صحابة الرسول| عمر بن الخطاب قوي الجسد رقيق القلب

كتب: محمد متولي

صحابة الرسول| عمر بن الخطاب قوي الجسد رقيق القلب

صحابة الرسول| عمر بن الخطاب قوي الجسد رقيق القلب

لُقِّب بـ"الفاروق" وكان ثاني الخلفاء الراشدين وأحد كبار أصحاب الرسول محمد، وأشهر الشخصيات والقادة بالتاريخ الإسلامي وأكثرهم تأثيرًا حتى بشره الرسول هو وتسعة آخرين بالجنة.

وُلد الفاروق عمر بن الخطاب بعد مولد الرسول بـ13 سنة، وكان منزله في الجاهلية في الجبل والذي يقال له حتى اليوم جبل عمر، عمل راعيًا للإبل وهو صغير، فيما كان والده غليظًا في معاملته، وكان يرعى لوالده ولخالات له من بني مخزوم، وتعلم منذ صغره المصارعة وركوب الخيل والفروسية، والشعر، وتعلم التجارة بعدما بسبب حضوره أسواق العرب وسوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز، والتي ربح منها وأصبح من أغنياء مكة، حيث رحل صيفًا لبلاد الشام ولليمن في الشتاء، وكان واحدا من أشراف قريش حتى حظي بمكانة سفير قريش.

 

اشتهر الفاروق عمر بن الخطاب في سياق العدل فكان قاضيًا خبيرًا واشتهر بعدله وإنصافه الناس في المظالم، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، وكان ذلك سبب تسميته بـ"الفاروق"، لتفريقه بين الحق والباطل، وأسس التقويم الهجري، وفي عهده امتدت رقعة الإسلام بشكل كبير وتوسع نطاق الدولة الإسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول وجنوب أرمينيا وسجستان، ونجح في إدخال القدس تحت حكم المسلمين لأول مرة وهي ثالث أقدس المدن في الإسلام، وهكذا استوعبت الدولة الإسلامية كامل أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية وثلثيّ أراضي الامبراطورية البيزنطية.

 

ظهرت عبقرية عمر بن الخطاب العسكرية في الحملات المنظمة المتعددة التي وجهها لإخضاع الفرس والذين فاقوا المسلمين قوة، حيث تمكن من فتح كامل إمبراطوريتهم في أقل من سنتين، وتجلّت قدرته وحنكته السياسية والإدارية عبر حفاظه على تماسك ووحدة الدولة حيث كان حجمها يتنامى يومًا بعد يوم ويزداد عدد سكانها وتتنوع أعراقها.

 

بعد أن بُعث النبي محمد في عام 610 ميلاديا بالرسالة وكان في الأربعين من عمره وبعد مضيّ 3 سنوات من بعثته، أُمِرَ بالجهر في دعوة الناس للإسلام، فعاداه القرشيون وذلك بعدما بدأ يُحقّر من شأن آلهتهم؛ حتى وهبّ سادة قريش للدفاع عن معتقداتهم، وأخذوا يعتدون على المسلمين ويؤذونهم، حيث كان عمر ألد أعداء الإسلام وأكثر أهل قريش أذى للمسلمين، حتى إنه كان غليظ القلب تجاههم وقد كان يعذِّب إحدى جواريه بعد علمه بإسلامها من بداية النهار وحتى آخره وكان عندما يتركها نهاية اليوم يقول لها "والله ما تركتك إلا ملالةً"، حتى إنه قد جنّد نفسه يتبع رسول الله أينما ذهب، وكلما دعا أحداً للإسلام أخافه عمر وجعله يفر من تلك الدعوة.

 

دفع عمر لأخذ قرار إسلامه ما حدث قبلها بيومين من إهانة شديدة لأبي جهل في مكة على يد عم النبي محمد، حمزة بن عبد المطلب، والذي أصبح على الإسلام، وكان الدافع لذلك نابعاً من أن أبا جهل كان خال عمر بن الخطاب، فرأى عمر أنه قد أصيب في كرامته تمامًا كما أصيب أبو جهل، ورد الاعتبار في حالة كهذه عند العرب يكون عادة بالسيف، فسن سيفه وخرج من داره قاصدًا النبي محمداً، وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله العدوي القرشي وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، فقال له: "أين تريد يا عمر؟"، فرد عليه قائلا: "أريد محمدا هذا الصابي الذي فرَّق أمر قريش، وسفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله"، فلمّا عرف أنه يتجه لقتل النبي قال له: "والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب قد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما"، فانطلق مسرعاً غاضباً إليهما، فوجد الصحابي خباب بن الأرت يجلس معهما يعلمهما القرآن، فضرب سعيدًا، ثم ضرب فاطمة ضربة قوية شقت وجهها، فسقطت منها صحيفة كانت تحملها، وحين أراد عمر قراءة ما فيها أبت أخته أن يحملها إلا أن يتوضأ، فتوضأ عمر وقرأ الصحيفة وقرأ منها أول سورة طه: "طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى"، حينها رقَّ قلب عمر وقال: "ما هذا بكلام البشر" وأسلم من ساعتها، وكان ذلك بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بـ3 أيام، وخرج لدار "الأرقم" حيث كان يجتمع النبي محمد بأصحابه وأعلن إسلامه هناك، وقبلها، دعا رسول الإسلام ربه وقال "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام. قال: "وكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب".

