دفتر أحوال مهنة الأخصائى النفسى: كاتم أسرار الطلاب يعمل مُشرف أمن و«كانتين»

كتب: محمد سعيد الشماع

دفتر أحوال مهنة الأخصائى النفسى: كاتم أسرار الطلاب يعمل مُشرف أمن و«كانتين»

دفتر أحوال مهنة الأخصائى النفسى: كاتم أسرار الطلاب يعمل مُشرف أمن و«كانتين»

بين مهامه المحددة بـ«رعاية الطلاب، والعمل على وقاية نفسياتهم من الأذى، ودعمهم لتنمية مهاراتهم»، والإهمال وعدم الاعتراف بقيمة دوره، وأهمية توفير الرعاية النفسية للطلاب، وتكليفه بمهام أخرى، يتوه «الأخصائى النفسى» فى المدارس.

«الوطن» تحدثت مع عدد من الأخصائيين، طلبوا نشر أسماء مستعارة لهم، خوفاً من تعرضهم للمساءلة القانونية من قبَل إدارات مدارسهم، وأكدوا أنهم يفعلون كل ما فى وسعهم لإثبات أنفسهم، ومساعدة الطلاب، لكن تجاهل المنظومة التعليمية بأكملها لهم تشعرهم بكثير من الإحباط.

{long_qoute_1}

يعتبر حسام السيد، 31 عاماً، الذى خاض تجربة العمل كأخصائى نفسى فى مدارس حكومية وخاصة، أن دور الأخصائى النفسى يتلخص فى ثلاث كلمات هى «وقاية ورعاية وتنمية»، الوقاية تتمثل فى تنظيم جلسات إرشاد لتعريف الطالب بما يمكن أن يواجهه من مشكلات فى المستقبل وكيف يتعامل معها، والرعاية تتمثل فى مساعدة الطالب، الذى يقع فى مشكلة ودعمه للخروج منها، وبعدها يأتى العمل على تنمية قدرات ومواهب الطالب، لجعله شخصاً سوياً نفسياً.

وعن الاختلاف بين العمل الحكومى والخاص، يوضح «حسام» أن المدارس الخاصة تهتم أكثر بالأخصائى النفسى، وتوفر له جميع الإمكانيات، والأخصائى يخشى أن يفقد وظيفته، ويُلزم بالتواصل مع جميع الطلاب وأولياء أمورهم، فبالتالى يكون الاهتمام مزدوجاً، ما يحقق مصلحة الطلاب، وذلك على عكس المدارس الحكومية، التى تكلف الأخصائى النفسى بمهام أخرى، مثل الإشراف على الطابور الصباحى أو الفسحة أو أمن المدرسة.

وأشار إلى أنه من النادر أن يتم التواصل مع ولى أمر الطالب فى المدارس الحكومية، إلا إذا ارتكب جريمة أو خطأ كبيراً، فضلاً عن أن مدير المدرسة العامة لا يعنيه أكثر من انضباط النظام فى المنشأة لكن مسئوليات ومهام الأخصائى النفسى لا تشغله، فثقافة الاهتمام بنفسيات الطلاب غائبة عن كثيرين من مديرى المدارس.

{long_qoute_2}

وأضاف «حسام»: «فى مدارس الحكومة نحن نحاول قدر المستطاع التواصل مع أكبر عدد من الطلاب، لكن إدارات المدارس لا توفر لنا ميزانيات، ونضطر أحياناً إلى الإنفاق من مالنا الخاص»، مشيراً إلى أن أهم شىء فى الحكومى أن الورق والسجلات تكون مستوفاة، يعنى تقارير الندوات والزيارات كلها تكون موقعة ومدوناً عليها تواريخ، على الرغم من أنها لا تحدث على أرض الواقع.

وأوضح أن بعض مدارس اللغات والدولية تستغنى عن الأخصائى النفسى وتستبدله بما يُسمى «مدرس قيم»، وفى هذه الحالة ليس شرطاً أن يكون متخصصاً فى علم النفس.

