السنبلات الخضر والبقرات السمان

كتب: ريم أسامة السيد مرسى

السنبلات الخضر والبقرات السمان

السنبلات الخضر والبقرات السمان

التخطيط والعمل الدؤوب لإنجاز ما خططناه؛ هما الطريق الإجبارى الذى يجب أن نسلكه بخُطى مسرعة، وعزيمة قاطعة. لا ننشغل بالطرق الفرعية التى جرفتنا إلى ميادين الأزمات الموحشة الفسيحة، وهيّأت المرعى الخصب للبقرات العجاف، وروت بسخاء بغيض، حقول السنبلات اليابسات.

إن التخطيط لمستقبل مشرق ومزدهر طريق سلكته مصر منذ آلاف السنين، وقدّمت للعالم رخاءً فى سنوات القحط حين كان «يُغَاثُ النَّاسُ»، وقدّمت للعالم -كذلك- نموذجاً ناصعاً للعمل الدؤوب «تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا»، ثم قدّمت بعد ذلك، ومنذ فجر التاريخ، أول مفهوم واضح وعملى للتنمية المستدامة التى تعمل للمستقبل، وتحترم حقوق الأجيال المقبلة فى الثروات والموارد «فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ».

وإذا كان الشاعر العربى ينصح كل مرتحل ليدرس قبل البدء طريق رحلته (قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها)؛ فإن مصر المعاصرة الناهضة قد ألقت عن كاهلها سنوات التخبّط والارتجال، واتجهت بأسلوب علمى إلى التخطيط للمستقبل، وبناء آليات علمية لتمارس هذه الخطط بوجودها المثمر فى أرض الواقع وميادين العمل والإنجاز.

لم تعد المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى «الرؤى والتأويل» لتتجاوز أزماتها، وتضىء حاضرها، وتبنى مستقبل أجيالها، فقد أصبحت الخطط المدروسة ترى الغد رأى العين؛ وبنى العلم أنظمة للتنبؤ تقرأ المستقبل، وتتحصّن من طوارئه، وتتحسّب لأزماته.

ومن هذا المنطلق أعدّت «وزارة التخطيط» استراتيجيتها للتنمية المستدامة «رؤية مصر 2030»، لتكون بمثابة خارطة تسير فى طرق متوازية تعمل على التوازن بين الإنسان وحاجاته من جهة؛ والوطن وموارده وإمكانيات استثمارها من جهة أخرى.

تسير الخطة فى طريق الاقتصاد، طامحة إلى بناء بيئة اقتصادية قادرة على الاستقرار ومواجهة الهزات من خلال دعم المشروعات الإنتاجية الكبرى التى تُعزّز الناتج المحلى، وتحقيق النمو والمنافسة، وتوفير فرص عمل لائق ومنتج.

وتبرز أهمية الطاقة كأحد المحاور الفعّالة فى البناء الاقتصادى، حيث تشكل أهم المدخلات فى المشروعات الصناعية؛ ومن هنا تأتى أهمية تلبية جميع متطلبات التنمية من الطاقة والاستفادة الكفوءة من مصادرها التقليدية والمتجدّدة لدفع الاقتصاد، والحفاظ على البيئة؛ مع الاهتمام بمجالات الطاقة المتجدّدة.

ولا يمكننا التصور أن أى بناء اقتصادى يطمح إلى الاستقرار والنمو والمنافسة لا يقوم على أسس المعرفة والابتكار والتقدم العلمى الذى يؤدى بطبيعة الحال إلى بناء مجتمع مبدع، ومنتج للعلوم والمعارف.

ولا شك أن جهازاً حكومياً كفوءاً سيكون هو الوسيلة الأهم، والأداة الأبرز لإدارة هذه الخطط وتفعيلها، من خلال الشفافية والنزاهة والمرونة وحسن إدارة موارد الدولة والاهتمام بتلبية حاجات المواطنين.

ثم يأتى الطريق الثانى؛ لا ثانياً فى الترتيب، ولا تالياً فى الأهمية، لكنه موازٍ للبناء الاقتصادى، ومكمل له، وهو طريق العدالة الاجتماعية التى تسعى إلى بناء مجتمع متكاتف على أسس المساواة فى الحقوق والفرص، يتيح الحق فى المشاركة والتوزيع العادل القائم على الكفاءة والإنجاز وسيادة القانون، ومساندة الشرائح المهمّشة ويُحقق الحماية للفئات الأولى بالرعاية.

ويمثل الحق فى الصحة أهم أعمدة البناء الاجتماعى من خلال نظام صحى يقوم على الجودة وعدم التمييز، ويحقق التغطية الصحية والوقائية الشاملة والتدخّل المبكر بما يكفل الحماية المالية لغير القادرين، ويُحقق رضا المواطنين والعاملين فى قطاع الصحة.

وفى إطار بناء نظام اجتماعى يعمل على تقديم أعلى قدر من الرعاية للمواطنين، لا بد من إتاحة التعليم والتدريب بجودة عالية للجميع دون تمييز، من خلال نظام كفء وعادل ومستدام ومرن. قادر على إنتاج متعلم أو متدرّب يجيد التفكير ويمتلك المهارات الفنية والتقنية، ويسهم فى تكامل الشخصية وإطلاق إمكانياتها.

وتحقق المنظومة الثقافية التوازن والترابط الذى تسعى إليه المجتمعات الراشدة، من خلال فتح آفاق التفاعل مع معطيات العصر، وإدراك التاريخ والتراث الحضارى المصرى، والقدرة على الاختيار الحر وتأمين حق ممارسة وإنتاج الثقافة. لتكون العناصر الإيجابية فى الثقافة مصدر قوة لتحقيق التنمية. وينطوى محور قناة السويس على عدد من الموانئ بالعريش والسخنة وشرق بورسعيد، كما يجرى العمل بخُطى متسارعة فى حفر أكثر من عشرة أنفاق تحت قناة السويس، لربط سيناء ومواردها التعدينية الهائلة بربوع وادى النيل، وتُيسر هذه الأنفاق تدفق حركة العمل والتنمية، لتبعث التطور والنماء فى كل ربوع سيناء الحبيبة.

فشبكة الطرق التى تمتد وتتمدّد فى طول البلاد وعرضها، هى فى حقيقتها شرايين للتنمية تتدفّق فيها حركة النقل للمواد الخام إلى مصانعها، ومن المصانع إلى المستهلكين، وإلى الموانئ والمطارات؛ التى تم بالفعل تطوير عدد منها وزيادة سعتها الاستيعابية.

لقد اتّجهت خُطى مصر نحو أبواب الغد المشرق، لا لتدق عليها وتستأذن فى الدخول؛ ولكن لتقتحمها بقوة العلم والعمل، وبدافع العزيمة والأمل، وبسواعد أبنائها الذين يؤمنون بأنفسهم وبإمكانياتهم وطاقاتهم المبدعة، لتعود مصر إلى مكانها الطبيعى على خارطة التقدم والنماء.


مواضيع متعلقة