"التكنولوجيا المالية".. فرص وتحديات القطاع البنكي في الألفية الثالثة

"التكنولوجيا المالية".. فرص وتحديات القطاع البنكي في الألفية الثالثة
- الخدمات المالية
- التكنولوجيا المالية
- البنوك
- الذكاء الاصطناعي
- الروبوت
- الخدمات المالية
- التكنولوجيا المالية
- البنوك
- الذكاء الاصطناعي
- الروبوت
تدفعنا التطورات التكنولوجية الكبيرة التى يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة إلى ضرورة إعادة النظر فى الطبيعة الجوهرية للخدمات المالية، حيث أنتجت هذه التطورات شكلاً جديداً للقطاع المالى والمصرفى حول العالم، ساهم بدوره فى تمكين العملاء من الحصول على خدمات أكثر تطوراً بطريقة أسهل وأسرع، ومن ناحية أخرى ساهم فى تخفيض التكاليف التشغيلية للمؤسسات المالية وتعزيز جودة منتجاتها، وكذلك تمكين الجهات الرقابية من إحكام السيطرة على التعاملات المالية بين الأفراد أو المؤسسات وعدم استخدامها فى أساليب غير مشروعة.
ظهور الشركات العالمية كمقدمى خدمات مالية بتكنولوجيا فائقة يفرض على البنوك إعادة النظر فى البنية التحتية وخريطة المنافسين المحتملين
ومع تنامى تأثير التكنولوجيا المالية على السوق المالية عالمياً، والاستجابة الكبيرة التى شهدتها هذه الخدمات من قبل الجمهور، أصبحت المؤسسات المالية الحالية أو التقليدية مجبرة على المسارعة إلى اعتماد جوانب التغيير التى تتيحها التكنولوجيا المالية وإنشاء شراكات، ساعيةً إلى رفع كفاءتها التشغيلية وزيادة قدرتها على الاستجابة المتفاعلة لطلب المستهلكين وتزويدهم بخدمات مالية أكثر ابتكاراً.
وقد تكون ثورة البيانات أو المعلومات العالمية الجارية فرصة جوهرية لهذه المؤسسات المالية لسرعة التحول ومسايرة التطورات التكنولوجية السريعة، وذلك من خلال عمل دراسات تحليلية للبيانات بهدف دعم نماذج أعمال التكنولوجيا المالية من حيث خفض تكاليف اجتذاب العملاء الجدد وتقديم الخدمات للعملاء الحاليين.
الاستثمارات فى التكنولوجيا المالية
وقد ترسم لنا المؤشرات طبيعة تأثير وانتشار التكنولوجيا فى القطاع المالى عالمياً، والتى توضح نمو حجم الاستثمارات العالمية فى التكنولوجيا المالية بنحو 144.24% منذ 2015 وحتى 2018، حيث وصل حجم الاستثمارات العالمية فى هذا المجال إلى 40.3 مليار دولار خلال 2018 بواقع 1829 صفقة، مقارنة بـ16.5 مليار دولار فى 2015 بواقع 1191 صفقة، وفقاً لتقرير صادر عن «سى بى إنسايتس» الأمريكية، وشهد الربع الأول من العام الماضى فقط نحو 445 صفقة بحجم استثمارت 6.3 مليار دولار.
ورصدت منصة «ماجنيت» حجم الاستثمار فى قطاع التكنولوجيا المالية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، موضحة أن هذا القطاع شهد حجم استثمارات فى الشركات الناشئة بالمنطقة منذ عام 2015 حتى الآن، وصلت إلى 237 مليون دولار، شملت 181 صفقة.
وقد أسفرت هذه الاستثمارات الضخمة فى التكنولوجيا المالية عن ظهور العديد من المستجدات والابتكارات، التى تعتبر بمثابة إنذار لكل من تخلف عن السعى لمسايرة هذه التطورات وتجاهلها، وتهديد واضح وصريح باندثاره إذا لم يبدأ بعد فى مسايرة التطورات العالمية التى أشعلت المنافسة مع دخول شركات مثل «فيس بوك وأمازون وجوجل» فى سباق تقديم الخدمات المالية إلكترونياً.
دراسة على 18 دولة: 33% من عملاء البنوك مستعدون لنقل معاملاتهم المالية إلى "فيس بوك وأمازون وجوجل"
لذا سارعت البنوك العالمية إلى إيجاد بيئة مواتية لتطوير التكنولوجيا المالية وعملت بعناية على ترتيب عملية تحولها بالدخول فى الكثير من الشراكات والاستثمارات والمبادلات لأغراض تحسين وإعادة هيكلة خدماتها المالية، وهو ما يجب أن تفعله المؤسسات المالية المحلية لتدارك هذه التطورات وعدم خروجها من سباق المنافسة، خاصة مع توجه جيل الألفية الجديد للخدمات التكنولوجية بشكل قوى، والذى ظهر بشكل واضح مع نمو حجم التجارة الإلكترونية بـ4 أضعاف خلال الثلاث السنوات الأخيرة، ووفقاً لدراسة عرضها اتحاد المصارف العربية، والتى أجريت على 18 دولة خلال 2018، أظهرت أن هناك عميلاً من كل ثلاثة عملاء للبنوك مستعد لتغيير حساباته وتعاملاته إلى شركات مثل «جوجل وفيس بوك وأمازون»، بما يعنى أن البنوك حول العالم تواجه خطراً كبيراً فى الاحتفاظ بـ33% فى عملائها الحاليين.
وبالتالى فهناك تحدٍ واضح أمام البنوك فى مسألة الاحتفاظ بالعملاء الحاليين أو استقدام عملاء جدد، فى ظل دخول هذه الشركات العالمية العملاقة مجال الخدمات المالية المعتمدة على التكنولوجيا الفائقة.
