دينا أبوالمجد تكتب: قانون 70 وسنينه

كتب: دينا أبوالمجد

دينا أبوالمجد تكتب: قانون 70 وسنينه

دينا أبوالمجد تكتب: قانون 70 وسنينه

لم يخطر ببال «أمين أباظة» وزير الزراعة الأسبق عند إقدامه على إعداد قانون لتنظيم عملية تداول الدواجن الحية، أنه لم يكن يعد قانوناً بل كان يعد فى حقيقة الأمر قنبلة موقوتة يخشى أى مسئول أياً كان منصبه عند إقدامه على الاقتراب من هذا القانون لمحاولة تطبيقه على أرض الواقع أن تنفجر فى وجهه ليجد نفسه بين عيشة وضحاها فى مواجهة سيل من الانتقادات تصل لحد التطاول والتخوين بتسببه فى إحداث اضطرابات وبلبلة فى المجتمع كنا فى غنى عنها فى الوقت الحالى، نظراً لما تتعرض له البلد من تحديات داخلية وخارجية تحتاج لاصطفاف المجتمع، هذا بالإضافة لحملات التشويه الممنهجة والمدفوعة من أصحاب المصالح والمستفيدين من عدم تطبيق هذا القانون وبقاء الوضع كما هو عليه، التى قد تؤدى للإطاحة به من منصبه، الأسوأ من هذا أنه أصبح كالعصا أو فزاعة بيد وزارة الزراعة لتخويف المربين من آن لآخر؛ دون اتخاذ أى خطوات جادة لتهيئة السوق لتطبيقه والإعداد له بشكل تدريجى ومحاولة إزالة كل العقبات التى تقف أمامه.

ومنذ إصدار قانون 70 وهو حبيس الأدراج بالوزارة وتعاقب عليه الكثير من الوزراء إلى أن تم إخراجه مرة أخرى فى الوزارة السابقة، ومنذ ذلك الحين ومرور أكثر من عامين لم يتخذ أى إجراء تمهيدى يساعد فى تطبيق هذا القرار بشكل صحيح، ولم يتم تهيئة السوق له، فأصبح مثل قرارات أخرى تصدر دون دراسة أو حتى متابعة لها على أرض الواقع.

ولكى نكون موضوعيين فى طرح مشكلة تطبيق قانون 70، بداية يجب أن ننأى بأنفسنا عن حالة الشد والجذب والمعارك الضارية التى تدور حول تطبيق هذا القانون من عدمه بين المؤيدين والمعارضين له.

الإجابة عن سؤالين فى غاية الأهمية:

السؤال الأول: هل ثمة ضرورة لتطبيق قانون 70؟

السؤال الثانى: هل الظروف على أرض الواقع مواتية لتطبيقه وعوامل نجاحه متوفرة؟

الإجابة عن السؤال الأول: نعم، ثمة ضرورة ملحة لتطبيق هذا القانون، فصناعة الدواجن تعد من أهم الصناعات الداعمة للاقتصاد الوطنى والعمود الفقرى الذى يرتكز عليها هذا الاقتصاد بل وأهم دعائم الأمن القومى الغذائى المصرى لكون صناعة الدواجن المصدر الرئيسى للبروتين منخفض التكلفة التى يعتمد عليها بشكل أساسى المواطن البسيط محدود الدخل مقارنة بمصادر البروتين الأخرى «كاللحوم الحمراء» مرتفعة التكلفة.

ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة فقد بلغ حجم استثمارات صناعة الدواجن أكثر من 90 مليار جنيه ويعمل بها 3 ملايين عامل ويوجد فى مصر أكثر من 110 آلاف مزرعة تنتج أكثر من 5 ملايين طائر يومياً بما يعادل 1٫8 مليارات طائر سنوياً.

بداية دعونا نوضح السبب وراء إصدار هذا القانون من البداية؛ حيث ظهور مرض إنفلونزا الطيور فى 2006 أدى لتلقى صناعة الدواجن ضربة موجعة كادت أن تقضى عليها وتسببت فى خسائر فادحة لحقت بالصناعة والمستثمرين بها، وتعرضت حياة العاملين المخالطين للدواجن للخطر.

فكان لزاماً على الدولة آنذاك أن تتدخل وتتخذ ما يلزم من تدابير وبشكل عاجل للحد من انتشار مرض إنفلونزا الطيور حفاظاً على الصناعة من الانهيار وللحد من الخسائر الكبيرة التى يتعرض لها المستثمرون وحماية حياة الملايين من العمالة المشتغلين بالقطاع التى تهدد حياتهم جراء تفشى هذا المرض بالطيور المخالطين لها، وقد اتخذت حينها قرارات مهمة كانت من شأنها محاصرة مرض «إنفلونزا الطيور» والسيطرة عليه مثل «نقل مزارع الدواجن خارج الكتل السكنية، وإغلاق محال بيع الدواجن الحية».

