات بسبب ضعف الاتصال عبر الإنترنت.
«الوطن» في رحلة بحثها عن مواطنين من الدولة التي مر عليها 24 ساعة من إعلان جيشها الانقلاب على السلطة، رفض المعظم الحديث من الأساس، تخوفا من أن تكون حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مراقبة من قبل جهات ذات صلة بقائد الانقلاب، لاسيما عقب اعتقال العديد من المسؤولين وعلى رأسهم رئيس البلاد وين مينت ومستشارته أونج سان سوكي وشخصيات بارزة أخرى من الحزب اعتقلت بمداهمات فجرا، ووضع أعضاء البرلمان تحت الإقامة الجبرية.
الحديث عن الـ24 ساعة الماضية التي مرت بها البلاد، والحصول على شهادات حية من العاصمة نايبيداو والعاصمة السابقة يانجون، كان يحتاج إلى التحلي بجرأة شديدة إضافة إلى الحرص لأبعد الحدود، هذا ما جعل الشخصيات التي وصلنا إليها تشترط على حجب الأسماء، وعدم نشر صور شخصية لهم - حفاظا على سلامتهم - نظرا لأنهم مألوفين في ميانمار، وهذا ما حرصت عليه «الوطن».
شوارع تحولت إلى ثكنة عسكرية
كانت الشابة الثلاثينية التي تعمل مديرة تحرير في إحدى شبكات الإذاعة المحلية بمدينة يانجون، في طريقها صباح يوم الاثنين الذي شهد الانقلاب، إلى مقر عملها، فالعاصمة القديمة لميانمار، والتي تعد أكبر مدن في البلاد إمكانية بأسواقها المميزة والنصب التاريخية والمعابد، لاسيما معبد شويداجون أحد أكثر المواقع قدسية للبوذيين، والذي يعتاد المواطنون زيارته مع بزوغ الشمس، شهد فجرا مختلفا ذلك اليوم فالشوارع تحولت إلى ثكنة عسكرية.
«سيكون موضع تقدير كبير إذا أبلغت القراء عن المواطنين في ميانمار وما يواجهونه بالفعل في الوقت الحالي»، بهذه الجملة بدأت الصحفية الميانمارية، شهادتها لـ«الوطن»، حيث تؤكد إنه في غضون الأربعة وعشرين ساعة الماضية وتحديدا منذ استيلاء الجيش على السلطة في البلاد واعتقال كبار المسؤولين الحكوميين، يمكن للمرء رؤية حشود أقل في الشارع.
المتاجر الصغيرة خاوية من السلع الأساسية
تعرب الصحفية المحلية عن شعورها بالذعر والخوف، تلك الأحاسيس التي أضحت مسيطرة على المواطن في البلد الآسيوي، فالمتاجر الصغيرة ومحال البقالة تكاد تكون خاوية من السلع الأساسية، نظرا لتكدس العائلات على أبوابها فور إذاعة بيان القائد العام للقوات المسلحة.
الشائعات سيطرت على البلاد في الأول من فبراير، وهذه السمة السائدة حتى الآن في ميانمار، «تم إغلاق الأنظمة المصرفية لمدة يوم واحد بسبب انقطاع خدمات وشبكات الهاتف المحمول لمدة 12 ساعة تقريبا، وتم توصيل الإشارات مرة أخرى مساء يوم أمس، وانتشرت شائعات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لاسيما موقع فيس بوك حول تعطل شبكة الانترنت وانقطاع الكهرباء، لكن لا يزال بإمكاننا استخدام الوسائط الاجتماعية واتصالات الإنترنت والكهرباء لا تزال قيد التشغيل في العاصمة القديمة لميانمار ويانجون، ولهذا أفضل عدم الكشف عن هويتي بسبب هذه المعلومات»، بحسب حديث الصحفية المحلية.
البيان الأول كان مجرد البداية لليوم الدراماتيكي في تاريخ البلاد، حيث أعلن الحكام العسكريون في ميانمار، أمس الاثنين، عزل حكومة أونج سان سوكي، وإبعاد 24 وزيرا ونائب وزير، وتعيين 11 وزيرا في إدارتهم الجديدة بعد استيلائهم على السلطة.
قناة «مياوادي» التلفزيونية التي يديرها الجيش في ميانمار، أصبحت مصدر المعلومة الرسمية في البلاد منذ 24 ساعة فقط، حيث تضمن تعيين وزراء للمالية والصحة والإعلام والشؤون الخارجية والدفاع والحدود والداخلية.
يوم غاب فيه النوم
سيدة أخرى من ميانمار، تعمل مسؤولة في إحدى الشبكات الأجنبية بميانمار، اقتنصت منها «الوطن» بعض الوقت حتى تروي تجربتها في يوم «لم تذق فيه النوم حتى الثانية من صباح اليوم التالي»، حسبما وصفت الأول من فبراير 2021.
علمت السيدة المسؤولة بخبر الانقلاب في بلادها، عبر مقطع فيديو وصلها مرتين عبر رسائل حسابها بموقع «فيس بوك» الأولى من زوجها والثانية من صديقها في العمل، «هذا من رئيس الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بولاية شان عن اعتقال نجله في موقع عسكري»، عنوان المقطع كان غريبا حتى شاهدته.
مستقبل مجهول للإعلام بعد الانقلاب في ميانمار
ترى المسؤولة الإعلامية أنه لا داعي للقلق ولم تشعر بالخوف على نفسها في اليوم الفائت، حيث إن هذه المرة الثانية التي يمر عليها انقلاب على السلطة في حياتها، لكنها تحمل بين ضلوعها القليل من القلق على مسيرتها المهنية لأسباب تعود إلى أزمات دفينة بين الانقلاب ووسائل الإعلام، مدللة على قولها «يمكنهم اعتقال الصحفيين في كل مرة».
على أطراف المنطقة التي تعيش فيها صاحبة الشهادة الحية، لم تلحظ هي وزوجها الجيش بالكثافة المعهودة في مناطق أخرى بالمدينة، فكل الأمور بخير، والجميع يحاول أن يتعامل بسلاسة.
تختتم السيدة حديثها لـ«الوطن»: «أنا قلقة بشأن ابنتي الصغيرة (كوز) لاسيما على تعليمها، إنه أمل حياتي، لكن لا يمكننا الاختيار بعد الآن».