حيث تخصص هذه الشركات عشرات المليارات من الدولارات لإنفاقها على التطوير معتمدة فى ذلك على ملاءة مالية قوية تمكنها من ذلك، وقدرة على الصرف لسنوات من أجل انتظار العائد، وذلك على خلاف طبيعة المؤسسات المالية المصرفية التى تقيم جمعياتها العمومية العوائد السنوية بشكل شبه مطلق، ولا تعتمد كثيراً على تقييم فرص هذه المؤسسات فى تحقيق العوائد المستقبلية وما يتم صرفه فى هذا الإطار.
وهنا ينبغى تعزيز البنية التكنولوجية لمقدمى الخدمات المالية بصفة عامة وبالتحديد فى مصر ومسايرة هذا التطور العالمى السريع الذى يأتى إلينا بمنافسين غير محتملين، فأصبحت اليوم شركات النقل التشاركى تتيح للمستخدم الاحتفاظ بمحفظة مالية واستخدامها فى شحن رصيد الهاتف أو سداد فاتورة الطعام والتنقل وغيرها من الأغراض التى كان يعتمد المستخدم نسبياً على كارت الائتمان أو بطاقة الخصم فى سدادها سابقاً.
كذلك الأمر بالنسبة لشركات البيع بالتقسيط المعتمدة على التكنولوجيا وتطبيقات الهاتف المحمول، التى تتيح للمواطن سهولة كبيرة فى اقتناء المنتجات بعروض قوية وبإعفائه من الفوائد لفترات معينة وامتداد فترة السداد لسنوات بفوائد مقبولة من المستهلك، الأمر الذى يضع تحدياً جديداً على التمويل الشخصى الذى تقدمه البنوك لعملائها والذى يستخدمه العميل فى اقتناء المنتجات المعمرة التى أصبحت متاحة الآن من خلال شركات التقسيط الإلكترونى المنتشرة فى مصر.
وقد يطرح البعض أن شركات التقسيط تعتمد على البنوك فى تمويل استثماراتها فى الأساس، وبالتالى فتعد البنوك هى مصدر تمويل شراء المنتجات للأشخاص ولكن بشكل غير مباشر، وهنا أتساءل: ماذا لو اعتمدت شركات التقسيط على مساهمات المالكين، وجمعت رؤوس أموال ضخمة جراء الطرح فى البورصة مثلاً ووظفت هذه الأموال فى تمويل شراء المنتجات؟!
أعتقد أن الإجابة تشير إلى أن التحدى ما زال قائماً وبقوة.
«الروبوت» وسياسات التوظيف
ومع التطورات المتسارعة فى مجال التكنولوجيا المالية، أصبحت بيئة القطاع المالى أكثر خصوبة لوجود الروبوت وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى بقوة فى تقديم الخدمات المالية، حيث أعلن بيت التمويل الكويتى «بيتك» العام الماضى عن إطلاق أول روبوت يعمل بتقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعى، بإنشاء المعاملات المتعلقة بعمليات التمويل «الاستهلاكى والمقسط»، بما يحقق أعلى مستويات الأداء ويوفر على العملاء الوقت والجهد، حيث يختصر استخدام الروبوت وقت إجراء المعاملة من 60 دقيقة إلى 10 دقائق فقط، كما يمكنه تحديد الموقف الائتمانى للعميل وفق الضوابط والتعليمات خلال 4 دقائق فقط، بما فى ذلك تحديد السقف الائتمانى المسموح للعميل، والتعامل مع الأنظمة المساعدة من الخارج.
دراسة لـ"غارتنر": الذكاء الاصطناعى سيقضى على 1.8 مليون وظيفة بالقطاع
وأوضحت «غارتنر» فى تقرير صادر عنها، أن الذكاء الاصطناعى سيقضى على 1.8 مليون وظيفة فى القطاع المالى بحلول 2022.
"الروبوت" منافس محتمل للمصرفيين وانتشاره يفرض إعادة تقييم سياسات التوظيف
وبالتالى فالقطاع المالى أصبح أمام تحديين رئيسيين؛ الأول يتعلق بضرورة استقدام الروبوت لتطوير مستوى الخدمات المالية المقدمة فى إطار بيئة تنافسية قوية للغاية وما يتعلق بذلك من استثمارات ضخمة على القطاع أن ينفقها فى تغيير البنية التكنولوجية، والثانى يتعلق بسياسات التوظيف الحالية فى القطاع وهل من المفترض أن تتغير لتراعى هذا البعد حتى لا تتورط البنوك فى تعيين أعداد كبيرة من الخريجين دون استيعابهم فى احتياجات التوظيف الحقيقية فى المستقبل.
تحديات الأنظمة الرقابية
كما تحتاج التكنولوجيا المالية، كونها الرابط الذى يجمع بين التقنية المتطورة والخدمات المالية، إلى إجراء تغيير فى طريقة عمل الهيئات الرقابية، وهذا يعتبر مطلباً مهماً لاعتماد أساليب وأدوات مبتكرة، بحيث يتسنى التعرف بكفاءة على المخاطر التى تنطوى عليها خدمات التكنولوجيا المالية الناشئة وكيفية التخفيف منها بفاعلية، وتعتبر البيئات التجريبية التنظيمية وبرامج المسرعات بعض الأدوات المهمة التى اعتمدتها عدة أسواق حول العالم لتحقيق التعاون الناجح بين شركات التكنولوجيا المالية والهيئات الرقابية التى تعمل فى القطاع المالى، وأثق أن المؤسسات الرقابية فى مصر لديها تصور لكل هذه التحديات بل وتعمل عليها فى ضوء النتائج المحققة على أرض الواقع التى تثبت للجميع وبما لا يدع مجالاً للشك أنه لا شىء يُترك للصدفة!