وقامت بإصدار قانون 70 لسنة 2009 ولائحته التنفيذية الذى ينص على «منع تداول وبيع الطيور والدواجن الحية فى 4 محافظات فقط وهى القاهرة والجيزة والإسكندرية وأكتوبر، إلا بتصريح من الخدمات البيطرية يثبت خلو الدواجن من إنفلونزا الطيور والفيروسات والأمراض واستيفاء المزارع للاشتراطات الصحية اللازمة، وأعطى القانون مدة محددة كفترة انتقالية لمحال الدواجن والمزارع لتقنين أوضاعها وبناء ما يلزم من مجازر مستوفاة للاشتراطات الصحية والتراخيص، ولاقى القانون آنذاك تأييد جميع مؤسسات الدولة وظل العمل به حتى قامت ثورة 25 يناير وتوقف العمل بالقانون وأصبحت الفوضى والعشوائية فى تربية الطيور والدواجن هى المتحكمة فى المشهد العام لصناعة الدواجن.

ووصلت الفوضى إلى حد انتشار المزارع غير المرخصة فى الأحيزة العمرانية وداخل الكتل السكانية ودون مراعاة الحد الأدنى لاشتراطات الأمان والسلامة لغياب الرقابة وهو ما أدى لظهور مرض إنفلونزا الطيور مرة أخرى وتهديد الصناعة والعاملين بها.

أما بالنسبة للإجابة عن السؤال الثانى: هل الظروف مواتية لتطبيقه أم لا؟ دعونا نتفق أن هناك جهات مختلفة مستفيدة من عدم تطبيقه وجهات أخرى مستفيدة من تطبيقه؛ بداية «من أهم المستفيدين من عدم تطبيقه هم «السماسرة» نظراً للأموال الطائلة التى يجنونها لكونهم حلقة الوصل الوحيدة بين المنتج والمربى من ناحية، والتاجر والمستهلك من ناحية أخرى، وهو ما يجعلهم المتحكم الوحيد فى تحديد أسعار تداول الطيور والدواجن الحية وهو ما أوصلنا لما نحن فيه الآن من خسائر كبيرة للمنتجين والمربين نتيجة زيادة أسعار مدخلات الإنتاج للأعلاف واللقاحات والأدوية والعمالة والبيع بأسعار لا تغطى تكلفة الإنتاج، وفى ذات الوقت تصل للتاجر والمستهلك بأسعار كبيرة ومبالغ فيها، وبالتالى يكون السماسرة هم إحدى الحلقات وليسوا الوحيدين فى هذه الصناعة الرابح والمستفيد، والجزء الآخر وهم المستفيدون ومن يسعون بإلحاح والضغط على الدولة لتنفيذه وهى الشركات الكبرى التى تواجه مشكلة فى عدم تشغيل مجازرها، وبالرغم من أنها تمثل من 15 إلى 20٪ فقط من الصناعة.. بينما يمثل صغار المربين 80٪ منها.. ولكن لا حياة لمن تنادى ولم يهتم أحد بمعاناتهم.

والجدير بالذكر أن المؤيدين لتطبيق قانون 70 والمعارضين له يتفقون على عدم توافر العوامل اللازمة والعناصر الأساسية لإنجاح تطبيقه، وبالتالى لن يحقق الغرض من صدوره. ولتطبيق هذا القانون على أرض الواقع لا بد من فهمه، لذا لا بد من توافر الآتى:

1- نقل جميع المزارع خارج المنطقة السكنية «للظهير الصحراوى» وهذا لم يتوافر تطبيقه لصغار المربين لتكلفته العالية جداً ويحتاج لدعم لوجيستى وفنى غير متوفر لديهم وقد حاولت الدولة تقديمه من قبل لكنه كان غير كافٍ لإنجاح تلك الفكرة.

2- لا بد من حصول المزارع والمربين على تصريح من الخدمات البيطرية يثبت خلو الطيور والدواجن من الأمراض واتخاذ كل اشتراطات السلامة وصحة العاملين بها.

3- إنشاء مجازر مجهزة فى كل المحافظات التى توجد بها مزارع الدواجن وهذا غير متوفر فى الوقت الحالى وغير ممكن توافره فى المستقبل القريب نظراً للتكلفة المالية العالية ولعدم توافر أرض لإنشاء مجازر فى بعض المحافظات.

4- إيجاد طريقة آمنة للتخلص من الدواجن النافقة والسبلة، وتوفير أسطول نقل للطيور من المزرعة إلى المجزر بأسلوب صحى.

5- توفير كمائن شرطية بالمحافظات يوجد بها بيطريون تابعون لمديريات الطب البيطرى للتأكد من سلامة السيارات التى تنقل الطيور والدواجن وخلوها من الأمراض والفيروسات بتوقيع الفحص العملى عليها ولحين توافر شروط تطبيقه.

6- توفيق أوضاع محال الدواجن وتوفير التمويل اللازم لها، وعمل حملات توعية للمستهلك بأهمية المجمد، بالإضافة لمراعاة البعد الاجتماعى للتربية المنزلية التى تصل إلى 300 مليون فرخة سنوياً.

كذلك لا بد من وجود خريطة وبائية للدواجن تعمل على وضع سياسات واضحة لاحتواء أى من الأمراض والحد من انتشارها، بالإضافة إلى وجود خريطة لحصر عدد المزارع لمعرفة حجم الإنتاج والتربية.

وفى النهاية يظل قانون ٧٠ حبيس الأدراج مرة أخرى فى انتظار تطبيقه أو إطلاق رصاص الرحمة عليه وإلغائه.


مواضيع متعلقة