القضاء الإداري يلزم التأمين الصحي بعلاج طفلة مريضة بـ"التوحد"

كتب: إبراهيم رشوان وأحمد حفنى

القضاء الإداري يلزم التأمين الصحي بعلاج طفلة مريضة بـ"التوحد"

القضاء الإداري يلزم التأمين الصحي بعلاج طفلة مريضة بـ"التوحد"

قضت محكمة القضاء الإداري في الإسكندرية "دائرة البحيرة"، بوقف تنفيذ قرار رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، بالامتناع عن صرف الدواء المقرر لعلاج الطفلة "ياسمين علي عبدالكريم الحوفي"، من قرية "الضهرية" مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، من مرض "التوحد متوسط الشدة"، المتمثل في عقار Efalex  وMemexa و Cerebrocetam شراب، وما يترتب على ذلك من آثار.

وألزمت المحكمة، هيئة التأمين الصحي، بتشكيل فريق طبي متكامل، بين طبيب أطفال متخصص في النمو، وطبيب نفسي، وطبيب تخاطب للطفلة، وعرض حالتها دوريا لتقرير مدى حالتها الصحية، كما أمرت بتنفيذ الحكم بمسودته دون إعلان، كما ألزمت الهيئة بالمصروفات.

وأكدت المحكمة خلال جلسة اليوم، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين صالح كشك ومحمد حراز، نائبي رئيس مجلس الدولة، أن التدخل المبكر لعلاج الأطفال المرضى بـ"التوحد"، هو العامل الجوهري لسرعة ونجاح مواجهته، بخاصة في السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، التي يستطيع خلالها اكتساب المهارات بصورة أكثر إيجابية من اكتسابها في المراحل العمرية الأخرى، إضافة إلى حدوث تغييرات ملحوظة في حياة الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.

ولفتت المحكمة، إلى أنه يتوجب على التأمين الصحي ووزير الصحة، الإسراع في إنقاذ الأطفال المصابين بـ"التوحد"، مما يعانونه من صعوبات، كي لا تسوء حالتهم في العلاقات الاجتماعية المتبادلة واللغة والسلوك، بخاصة أن هناك توعية دولية عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة بـ"التوحد"، وتخصيص 2 أبريل يوما عالميا للتوعية، دعما لحقوق الأطفال المصابين به، ولدمجهم في المجتمع، ولفت انتباه أعضاء الجماعة الدولية لهم، ويتعين على الجهة الإدارية أن تأخذ من مسلك المجتمع الدولي ومصر عضو بارز فيه، العبرة والعظة بأن تحنو على هؤلاء الأطفال، لا أن تقسو وتعاقبهم بالحرمان من العلاج.

وذكرت المحكمة في حيثياتها، أنه يجب ألا يغيب عن ذهن الجهة الإدارية المدعى عليها، المتمثلة في هيئة التأمين الصحي ووزير الصحة، أن مرض "التوحد" لدى الأطفال Autism هو مرض العصر بحسبانه إعاقة متعلقة بالنمو، وطبقا لرأي علماء الطب، عادة ما تظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، وهي تنجم عن اضطراب في الجهاز العصبي، ما يؤثر على وظائف المخ، ويكون انتشار الاضطراب مع الأعراض السلوكية المصاحبة له، ومن ثم فإن التدخل المبكر لعلاج الأطفال المرضى بـ"التوحد"، هو العامل الجوهري لسرعة ونجاح علاج المرض، بخاصة أن السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، هي التي يستطيع خلالها اكتساب المهارات بصورة أكثر إيجابية من اكتسابها في المراحل العمرية الأخرى.

وأضافت المحكمة، أن التأمين الصحي ووزير الصحة بحكم تخصصهما في المجال الطبي، يدركان أن العلاج المكثف والمبكر يمكنه أن يحدث تغييرا ملحوظا وجديا في حياة الأطفال المصابين بهذا الاضطراب، ما يقتضي الإسراع في إنقاذهم مما يعانونه من صعوبات، كي لا تسوء حالتهم في العلاقات الاجتماعية المتبادلة واللغة والسلوك، فعلاج الطفل المتوحد على نحو ما ذهب إليه رجال الطب، يحتاج إلى فريق طبي متكامل، بين طبيب أطفال متخصص في النمو، وطبيب نفسي وطبيب تخاطب، كما أن العلاج الدوائي يهدف لتخفيف حدة الأعراض، ومن ثم فإن امتناع أو تباطؤ من ألزمهما القانون عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة للأطفال المصابين بـ"التوحد" لمن لم يدخل المدرسة، يعد "جريمة مؤثمة ضد الطفولة".

