الاقتصاديون متفقون على «الإصلاح» ومختلفون على الأولويات والآليات

الاقتصاديون متفقون على «الإصلاح» ومختلفون على الأولويات والآليات
- أجهزة الدولة
- أعلى مستوى
- إصلاح الاقتصاد
- إطلاق برنامج
- إعادة هيكلة
- احتياطى النقد
- ارتفاع الأسعار
- استصلاح الأراضى
- اقتصاد مصر
- الأزمة الاقتصادية
- أجهزة الدولة
- أعلى مستوى
- إصلاح الاقتصاد
- إطلاق برنامج
- إعادة هيكلة
- احتياطى النقد
- ارتفاع الأسعار
- استصلاح الأراضى
- اقتصاد مصر
- الأزمة الاقتصادية
واجهت مصر وضعاً اقتصادياً صعباً بعد ثورة 25 يناير 2011 وما تبعها من اضطرابات أمنية وسياسية واسعة، وبداية من نوفمبر 2016 سعت الحكومة لمواجهة الأزمة ببرنامج لإصلاح الاقتصاد الكلى، أى ضبط المؤشرات المالية والنقدية ينتهى فى نوفمبر 2019، والبرنامج على قسوته ليس فى حقيقته إلا مقدمة ضرورية وتمهيداً للإصلاح الحقيقى الذى يسمى بالإصلاح الهيكلى.
ويوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور شيرين الشواربى، الفرق بين الإصلاح الهيكلى والإصلاح الكلى، على النحو التالى: «ما يحدث الآن فى مصر وفقاً لبرنامج صندوق النقد الدولى إصلاح للمؤشرات الكلية وليس إصلاحاً هيكلياً والفرق كبير.. الإصلاحات الكلية تشمل أموراً مثل ضبط عجز الموازنة والدين العام وسعر الصرف، أما الإصلاحات الهيكلية فتتعلق بجوهر الاقتصاد، وهو الإنتاج وشكل الملكية، تحسين مناخ الاستثمار، وتحفيز الصناعة المحلية والتصدير.. إلى آخره، وصندوق النقد غير معنى بالإصلاحات الهيكلية فهو فقط يركز على الكلية، وأنا أشبّه ذلك بشخص يملك سيارة، خبراء الصندوق يمهّدون له الطريق مع صيانة سريعة للمحرك، تكفيه لعبور مرحلة، أما الإصلاحات الهيكلية فتقتضى إصلاح المحرك بشكل كامل حتى نستطيع تحقيق قفزات فى النمو، ما يعنى أن انتهاء مدة البرنامج مع الصندوق تكون بداية الإصلاح الحقيقى وليس نهايته، وأكثر ما أخشاه أن نقف عند حدود الإصلاح الكلى ولا نتجاوزه للإصلاح الهيكلى بخطط ومشروعات قادرة على إحداث تحول اقتصادى حقيقى».
{long_qoute_1}
وهذا نفس ما ذهب إليه «سوبير لال»، رئيس فريق صندوق النقد الدولى لمصر، فى آخر تقرير له، حيث أكد أن «اقتصاد مصر يتعافى، مدعوماً بسياسات الاقتصاد الكلى الحكيمة والإصلاحات الجريئة الأولية الرامية إلى مواجهة التحديات الرئيسية التى واجهت الاقتصاد فى السنوات الأخيرة.. المهمة الآن هى تعميق الإصلاحات لزيادة النمو الاقتصادى، وجعلها تدوم، ونشر فوائدها على السكان الآخذ تعدادهم فى التزايد بسرعة، بعد أكثر من عام منذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادى، أصبح نمو الناتج المحلى الإجمالى فى ازدياد والتضخم فى تراجع وقلصت الحكومة عجز الموازنة، وارتفعت عائدات السياحة والتحويلات من الخارج، وتمت إعادة بناء احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية».
وساعد تعويم الجنيه والخطوات الأولية لتحسين مناخ الأعمال على تعزيز النمو، هذا التحول الاقتصادى الكلى فى الداخل والبيئة الاقتصادية العالمية الداعمة يوفر فرصة فريدة لحمل زخم الإصلاح إلى مناطق كان من الصعب التعامل معها تاريخياً، هناك حاجة لإصلاحات هيكلية عميقة ودائمة لخلق فرص عمل فى أسرع وقت ممكن.
