د.سليم عبد الوهاب الخراط يكتب: ين "هالات التقديس" و"اللعنات".. "الربيع العربي" وتفجير الأزمة السورية

كتب: د . سليم عبد الوهاب الخراط

د.سليم عبد الوهاب الخراط يكتب: ين "هالات التقديس" و"اللعنات".. "الربيع العربي" وتفجير الأزمة السورية

د.سليم عبد الوهاب الخراط يكتب: ين "هالات التقديس" و"اللعنات".. "الربيع العربي" وتفجير الأزمة السورية

مع الذكرى السنوية الخامسة لثورات الربيع العربي، الممنهجة والمعدة؛ لتحقيق عالم جديد عبر بركان الفوضى الخلاقة، والتي بدأت دراساتها والإعداد لها بدءا من تاريخ تطبيق وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر لنظريته في سياسة الخطوة خطوة، وصولا إلى وزيرة الخارجية الأمريكية كونزاليزا رايس، والفوضى الخلاقة عبر الربيع العربي المزعوم، وسط تجاذب غير مسبوق عن حصادها وأهدافها، والأهم بشأن قيمتها وجدواها.

فما بين هالات التقديس واللعنات، تهل علينا الذكرى لهذا الربيع المفترض بل المزعوم، ومن خلال ذكرى ربيع ثورة الياسمين في تونس، إلى ربيع الثورة الشبابية المصرية الجبارة في يناير، والموجات الارتدادية عبر المنطقة ككل، لابد من دراسة وتحليل هذه الحالة الاستقطابية بدقة، لفتح المجال والنقاش الجاد بشأن أسبابها وتداعياتها، من خلال تسليط الضوء على الطبيعة المزدوجة للانتقال الديمقراطي المفترض بشكل عام وتجلياته في صيغته الربيعية العربية.

ووفقا للطرح، فالانتقال الديمقراطي المفترض والمزعوم كما نراه، يتسم بطبيعة ذات ميزة ثنائية، فيؤثر عن طريق طرفين، أحدهما إيديولوجيا يتعلق بالنزوع العام للفكرة الديمقراطية من حيث المبادئ والحريات والأشكال الإجرائية المرتبطة بها، والآخر يرتبط بالحدث ومكانه وزمانه أكثر خصوصية ، حيث يرتبط باللحظة الراهنة في الدولة أو المنطقة محل التحول زمانا، ومكانا، وارتباطه بقوى فاعلة، وقد تلعب فيه المصادفة دورا من حيث تفاعلها مع تلك المبادئ الديمقراطية العامة، وتأثيرها على مخرجات عملية الانتقال وأهدافها المرجوة، بل وأحيانا تفريغها وطمسها من مضمونها.

وفي ضوء هذا التحليل المبسط، فإن الحصاد المختلط الناتج وعلى أفضل تقدير للربيع العربي المزعوم، والممنهج في إطلاقه في هذا المرحلة من تاريخ الشعوب، وكياناتها وتحولاتها المتعددة في شتى التوجهات، معتمدة أساسا لهذه التحولات الاستراتيجية العقائدية في تحديد توجهاتها، وهو نتيجة متوقعة وطبيعية للحظة تحول غير مواتية دوليا، ونقاط بداية بالغة التعقيد والتدني محليا، بكل ما حمله إرث المرحلة السابقة على انطلاق الثورات من صعوبات .

ومن خلال هذا السياق الذي يتم تداوله، يتناول الكثيرون الذكرى الـ5 لثورات الربيع العربي في تونس ومصر، والأهم حقيقتها في سورية من أين وإلى أين..؟، عبر تحليلات يغلب عليها الشجون لما آلت إليه، وهو ما يبرز في تساؤل أي مقال وعنوانه بشأن ماذا تبقى من هذه الثورات..؟!، وما بين محاكمة أخطاء الفاعلين والمسببين في حالة الحدث القائم على تفجير ما يعتقدون بأنه ثورة، ورصد مجموع عدد الفرص الضائعة، والمكتسبات المتبددة والضائعة، أتت معظم التحليلات عشية الذكرى الخامسة لهذا الربيع المزعوم، وانطلاقا من يناير ثورة الشعب المصري بقيادة شبابه وتضحياتهم الجسام، مشوبة بنوع من الإجماع أن  الطاقة الإيجابية  التي ولدتها ثورة يناير المصرية على مختلف الأصعدة قد استنفذت أو أوشكت على النفاذ، مقارنة مع مآلاتها في ما يعتقد البعض أنها ثورة سورية تحمل في ما بين جنبيها ربيع يعتقد أنه عربي، وهو زائف بالمطلق، على ضوء النتائج الكارثية لهذه الأزمة في سورية .

أما الوجه الآخر للصورة، فيتناوله القسم الأخر من الدراسة والتحليل يتعلق بقضايا البلد تحديدا وتشعباتها وملفاتها، والذي بدوره يقدم ملفات خاصة عن مجمل القضايا الخلافية وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية المقبلة، من خلال العديد من التحليلات المتعمقة حول إطارها  المنظم، ومضامينها الأساسية، والنتائج التي يمكن أن تفرزها وتصل إليها، فضلا عن السياق الاجتماعي والتحالفات السياسية المفترضة التي ستدور في إطارها ما بين مجموع القوى كاملة.