ويرى «حسام» أيضاً أن الأخصائى النفسى يحتاج إلى تدريب عملى يُؤهله للتعامل مع الحالات النفسية أو السلوكية التى يقابلها فى المدرسة، ولا بد أن يحصل على كورسات فى العلاج النفسى والمقاييس والتدخلات السلوكية، ويجب أن يكون لديه عائد مادى مقبول، متابعاً: «ماعندوش شغلانة بعد الضهر زى المدرسين اللى بتدى دروس، عشان كده تلاقيه مصاب بالإحباط والملل والفقر، لأنه مرتب حديث التعيين يكون 1500 جنيهاً، ومن الممكن بعد 20 عاماً يصل إلى 2500 جنيه».

تقبل الطلاب لنصائح وتدخلات الأخصائى النفسى يتوقف على شخصيته أمام الطلبة، وفقاً لـ«حسام»، الذى أوضح قائلاً: «إذا كان داخل يقضى وقت وكلمتين ويمشى وخلاص الطلاب لن تتقبله، لكن لو داخل يتكلم عن المشاكل التى يمرون بها ويستخدم أساليب مختلفة تجذبهم إليه سيتعاونون معه».

{long_qoute_3}

وأكد أن أولياء الأمور نوعان؛ الأول لديه ثقافة تفهم وتقبل الأخصائى النفسى ويساعده فى حل ما يعانيه نجله، والثانى يمتنع عن التعامل وينكر أن ابنه يمر بأى أزمة، متابعاً أن أشهر الأزمات التى يمر بها طلاب الثانوى والإعدادى، هى فقدان الثقة، وذلك بسبب غياب الهدف والعزيمة، وهذا يقود بعضهم إلى المخدرات والدخول فى علاقات غير سوية.

مُعوقات كثيرة تواجهها صفاء محمود (اسم مستعار)، 32 عاماً، كأخصائية نفسية، منذ بدأت عملها قبل 9 سنوات، بعقود مؤقتة حتى تم تعيينها فى إحدى المدارس الحكومية، مؤكدة أن إدارات المدارس الحكومية لا تتفهم طبيعة عمل الأخصائى النفسى، ولا ترى الأخصائى إلا موظف «فاضى بلا عمل»، وبالتالى «ممكن نقعد على بوابة المدرسة، أو لو حد من المدرسين غاب ناخد حصص الاحتياطى، وممكن يستغلونا فى أعمال إدارية»، مشيرة إلى أنها تكلف أحياناً بحصص المجال الزراعى والرسم والموسيقى، وتنظيم طابور الصباح والإشراف على الطلبة فى وقت الفسحة.

ووفقاً لـ«صفاء» تهتم إدارات المدرسة بالأخصائى الاجتماعى بشكل أكبر من «النفسى»، مؤكدة: «يحترمونه أكثر من الأخصائى النفسى، لأنه يمسك بالسجلات ويحل مشكلات وينظم الرحلات والحفلات، لكن نحن مجرد ناس فاضية»، مضيفة: «ساهم فى ذلك أن وظيفة الأخصائى الاجتماعى أقدم من النفسى، كما أن المديرين لا يفهمون طبيعة عملنا». وقالت: «أشعر بإحباط شديد من تعامل المدرسة معنا بهذا الشكل، رغم أننا نحاول العمل فى حدود الإمكانيات المتاحة لنثبت نفسنا وأننا نستحق الاهتمام».

لا تجد «صفاء» حجرة أو مكتباً خاصاً بها داخل المدرسة، لتقابل فيه الطلاب وتسمع لهم وتدربهم على حل مشاكلهم، موضحة: «نضطر إلى الجلوس مع الطلاب فى مكتب الأخصائى الاجتماعى أو أى فصل فارغ، وأحياناً على السلم».

أما شيرين الحضرى، التى تعمل كأخصائية نفسية منذ عام 1995، أوضحت أن دور الأخصائى النفسى إرشادى توجيهى، سواء بحل المشكلات الفردية فى سرية تامة، أو بشكل جماعى من خلال التوعية بالمشكلات، وقالت: «ننظم ندوات بشكل دورى، ونتكلم مع الطلاب فى المشكلات التى يمرون بها»، مشيرة إلى أنها تنظم زيارات مجانية للطلاب إلى أماكن مختلفة، مثل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، أو ملاجئ الأيتام، أو مستشفى 57357.