مساعد صندوق النقد الدولى السابق الدكتور فخرى الفقى، يوضح أن الرئيس السيسى فى ولايته الأولى ركز على محورين أولهما: مشروعات البنية التحتية العملاقة والمعروفة باسم المشروعات القومية وعددها 8 مشروعات، منها العاصمة الإدارية ومشروع 1.5 مليون فدان، وشبكة الطرق، والمحور الثانى ركز على توفير «لقمة العيش» للمواطن، وكان ذلك يستلزم إصلاحاً اقتصادياً، وبدأ هذا الإصلاح فى يوليو 2014، حتى نوفمبر 2016، وكانت الحكومة تخشى من رد فعل الشعب على الدخول فى برنامج للإصلاح الاقتصادى يرعاه صندوق النقد، وكذلك «الصندوق» خاف هو الآخر من أن يُتهم بمسئوليته عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، لذا اشترط على الحكومة معالجة 3 أمور قبل بدء التفاوض مع مصر، أولها: الاختلالات الهيكلية مثل عجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات والدين العام والتضخم، وثانيها إصلاح الهياكل والمنظومات المشوهة، مثل أوضاع قطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية ودمج القطاع غير الرسمى فى الرسمى، وأخيراً تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية لاحتواء الآثار الصعبة للإصلاح على الطبقات غير القادرة، عبر تعزيز قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل، ودفع الأسعار إلى الاستقرار، وتحديد حد أدنى للأجور، ودعم قطاعات خدمية كالتعليم والصحة والإسكان، وهذه المحاور الثلاثة هى محور برنامج الإصلاح الجارى الآن، الذى وافق عليه الصندوق بعد أن اطمأن لجدية الحكومة، وتابع «الفقى»: «ولتحقيق انطلاقة، فإن الأولوية الأولى أمام الرئيس وحكومته فى السنوات الأربع المقبلة بعد الاستمرار فى تنظيف مصر من الإرهاب، استكمال مشروعات البنية الأساسية التى بدأها فى ولايته الأولى، فهناك مشروعات كثيرة وضخمة منها أنفاق قناة السويس ومحطات الكهرباء والموانى والمطارات وشبكة الطرق و12 مدينة جديدة واستصلاح الأراضى، هذه المشروعات أولوية لأنها أولاً علاج لكثير من الأمراض التى أصابت المجتمع نتيجة تكدس 100 مليون مواطن على 8% من مساحة مصر، وثانياً لأن ألف باء جذب المستثمر يقتضى توفير مشروعات بنية أساسية قوية ثم البدء فى برنامج للإصلاح الهيكلى بعد الاطمئنان على ضبط كل المؤشرات المالية والنقدية، مثل عجز الموازنة وسعر الصرف، والإصلاح الهيكلى يشمل إصلاح نحو 15 منظومة مختلة منذ أكثر من 60 عاماً، منها منظومة التقاعد والأجور والضرائب ودمج الاقتصاد غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمى والشمول المالى وقطاع الأعمال، ويمكن الاستعانة بخبرات البنك الدولية والصندوق فنياً وليس مالياً لمساعدتنا فى هذه المهمة الصعبة».
