"القطاع المصرفي".. قوة في ظهر الدولة!

"القطاع المصرفي".. قوة في ظهر الدولة!
- القطاع المصرفي
- الاقتصاد المصري
- القطاع الزراعي
- الإصلاح الاقتصادي
- القطاع المصرفي
- الاقتصاد المصري
- القطاع الزراعي
- الإصلاح الاقتصادي
أثبت البحث المتعمق فى تاريخ الاقتصاد المصرى ومراحل الإصلاح التى قامت بها الدولة خلال العقود الماضية، أن القطاع المصرفى وسياساته النقدية دائماً ما كانت كلمة السر فى هذه الإصلاحات، بل إنه الحصان الأسود الذى تعول عليه الدولة فى بدء إشارة برامج الإصلاح، حيث بدأ ما يُسمى الجيل الأول من الإصلاح، الذى استمر خلال الفترة 1991 - 1998 بتحرير سوق الصرف الأجنبى، ودمجت الحكومة السوقين الأولى والثانوية للعملة فى سوق واحدة، وهو ما أدى إلى استقرار سعر العملة.
أما عن الجيل الثانى من الإصلاحات، الذى امتد خلال الفترة 1998 - 2004، والذى ركّز على التجارة وإصلاح المؤسسات، فإنه لم يخلُ من الاستعانة بالسياسات النقدية، التى كان أبرزها تحرير سعر الصرف بشكل جزئى.
ومع انتشار حالة الركود فى الأسواق وحدوث التخبطات المالية نتيجة انتشار شركات تشغيل الأموال، أطلقت الحكومة خطة إصلاح شاملة ومتكاملة للقطاع المالى فى سبتمبر 2004، التى اعتمدت بشكل أكبر من ذى قبل على الإصلاحات النقدية، فلم يقتصر الإصلاح هذه المرة، على سوق الصرف والتحكم فى أسعار الفائدة فقط، لكنها امتدت لتحدث تطويراً شاملاً للقطاع المصرفى، الذى كان يمثل العمود الفقرى للاقتصاد القومى، حيث قام البنك المركزى بقيادة فاروق العقدة فى ذلك الوقت بإصلاحات هيكلية شاملة فى القطاع المصرفى من خلال مرحلتى الإصلاح، اللتين قام بهما، وذلك خلال الفترة 2004 - 2008 فى المرحلة الأولى، و2008 - 2011 فى المرحلة الثانية.
كما أنشأت الحكومة سوقاً مصرفية بينية عام 2004، وذلك لتتمكن من زيادة انفتاح الاقتصاد المصرى على العالم وزيادة حجم تجارتها، حيث أصبح بإمكان المصارف التداول بحرية بالعملة الخارجية مع رفع متطلبات التسليم على إجراءات التصدير، ونجحت هذه الخطوات بشكل كبير فى تحسين وضع مصر المالى.
التاريخ يتحدث.. الدولة تبدأ برامج إصلاح الاقتصاد من القطاع المصرفى والجيل الرابع من الإصلاحات "الأكثر تكاملاً" والأفضل فى النتائج
ومع فاعلية نتائجه فى البرامج الإصلاحية التى تمت خلال العقد الأخير من القرن الـ20، والعقد الأول من الألفية الجديدة، استعانت به الحكومة فى إصلاحات العقد الثانى من القرن الـ21، لكن هذه المرة بعمق أكبر. وحتى يتسنى لنا توثيق الدور الكبير الذى لعبه هذا القطاع فى الإصلاحات الجذرية التى تبنّتها الدولة خلال السنوات الخمس الماضية، اعتزمت مع فريق عمل «الوطن الاقتصادى» أن نخصّص هذا العدد لتوثيق الدور المحورى، الذى يلعبه القطاع المصرفى فى دعم الاقتصاد المصرى، الذى لطالما شبهته بأنه «قوة فى ظهر الدولة».
وقرّرنا أن يضم هذا العدد التوثيقى شرحاً وافياً لكل مراحل الإصلاح التى شهدها القطاع المصرفى، وقاد بها مؤشرات النمو والتعافى فى الاقتصاد بشكل عام، مع استعراض أبطال قصص النجاح فى العقود المختلفة، ودورهم فى تعزيز أداء القطاع ودعم الاقتصاد الوطنى، انتهاءً باستعراض وتحليل تغير موازين القوى فى القطاع على مدار الـ15 عاماً الماضية، وتحول المصارف المصرية من مجرد بنوك تسعى للعب دور فى تمويل المشروعات وتوظيف المدخرات إلى مؤسسات مالية عملاقة تصدّرت التصنيفات الإقليمية، وأصبحت بمثابة لاعب رئيسى فى النظام المالى العربى بشكل عام، بعد أن نجحت فى تعزيز تنافسيتها، بالاستناد إلى أدوات متطورة كانت التكنولوجيا وتطوير المعايير الحاكمة والتوسّع الأفقى والرأسى لاعباً رئيسياً فيها.
ولعل ما يحدث حالياً وما تشهده أرض الواقع من إنجازات اقتصادية قادت لتحقيقها القيادة السياسية فى الدولة، وكان القطاع المصرفى لاعباً رئيسياً فيها، يدعونا إلى استعراض مقتطفات من الجيل الرابع من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التى أطلقتها الدولة فى 2016 وبدأت شرارتها بتحرير سعر الصرف فى نوفمبر من العام ذاته.
هذه الحقبة الإصلاحية تمت فيها دراسة التاريخ جيداً للتعرّف على مواطن الضعف، التى أجهضت الخطط الإصلاحية السابقة، التى لم تكن على مستوى الفاعلية المطلوبة، وإلا ما كنا بحاجة إلى تجربة إصلاحية قاسية جديدة، وجاءت هذه الإشارة من خلال إعلان البنك المركزى قرار تحرير سعر الصرف لتخفيف العبء على العملة المحلية التى كادت تنهار، وإعادة ضبط سوق الصرف مرة أخرى.