وأوضحت المحكمة، أن التأمين الصحي ووزير الصحة، يعلمان بأنه نظرا لخطورة مرض "التوحد" عند الأطفال الصغار على المستوى الدولي، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت في ديسمبر 2007 بموجب قرارها رقم 139/62، يوم 2 أبريل من كل عام بوصفه اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، دعما لحقوق الأطفال المصابين به، وتشجيعا لهم على دمجهم في المجتمع، وتوفير فرص حياة كريمة لهم، وليس في هذا الموقف الدولي سوى تعبير من الجماعة الدولية، عن أهمية علاج وخطورة المرض، ما يتوجب على الجهة الإدارية مراعاته، والعمل على هديه بأن تأخذ من مسلك المجتمع الدولي ومصر عضو بارز فيه، العبرة والعظة لتحنو على الأطفال من مرضى "التوحد".

وأشارت المحكمة إلى أن المشرع أنشأ بموجب المرسوم بقانون رقم 86 لسنة 2012 المشار إليه، نظاما للتأمين الصحي على جميع المواليد والأطفال الرضع، ومن هم دون سن الدراسي، حيث ألزم الهيئة العامة للتأمين الصحي، بتقديم الخدمات العلاجية والتأهيلية والخدمات الطبية لهم، والفحص بالأشعة والبحوث المعملية وغيرها من الفحوص الطبية والعلاج، والإقامة في المستشفى أو المصحة أو المركز التخصصي، وإجراء العمليات الجراحية وأنواع العلاج الأخرى، وصرف الأدوية اللازمة للعلاج، فضلا عن الخدمات الصحية الأخرى، مثل التحصين ضد الأمراض، ويكون علاج الطفل ورعايته طبيا مدة انتفاعه، حتى يشفى أو تستقر حالته، وهذا الالتزام بالعلاج لا مناص من تحقيقه ولا سبيل للفكاك منه، باعتباره حقا من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الطفل في بلده، وتوفره الدولة له، ولا وجه لحرمانه منه، فإذا امتنعت الدولة عن أداء الالتزام دون سند مشروع، فإن مسلكها في هذا الشأن يعد قرارا سلبيا غير مشروع.

واستطردت المحكمة، أن التأخير في منح الطفلة جرعات العلاج الدوائي، وتشكيل فريق طبي في النمو النفسي والتخاطب، يعرض حياتها للخطر ويحرمها من حقها في العلاج المجاني، ويمس حقها في الحياة الكريمة، وهما حقين دستوريين، ويتوجب على الدولة ممثلة في هيئة التأمين الصحي ووزير الصحة، بذل العناية اللازمة لتخفيف معاناة الأطفال المرضى الذين يطرقون باب العدالة الذي لا يوصد في وجهه طارق، وبحسبان أن مرض "التوحد" وكما ذهب أهل التخصص من علماء الطب، من الإعاقات التطورية الصعبة بالنسبة للطفل وأسرته، حيث يعاني الصغير من مشاكل في التفاعل الاجتماعي وتأخر في النمو الإدراكي وفي الكلام وفي تطور اللغة، إضافة إلى البطء في المهارات التعليمية، كما يعاني‏ نسبة منهم من حالات صرع ومن الحركات الزائدة، وعدم القدرة على التركيز والاستيعاب‏، ولا ريب أن العلاج المكثف والمبكر قدر الإمكان، يمكنه أن يحدث تغييرا ملحوظا وجديا في حياة الأطفال المصابين بـ"التوحد"، وهو ما لا يجب أن يغيب عن عقيدتها، ما يستنهض همة التأمين الصحي ووزير الصحة، بعلاجهم ‏وشمولهم بالرعاية الصحية والعلاج المجاني، وهو من أخص حقوقهم الدستورية الأصيلة.

واختتمت المحكمة حكمها، بأن الطفلة ياسمين عبدالكريم الحوفي (3 أعوام) مؤمن عليها لدى الهيئة العامة للتأمين الصحي، طبقا للمرسوم بقانون رقم 86 لسنة 2012، وأن والدها فقير عامل باليومية، ويقيم بقرية الظهرية بإيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وأن الطفلة تعاني من مرض "لتوحد متوسط الشدة" وتحتاج إلى الدواء العلاجي المتمثل في عقار "إيفالكس شراب" و"ميميكسا شراب" و"سربيوستام شراب"، فضلا عن تخصيص فريق طبي متكامل لها من طبيب أطفال متخصص في النمو وطبيب نفسي وطبيب تخاطب، فمن ثم تلتزم هيئة التأمين الصحي بتوفير ما تقدم وبما يتناسب مع تطور حالتها الصحية بصفة دائمة ومنتظمة دون تأخير، وعلى التأمين الصحي ووزير الصحة، أن يسعيان إلى علاجها في الحال دون تأجيلها للغد، ودون تقسيط أو تقطير في علاجها، فلن يستطيع الأطفال أن يلبسوا ثوب العافية إلا إذا أدت الدولة واجبها الدستوري والقانوني والإنساني نحوهم، وبهذه المثابة يشكل امتناع الجهة الإدارية المدعى عليها عن صرف الأدوية المشار إليها للطفلة، قرارا سلبيا مخالفا لأحكام الدستور والقانون.


مواضيع متعلقة