عادل درويش يتسائل: هل تفكر حكومة "جونسون" في ذبح BBC؟

عادل درويش يتسائل: هل تفكر حكومة "جونسون" في ذبح BBC؟
قال عادل درويش المحلل السياسي، ومؤرخ متخصص في السياسة الشرق أوسطية، إن هناك جدل دائر في بريطانيا التي تعتبر من أعرق الديمقراطيات وأم البرلمانات، حول علاقة الحكومة بالسلطة الرابعة وعلاقة الأخيرة بالمواطن.
وأضاف أن الصحافة المرئية والمسموعة تتهم حكومة المحافظين، التي تمكنها أغلبيتها البرلمانية من تعديل القوانين، بالثأر منها؛ فالشبكات كانت مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وحاولت توجيه الرأي العام أثناء الحملة الانتخابية للانتهاء إلى برلمان معلق، في مقابل حكومة ضعيفة.
وأكمل درويش خلال مقاله في جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية، أن ليلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم تبث "بي بي سي"، التلفزيون القومي الممول مباشرة من الشعب، كلمة رئيس الوزراء بوريس جونسون للأمة في المناسبة التاريخية، واكتفت بجزء مقتضب منها ضمن فقرة إخبارية، ونفس الوضع بالنسبة للشبكات الأخرى، حيث تبعت موقف "بي بي سي"، قيام تلفزيون "روسيا اليوم" الممول من الكرملين، بث الكلمة مباشرة.
وتابع درويش، أن ميادين لندن والمدن الكبرى شهدت احتفالات شعبية بالاستقلال عن بروكسل، ألقيت فيها كلمات عامة، ورغم ذلك كانت شبكات التلفزيون، في وادٍ آخر غير وديان وشوارع الشعب.
وكشف، أن العلاقة بين الشعب، والسلطة الرابعة، ومنصات البث الصحافي في بلدان قراء صحيفة "الشرق الأوسط"، أصبحت محل تساؤلات خصوصاً فيما يتعلق بالإصلاحات الديمقراطية، من بالفعل يملك توجيه هذه المنصات ووسائل التواصل، خاصة أن الجدل بلغ أوجه واحتدم أثناء وصبيحة الانتفاضات التي بدأت في 2011، تطور الجدل بعدها حول تأثير هذه الوسائل على الرأي العام، وهل أصبحت أدوات تنوير أم وسائل قضت على التأثير الإيجابي التقدمي لجيل الحداثة التي بدأت قبل 200 عام في مصر وأثرت على المنطقة.
وتابع المحلل السياسي، "أهي مسؤولية الإذاعة والتلفزيون الرسمي، المملوك للدولة أو الممول منها في هذه البلدان ولسان حالها المعبر عن سياستها العامة؟أم الصحافة المطبوعة ومعظمها خاصة تجارية، تعتمد على التوزيع وتأثيره ارتفاعاً أو نقصاً على الدخل من البيع والإعلان؟ أم هي مسؤولية نوع ثالث من الصحافة ظهر في ربع القرن الأخير في البلدان العربية، وهو شبكات التلفزيون والإذاعة الخاصة التجارية المستقلة عن الدولة، وهي متهمة بالتأثير الرجعي السلبي الذي قضى على التنوير والحداثة؟ حتى سنوات قليلة مضت، أمكن قياس اتجاهات الرأي العام، بل وتغييرها، بقياس أعداد المشاهدين وأرقام توزيع الصحف، مع الأخذ في الحسبان أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت الحسابات، فهي منصات مستقلة تماماً يختار فيها المستهلك ما يريده من برامج وفقرات أنتجتها الشبكات الرسمية والخاصة، بل وتمكن الأفراد من إنتاج فقراتهم الإخبارية كما تصبح ساحة برلمانية فضائية للجدل السياسي".
وأكد، أن معظم استطلاعات الرأي من انتخابات الرئاسة الأمريكية قبل 4 أعوام حتى الانتخابات البريطانية الأخيرة مروراً باستفتاء "بريكست" كانت خاطئة لغياب أدوات فاعلة لقياس اتجاهات ملايين الناخبين على وسائل التواصل الاجتماعي، مشير إلى أن بريطانيا لا يوجد فيها تلفزيون أو إذاعة رسمية أو حتى وكالة أنباء رسمية تمثل وجهة نظر الحكومة، كما أن شبكة الـ"بي بي سي" التي تعدّ واجهة بريطانيا للعالم عبر الإذاعات والخدمات باللغات المختلفة، فتمويلها المباشر من الشعب منحها استقلالية لا مثيل لها، حيث ان رخصة التلفزيون رسوم مفروضة على كل بيت 154.5 جنيه إسترليني في العام تزيد 3 جنيهات إلى 157.5 جنيه من أول أبريل (نيسان)، السنة المالية في بريطانيا.
وتابع: "كما أن المزاج الثقافي الاجتماعي اليساري الليبرالي الذي يسيطر على التفكير الجمعي المشترك لهيئة تحرير "بي بي سي" وصناع برامجه الإخبارية والترفيهية والدرامية، ينحصر في أقلية الطبقة الوسطى في لندن، ولا يعبر عن موقف الغالبية الساحقة للبريطانيين المجبرين على دفع رسوم رخصة التلفزيون، هذه المواقف جعلت البريطانيين أقل تعاطفاً مع "بي بي سي" عما كان عليه الوضع قبل 5 أعوام".
وأشار درويش، إلى أن حكومة جونسون المحافظة بدأت استشارة واسعة على مستويات مختلفة لتعديل قانون رسوم التلفزيون لإنهاء العقوبة الجنائية عند عدم دفعها، لتصبح خصومة تجارية كحال فواتير الكهرباء والغاز، فعدم دفع فاتورة الكهرباء هو إخلال بالتعاقد بين المستهلك والشركة المعنية، وتلجأ الأخيرة للقضاء لتحصيله.
واستطرد: "تغيير لائحة رسوم رخصة "بي بي سي" لن يكون كمثال شركات الكهرباء فحسب، بل يجعل دفع الرسوم مسألة اختيارية، نظراً للتكاليف التي ستتكبدها الهيئة في حال اللجوء للمحكمة عند امتناع الآلاف وربما الملايين عن دفع الرخصة، وربما يكون دافع حكومة جونسون سياسياً حسبما تتهمه الشبكات مثل معاقبتها على موقفها - أو لتجاوز احتكار الشبكات غير المتعاطفة للأخبار، لكن الحقيقة الواقعية وراء جرأة جونسون في ذبح "بي بي سي"، من خلال تغير الموازين الاقتصادية والتكنولوجيا التي وفرت حرية الاختيار للمواطنين، خاصة ان الأغلبية الساحقة من الشعب فقيرة تفضل الأقساط الشهرية، مثل "نت - فليكس" الذي يبلغ اشتراكها الشهري سبعة جنيهات وشبكة "ايكرون" 2.5 جنيه، أي سنوياً 60 % و19 % من رسوم "بي بي سي" التي تحصل دفعة واحدة".
وأردف: "كما أن هناك أكثر من 12 شبكة خاصة تتهمها "بي بي سي" بغياب برامجها الإخبارية كمبرر لاستمرار الرسوم الإجبارية، هذا بالإضافة إلى أن التكنولوجيا الحديثة تتمكن من استقبال شبكات منافسة كـ"سكاي" و"سي إن إن"، وكحال "روسيا اليوم" مع خطاب جونسون، والمواطن، أصبح السلطة الخامسة بقدرته في الحصول على الأخبار مباشرة من "ياهو" و"جوجل"".