وأكدت «شيرين» أنها فى بداية العام الدراسى تمر على الفصول لتعرف نفسها للطلاب وتوعيهم بدورها وماذا يمكن أن تقدم لهم، مشيرة إلى العجز فى عدد الأخصائيين النفسيين بالمدارس، فهناك كثير من المدارس ليس بها من يقومون بهذا الدور، ويضطر حينها التوجيه إلى انتداب بعض الأخصائيين من مدارس أخرى. وأضافت «شيرين» أن الاهتمام بالأخصائيين النفسيين ضعيف، وقالت: «لا بد أن يهتموا بنا، ويخصصوا لنا غرفة مستقلة، لنتمكن من حفظ أسرار الطلاب والطالبات، بدلاً من الجلوس فى المكتبة». وطالبت بتوفير ميزانية مخصصة لهم لتوفير الأدوات وتنظيم الزيارات والندوات، وإجراء الأبحاث، موضحة أنها تضطر إلى التكفل بالأنشطة والزيارات من مالها الخاص، وأن الإدارة ليس لها ذنب فى ذلك، لأنها لا تملك الميزانية.

وأوضحت إيمان شعبان، موجه أول تربية نفسية بإدارة حلوان، أنها تعمل على رفع مستوى الأخصائيين النفسيين، من خلال تنظيم دورات التنمية المهنية المستدامة، مع تنظيم ورش عمل بصفة دورية وتعاون مع جامعة حلوان، مؤكدة أنها أنشأت بالجهود الذاتية مركز «وعى الإرشاد النفسى»، ليتبادل من خلاله الأخصائيون الخبرات فيما بينهم.

وقالت إن راتب الأخصائى النفسى لا يتجاوز ألف جنيه، وبالتالى أغلبية الشباب لا تستهويهم وظيفة الأخصائى النفسى، مؤكدة أن لديها فى إدارة حلون 180 أخصائياً نفسياً، من بينهم 6 ذكور فقط والباقى إناث.

وأضافت: «الشباب مش هيقدر يفتح بيت من المرتب ده، وأغلبية الأخصائيين معايا بنات، وقدرت إنى أغطى المدارس الابتدائى والإعدادى بالبنات، لكن عندى عجز فى مدارس الثانوى بنين لأنى مش هقدر أنزل فيهم أخصائيين بنات، وبقيت مضطرة أغطى مدارس الثانوى البنين فى حلوان كلها بـ6 مدرسين فقط»، مُشيرة إلى أن زيادة العائد المادى سيشجع الذكور على الوظيفة.

أكبر أزمة تواجه الأخصائى النفسى هى ضعف الميزانية، لأن الأخصائى يحتاج إلى أدوات وأنشطة حتى يستطيع إفادة الطلاب وحل مشاكلهم، كما قالت موجه التربية النفسية، موضحة أنه من أجل كسب ثقة الطالب يجب أن تظل أزمته فى سرية تامة، وذلك لن يحدث والأخصائى ليس له مكتب خاص به، مضيفة: «نتغلب على هذا الأمر بالجلوس مع الأخصائى الاجتماعى».

أما عن أزمة تكليف الأخصائيين النفسيين بمهام أخرى، فعقبت قائلة: «أحاول دائماً، وأنصحهم إنهم يبرزوا شغلهم بشكل أكبر عشان يوصل شغلهم وتعبهم لإدارات المدارس وتفهم أهمية وجودهم».

فى المقابل، رفض أحمد صابر، المتحدث الإعلامى باسم وزارة التعليم، الرد على ما ورد فى حديث الأخصائيين والموجهة، ومع استمرار اتصالاتنا ورسائلنا عبر «واتس آب» لمدة أسبوعين، قال: «أنا مش عارف مين المسئول عن الموضوع ده فى الوزارة، وتقريباً دول مش تبع الوزارة خالص ودول تبع وزارة الصحة».

موضوعات متعلقة

أولياء أمور: نسمع عن دور الأخصائى النفسى المؤثر فى التنشئة السليمة لأبنائنا.. لكن وجوده «حبر على ورق»

 خبراء تربويون: دور الأخصائى النفسى مُهمش نتيجة «فوضى التعليم».. ويجب منحه تدريبات مكثفة

الأخصائى النفسى.. «الفريضة الغائبة» فى المدارس


مواضيع متعلقة