ومع الصدمات التى تعرّضت لها الأسواق، كان للقطاع المصرفى اليد العليا لاسترجاع حالة الاستقرار بالأسواق مرة أخرى، من خلال الاستخدام المدروس لآلية أسعار الفائدة، التى تمكنت من تحجيم التضخّم الذى وصل إلى أعلى مستوياته خلال 2017، وبالتزامن مع ذلك قامت بإطلاق الكثير من المبادرات المهمة لضمان استمرار حركة الأسواق وعدم دخولها فى حالة ركود، وكان من أبرزها مبادرة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التى أدركت الدولة أنها مستقبل الاقتصاد المصرى، والآلية الأسرع والأكثر فاعلية لإعادة بناء الاقتصاد مرة أخرى.
كما تضمّنت مبادرات قطاعية مهمة أثبت خلالها القطاع المصرفى أنه المحرك الأول لهذه القطاعات الرئيسية فى الاقتصاد المصرى، سواء من خلال مبادرات دعم قطاع الصناعة من خلال تمويل رأس المال العامل، ومبادرات قطاع السياحة، ومبادرات القطاع العقارى، وغيرها من المبادرات التى حفّزت عمل هذه القطاعات خلال فترة الإصلاح.
وتشير الأرقام إلى الدور الذى نتحدث عنه فى الفقرات السابقة، حيث أوضحت النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزى وصول أرصدة القروض التى دعم بها القطاع المصرفى القطاعات الاقتصادية المختلفة إلى 1.077 تريليون جنيه بنهاية نوفمبر 2019، حيث استحوذ القطاع الصناعى منها على 299.05 مليار جنيه، بينما حصل القطاع الزراعى على قروض بنحو 21.8 مليار جنيه، وحصل قطاع التجارة على تمويلات بـ127.65 مليار جنيه، ودعمت البنوك القطاع الخدمى بنحو 254.5 مليار جنيه.
ولم تقتصر مهمة القطاع المصرفى على ضخ مليارات الجنيهات فى القطاعات الاقتصادية المختلفة فقط، لكنها امتدت أيضاً لتدعم الطلب على المنتجات التى تقدمها هذه القطاعات للمستهلكين، حيث وصلت أرصدة إقراض القطاع العائلى إلى 372.8 مليار جنيه من المرجح أن تذهب جميعها لأغراض استهلاكية، وهو ما يؤثر بالتبعية على حالة الحراك فى الأسواق.
كما أن دور البنوك لم يعد قاصراً فقط على التمويل، بل أصبح مبادراً وداعماً قوياً لمشروعات البنية التحتية، تتمثل فى عدة قطاعات كتوسعات الكهرباء والغاز وقطاع البترول، وليس ذلك فحسب، بل تحقيق وتهيئة التمويل الخارجى للكثير من المشروعات من خلال الشراكات مع البنوك الدولية.
نجاح قادة القطاع فى آخر عقدين أنتج مؤسسات مالية عملاقة تتصدّر التصنيفات الإقليمية وتلعب دوراً ريادياً فى دعم وتنمية الاقتصاد القومى
ويأتى هذا الدور الذى لعبه القطاع المصرفى استكمالاً للجهود التاريخية له فى دعم القطاعات الاقتصادية، وهذا ما اعتدناه منذ نشأة البنوك فى مصر، حيث يذكر التاريخ دور البنك العقارى المصرى، الذى تأسس عام 1880 برأسمال 40 مليون فرنك فرنسى فى رواج القطاع الزراعى، الذى كان يمثل النشاط الرئيسى للاقتصاد المصرى آنذاك، بالإضافة إلى دور البنك الأهلى المصرى الذى أنشئ عام 1898 برأسمال 3 ملايين جنيه إسترلينى فى دعم المشروعات القومية للدولة، وتبعه بنك مصر الذى تأسس عام 1920 بهدف استثمار المدخرات القومية وتوجيهها لدعم النمو الاقتصادى والاجتماعى بفكر وطنى خالص.
ويقدّر إجمالى أصول البنوك فى القطاع بنحو 5.7 تريليون جنيه، بما يوازى 113% من الناتج المحلى الإجمالى الاسمى لمصر، مما يؤكد أن القطاع المصرفى هو المحرك الرئيسى للتنمية، نظراً لحاجة الشركات إلى التمويل، وما زال هناك هامش متوافر من التمويل.
وبالوقوف على هذه الأرقام وربطها بالمبادرات الأخيرة التى أطلقها البنك المركزى مع نهاية العام الماضى، والتى ركزت بشكل رئيسى على دعم المصانع المتعثرة وتوفير تمويلات بأسعار فائدة منخفضة لقطاع الصناعة، بجانب مبادرة دعم القطاع السياحى، فإن القطاع المصرفى يترك لنا رسالة بأنه يعتزم أن يستكمل دوره كمحرك للنمو فى العقد الجديد الذى نستقبله.
ومع بداية الموجة الثانية من الإصلاح الاقتصادى الذى بدأته الدولة فى 2016، الذى سيركز بشكل أكبر على الإصلاحات الهيكلية للقطاعات الاقتصادية، بعد استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلية، من المتوقع أن يكون القطاع المصرفى بمثابة الحصان الأسود، والوقود المحرك لهذه الإصلاحات فى مجموعة من أهم القطاعات الاقتصادية، مثل الصناعى والعقارى والسياحى والطاقة، سواء من خلال قروض مشتركة أو من خلال مبادرات مخصّصة للمستثمرين أو للمستهلكين.