الإفتاء: اغتصاب الأراضي عن طريق وضع اليد محرم شرعًا

الإفتاء: اغتصاب الأراضي عن طريق وضع اليد محرم شرعًا
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا جاء فيه: "ما حكم اغتصاب أرض تمتلكها الدولة عن طريق ما يُسمَّى بوضع اليد؟ وماذا يفعل من حاز أرضًا بهذه الطريقة؟".
وأجابت الدار أن المقصود بالأرض المملوكة للدولة: الأراضي التي لها طبيعة الملكية العامة للدولة، والتي خصصتها لمرافق عمومية أو هيئات إدارية؛ وذلك عن طريق إحدى الجهات الحكومية التابعة لها.
وأضافت، معنى وضع اليد عليها: مجرد حيازتها وإشغالها، سواء استُغِلَّت بالفعل ببناءٍ عليها مَثَلًا، أو استصلاحها أو زراعتها، أو لم تُسْتَغَلَّ، وذلك كله على وجهٍ يَترتَّب عليه تَعطُّل انتفاع الدولة بها.ومن المقرَّر شرعًا أنَّ الاعتداء على حقوق الغير مطلقًا، بأي وجه مِن وجوه الاعتداء محرم شرعًا؛ وذلك لأن فيه ظلمًا بيِّنًا وعدوانًا على حقوق الناس وأكلًا لها بالباطل، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ [النساء: 29]، ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» رواه الشيخان عن أبي بَكرةَ رضي الله عنه.
وتابعت، من أنواع الاعتداء على حقوق الغير: الغصب؛ وهو أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا بغير حق، وهو محرم، ومن جملة الغصب المحرَّم: الاستيلاء على أرض الغير بدون وجه حق؛ فهو من الظلم الذي يجب التَّحَلُّل والتَّخَلُّص منه؛ فقد توعَّد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يغتصب ولو شبرًا من أرض ليس له حق فيها بالعقاب الشديد؛ فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنَّ أَرْوَى بنت أُويس خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإياها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» رواه الشيخان.
وأوضحت، الاستيلاء على الأرض وحيازتها عن طريق ما يُسمَّى بوضع اليد دون إذنٍ أو تصريحٍ أو ترخيصٍ؛ يُعدُّ اغتصابًا لها بغير حق، وهذا محرم، سواء كانت الأرض يمتلكها شخص بعينه، أو تمتلكها الدولة؛ ولا يُعدُّ ذلك من قبيل الإحياء الذي رغب فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الأرض المستولى عليها بهذه الصفة المتقدمة، إن كانت غير قابلة للإحياء، وذلك كما إذا كانت مملوكة لأحدٍ، أو حقًّا خاصًّا له، أو كانت داخل البلد- فقد أجمع الفقهاء على أنها لا تكون مواتًا أصلًا؛ فلا يجوز إحياؤها.
أَمَّا إذا كانت هذه الأرض المستولى عليها قابلة للإحياء؛ فلا يجوز أيضًا حيازتها بالصفة المتقدمة؛ وذلك لأن من شروط الأرض القابلة للإحياء: أن يكون الإحياء بإذن الإمام.
وعليه: فإن الاستيلاء على الأرض عن طريق وضع اليد عليها -دون إذنٍ أو تصريحٍ أو ترخيصٍ- محرم شرعًا، وتزداد الحرمة والإثم إذا كانت تمتلكها الدولة؛ لأن الاعتداءَ على المال العام أفْحشُ وأسْوأُ من الاعتداء على المال الخاص، فالاعتداء الحاصل فيه هو اعتداءٌ على مجموع الأفراد، ولا يتوقَّف أثرُه السلبي على فرد بعينه، بل يعود على المجتمع ككل، وكل من غصب شيئًا لزمه ردُّه إن كان باقيًا، وإن تلف لزمه رد بدله؛ لأنه إن تعذَّر رد العين، وجب رد ما يقوم مقامها.