 

بعدها بسنوات ليست بالبعيدة توفي النبي يوم 7 يونيو عام 632 ميلاديا، ولمّا شاع خبر انتقال الرسول للرفيق الأعلى، اضطرب المسلمون ومنهم عمر فقال "والله ما مات رسول الله"، حتى ظل المسلمون على تلك الحالة يتمنون صدق كلام عمر، حتى جاء أبو بكر رأى جثمان النبي وخرج إلى المسجد وأتى المنبر فوجد عمر يقول ما يقول، فقال له: "أيها الحالف على رِسْلِك"، فجلس عمر وجلس الناس، فتشهد أبو بكر ثم قرأ آية من آيات سورة آل عمران: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ"، ثم تابع يقول: "ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ولما سمع عمر الآيات أيقن حق أن الرسول قد مات، وهوى على ركبتيه يبكي.

 

كان عمر بن الخطاب خليفة المسلمين الثاني، ونفَّذ عدة فتوحات إسلامية كان أبرزها فتحه للشام والعراق وفارس ومصر، على يد عمرو بن العاص بعد انتهائه من فتح الشام، وذلك بعد إلحاح طويل من "عمرو" ودخل عمرو مصر ومعه 4 آلاف رجل، وكان أول ما فتحه هو حصن الفرما بعد حصار دام شهر، ونفس الأمر في بلبيس، ثم سار إلى أم دنين بعد أن أمده عمر بـ4 آلاف آخرين، وانتصر قربها في معركة عين شمس، ومن بعدها إلى حصن بابليون، وفرض عليه حصاراً دام نصف سنة كاملة، ومن ثم مدينة الفسطاط والإسكندرية، وفرض عليها حصاراً دام 3 أشهر، وبفتح الإسكندرية كان قد تمَّ فتح مصر.

 

كان عمر بن الخطاب أول من أنشأ حبسًا خاصًا بالمتهمين بعد أن كان هؤلاء يُعزلون في المسجد، وعُرف هذا الحبس باسم "السجن"، وكان أول من أدخل نظام العسس للتجول والمراقبة ليلاً من أجل مساعدة القاضي في إثبات التهم وتنفيذ الأحكام ضد المذنبين، وكان هذا النظام بمثابة النواة التي قامت عليها فيما بعد "الشرطة"، وأول من أسندت إليه هذه المهمة هو عبدالله بن مسعود، فهو أول عسّاس في الإسلام.

 

لم يُهمل عمر بن الخطاب القضاء، فكان تولَّى الفصل بين الناس، وتطبيق الحدود والأحكام، ولمّا توسَّعَتِ الدولة واختلط العربُ بسكان البلاد المفتوحة، ازدادَتِ القضايا في هذه الأمصار وتعذَّر على الخليفة النظرُ فيها، وعمل على فصل القضاء عن الولاية، وشرع في تعيين القضاة في البلاد المفتوحة، فولَّى أبا الدرداء قضاءَ المدينة، وشريحًا الكندي قضاء الكوفة، وعثمانَ بن أبي العاص قضاء مصر، وأبا موسى الأشعري قضاء البصرة، وأجرى عمر عليهم الرواتب، فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة خمسمائة درهم في كل شهر، وجعل لشريح مائةَ درهم وكان عمر يحث القضاة على إحقاق الحق، وإقامة العدل بين الناس؛ ما دفع القضاء إلى العمل على تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية بحذافيرها وسن لهؤلاء القضاة دستورا يسيرون على هديه في الأحكام، وقد لبث هذا الدستور مرجعاً للقضاء.

كان عدد من الفرس الذين بقوا على المجوسية يضمرون الحقد والكراهية لعمر والذي دحر جيوشهم وقضى على إمبراطوريتهم واسعة الأطراف، وفي شهر أكتوبر سنة 644 اتجه عمر لأداء الحج في مكة، حيث يُعتقد أن مخططي الاغتيال اتبعوه حتى جبل عرفة، وبعد عودة عمر بن الخطاب إلى المدينة المنورة طعنه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي بخنجر ذي نصلين ست طعنات، وهو يُصلي الفجر بالناس، ثم حُمل إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس، وحاول المسلمون القبض على القاتل فطعن حينها 13 رجلاً مات منهم 6 فلما رأى عبد الرحمن بن عوف ذلك ألقى رداءً كان معه على أبي لؤلؤة فتعثر مكانه وشعر أنه مأخوذ لا محالة فطعن نفسه منتحرًا.


مواضيع متعلقة