ورغم وضوح الهدف والاتفاق على صعوبة الأوضاع، تتعدد وجهات النظر حول طريقة الوصول إليه، أى الأولويات والآليات، ويرى خبير التنمية شريف دلاور أن مصر مهيأة لتحقيق انطلاقة اقتصادية كبيرة، وهناك 5 أولويات أمام الرئيس فى ولايته الثانية، أولها تحقيق معدلات تنمية عالية تتجاوز الـ10% لعدة سنوات، وثانيها الاستعداد للثورة الصناعية الرابعة، وثالثها الاستمرار فى خلخلة المدن الحالية بإقامة مجتمعات عمرانية جديدة، ورابعها القضاء على التلوث وفوضى المرور، وأخيراً زيادة مساحة الحريات العامة، وتحقيق هذه الأهداف من شأنه أن ينعكس إيجاباً على مناخ الاستثمار وبالتالى النمو والتنمية، وأضاف لـ«الوطن»: الحقيقة أنا أشعر بالثقة والتفاؤل فى المستقبل، والرئيس السيسى يستعين بكفاءات ومستشارين سواء من داخل أجهزة الدولة أو من خارجها على أعلى مستوى، لكن معظمهم يعمل فى صمت، وكل ما يتم من مشروعات مدروس بعناية ودقة، أضف إلى ذلك المناخ النظيف الذى نتمتع به الآن، فلم يعد هناك تزاوج بين السلطة والثروة ولم يعد مسموحاً لأى مسئول أو وزير بمحاباة أحد، ومن يتجاوز يجد نفسه تحت طائلة القانون، كل هذا من شأنه أن ينعكس إيجاباً على مناخ الاستثمار وبالتالى النمو والتنمية». وزير الاقتصاد الأسبق الدكتور، مصطفى السعيد يقول: «أنا شخصياً انتخبت الرئيس أملاً فى تحقيق الأولويات العاجلة التالية فى السنوات الأربع المقبلة، أولاً على مستوى الاقتصاد، يجب أن يتصدر التصنيع من أجل التصدير وليس للسوق المحلية أجندة الحكومة.. لا بأس طبعاً من إنشاء مصانع للاستهلاك الداخلى لكن الأولوية الآن للصناعات الموجهة للتصدير، فلدينا عجز فى الميزان التجارى ومشكلة فى الاحتياطى النقدى، والتصدير سيعود علينا بنقد أجنبى يمكننا من شراء احتياجاتنا وتحقيق استقرار نقدى، وعلى المستوى السياسى إقامة حياة ديمقراطية سليمة وتداول سلمى وسلس للسلطة، والأولية الثالثة تفعيل كل آليات تحقيق العدالة الاجتماعية، وأخيراً ومع كل هذا وقبل كل هذا الاهتمام بالتعليم الجيد الذى بدونه لا يمكن أن ننتظر تحقيق أى طفرات».
{long_qoute_2}
الخبير الاقتصادى على والى يؤكد أن أكبر مشاكلنا الحالية عجز الموازنة والخلل فى الميزان التجارى، وحل هاتين المشكلتين وغيرهما يقتضى: مضاعفة إيرادات الدولة 4 أو 5 مرات وليس بنسبة 10 أو 15%، لأن هذه النسب الصغيرة تعنى ببساطة أن تقترح الحكومة زيادة الضرائب، وأنا ضد زيادة الضرائب بل أفضل خفضها مع توسيع قاعدة الممولين، لكن مضاعفة الإيرادات تعنى زيادة عدد الشركات والمصانع سواء فى القطاع العام أو الخاص، على أن يكون الهدف هو التصدير بأرقام كبيرة لا تقل عن 100 مليار دولار.
ويرى الدكتور على عبدالوهاب، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، أن الولاية الأولى للرئيس شهدت تركيزاً على المشروعات القومية الكبيرة، وهى مشروعات مهمة ومطلوبة لكن عائدها بعيد المدى، وما نحتاجه فى الولاية الثانية هو التوازن بين هذه المشروعات والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، لأنها تستوعب عمالة كثيفة وعائدها سريع، مع الإسراع فى إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال التى تنتج بأقل من 25% من طاقاتها، فهذه الشركات تم تخريبها بفعل فاعل فى سنوات التسعينات بهدف إقناع الرأى العام بضرورة بيعها، وثورة يناير هى التى أوقفت هذا التوجه، والأولوية الثالثة زيادة معدلات الادخار، وهو هدف يمكن تحقيقه بتشجيع صغار المدخرين، ويجب أن يصاحب كل ذلك تحقيق مستويات أعلى فى الشفافية ومحاربة الفساد».
الدكتورة نجوى سمك، أستاذ الاقتصاد جامعة القاهرة، تقول إن انحسار التضخم بشكل ملحوظ الشهر الماضى جيد، لكن التضخم سيظل مشكلة قائمة وارتفاع الأسعار هو الهم الأساسى للمواطن، وستظل الأسعار كما هى طالما ظل سعر صرف الدولار مرتفعاً أمام الجنيه، لأننا دولة تعتمد على الواردات حتى فى قطاعها الصناعى، وطالما ظل هناك خلل فى الإنتاج، أى الطلب أكثر من العرض، تظل الأسعار مرتفعة، وأملنا أن تبدأ المشروعات الإنتاجية الكبيرة التى بدأتها الدولة مثل المزارع السمكية وغيرها فى معالجة مشكلة الإنتاج وأن تتولى زيادة مواردنا الدولارية مشكلة سعر الصرف.
وتؤكد الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة سلوى العنترى، أنه لا يوجد خلاف على أهمية مساعى الحكومة لضبط المؤشرات المالية والنقدية مثل عجز الموازنة العامة، لأن هذه الخطوة على سبيل المثال ضرورية لتوجيه مدخرات الأفراد والشركات للاستثمار بدلاً من تمويل العجز، لكن الخلاف على من يدفع تكلفة هذا الإصلاح، وقالت: «الحادث أن من يدفع التكلفة هم الطبقات الدنيا والمتوسطة ويعاد توزيع الدخل لصالح الطبقة العليا من خلال عشرات الإجراءات، منها فرض ضريبة القيمة المضافة التى يتضرر منها أصحاب الدخول المنخفضة، والامتناع عن فرض ضرائب تصاعدية وضريبة ثروة وضريبة أرباح رأسمالية، وتجميد حوافز العاملين فى الجهاز الإدارى للدولة، فضلاً عن رهان مبالغ فيه على الاستثمار الأجنبى فى الوقت الذى يحارب فيه الجهاز الإدارى للدولة بممارساته البيروقراطية صغار المستثمرين. وقال عالم الاقتصاد البارز، الدكتور محمد دويدار، إن الأزمة فى سوء تشخيص علل الاقتصاد المصرى، والمشكلة، من وجهة نظره، ليست فى ضبط المؤشرات المالية والنقدية مثل عجز الموازنة، ولكن فى ضعف قدراتنا الإنتاجية من الزراعة والصناعة، وأى حلول لا تركز على هذا الخلل هى حلول غير جادة، فلو نجحت الحكومة الآن فى ضبط المؤشرات، سرعان ما ستختل مرة أخرى إذا لم يكن هناك ما يكفى من الإنتاج، وأضاف: «لا يوجد حل ناجح لتحقيق هذا الهدف لا يقوم على تخطيط شامل يستند بداية على تشخيص متكامل لمجمل أوضاعنا وإمكانياتنا، وأى علاج لا يسبقه تشخيص دقيق لا يكون علاجاً، ونقطة البدء يجب أن تكون بتحديد أبعاد الخريطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهى 3 محددات، أولها براح مكانى يتمثل فى مليون كم ذات تنوع غير موجود فى أى مكان فى العالم، وثانيها ثروة سكانية هائلة، والبعد الثالث يتمثل فى الرغبة الشعبية للتغيير بداية من يناير 2011، هذا لا يحدث لأن تدريس الاقتصاد فى جامعاتنا هو الأسوأ فى العالم، نتيجة تقديس القائمين عليه للمدرسة الكلاسيكية الجديدة ووصفات صندوق النقد المشغولة بفكرة ضبط المؤشرات ولا تعطى الاهتمام اللازم لقضية الإنتاج، والحكومة للأسف غير مهتمة بتشخيص الأوضاع على الأرض»، وتابع: «كنت وما زلت أقول إن الأزمة الاقتصادية فى مصر ناتجة عن نقص الإنتاج وليس عجز الموازنة، وعلاج هذه الأزمة يكمن فى أن تلعب الدولة دورها المتمثل فى التخطيط لزيادة كل قطاعات الإنتاج من خلال سياسات تشمل الاستثمار والإنتاج والتجارة والعمالة والأثمان والسياسات المالية والنقدية، أى سياسات شاملة ومستقبلية، وإذا لم يتم بحث كل هذه الأمور معاً يبقى الحديث عن الإصلاح إضاعة وقت».
جانب من مشروع شبكة الطرق الجديدة