وإذا كانت الأهداف المرجو تحقيقها مخيبة، إذا قيست بمقياس مضمون ثورة، والأمثلة متوفرة، اليوم، من تونس إلى مصر وثورتها يناير فهل تستطيع مثل هذه الثورات التي رفعت سقف الحلم، التوصل إلى الانتخابات البرلمانية المطلوبة ديمقراطيا وبحرية مطلقة، وهنا نجد أن دراستها تعطي صورة واقعية مركبة عن تعقيدات العملية الانتقالية، وستضع أي من الانتخابات المقبلة في سياق مضي وإرث البرلمانات السابقة الممتد.

 كما نراها وهي ترصد مجموعة الظواهر المستجدة على الساحة السياسية بشكل عام، والتي حتما ستظهرها أي انتخابات مقبلة، إيجابياتها المطلوبة مثل: "تصاعد التمثيل السياسي الحزبي، وتمثيل المرأة، وابتعاد العنف عن المشهد الانتخابي".

 وسلبياتها من قبيل: "تصاعد دور المال السياسي، وهيمنته على الانتخابات وتوجهاتها في الشارع الشعبي العام، وإعادة نفوذ ودور العصبيات القبلية نتيجة الأزمة، وتفاقمها وكذلك الخدمات، فضلا عن انتخابات أخرى يتناولها هذا البحث المفتوح، كـ"انتخابات النقابات والاتحادات والجمعيات"، والتي تقع على مسافة وسط بين الحلم والواقع، وتقدم رسائل إيجابية عن الدفاع عن الحريات والحقوق.

وهنا يحتم علينا الواجب، التقدم بالأولويات في الملفات، وأولها ملف تناول أزمة اللاجئين السوريين من جوانبها الإنسانية والأخلاقية والسياسية والقانونية، بالتركيز على تفاعلاتها الأخيرة خاصة مع موجات اللاجئين السوريين "المهجرين قصرا من المناطق الساخنة"، والذين تحول حلمهم في ظل ثورة وحرية "تم ادعاؤها"، إلى كابوس ترويه صور وأعداد مجموعاتهم الغرقى والقتلى، ويقوم على تسويقه أعداء الربيع العربي الممنهجين له أصلا، وعبر إمكاناتهم الإعلامية الضخمة واللامحدودة، باعتباره درسا وعبرة لطالبي الحرية والثورات، وهو في الوقت ذاته  تحذيرا من كابوس اللا دولة وتلاشي الدولة، وإلى جانبها سيناريو الرعب والفوضى، هذا السيناريو الذي يفرض نفسه في تحولات المنطقة، والذي تحدث تفاعلاته على أرضية هشة، تجعل احتمالات الفوضى أو اللا نظام غير مستبعدة.

 في ذات الوقت، تذكرنا دراسات الملف وكل ما كتب عنه، أن الهجرة ليست وليدة الربيع، فقد سبقتها عقود وموجات من الهجرات وأزمات اللجوء المستعصية والمنسية، كما تلفت أن المأساة الإنسانية للاجئين السوريين هي دائما على مائدة السياسة الداخلية إنسانيا بفعل كونهم مواطنين سوريين يستوجب الواجب الوطني، أن يكونوا حاضرين في أوليات ملفات بلدهم، وأصبحت كذلك على الموائد الإقليمية، والعالمية، حيث طالت هذه البلدان وفي أوروبة تحديدا حين قرعت صور الأطفال السوريين الغرقى أجراس الوجدان والضمير الإنساني.

 كما ترصد مؤكدة في بعض المقالات الخاصة في هذا الملف والمبنية على بحث ميداني شمل لاجئات سوريات بشكل خاص، والكثير من العربيات ومنهم العراقيات، مدى ما يعانونه من ويلات العنف في المعاملة من ناحية، ومن الجماعات المسلحة المنفلتة من ناحية أخرى.

 فيما سلطت مقالات أخرى الضوء على ويلات ومآسي طريق النزوح والهروب واللجوء عبر المتوسط، والذي أصبح أكثر البحار فتكا باللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين.

 وأخيرا فإن من يتمكنون من الهروب من ويلات ومآسي وأزمات أوطانهم، يصادفون أوضاعا قانونية شائكة في بعض دول الجوار المضيفة، وهي في واقعها شاهدة اليوم، حيث يتم من بعض هذه الدول المتاجرة باللاجئين أمام القوى الدولية والأممية، أو الدول المستقبلة في أوروبا، وهنا بدأنا نرصد المقالات التي بدأت تكتب عن هذا الملف، بما تتضمنه من تصاعد لنزعات اليمين العنصري في هذه البلدان،  فضلا عن بعض حالات الاعتداءات المباشرة على اللاجئين والمهاجرين في بعض هذه الدول، وما عكسته من صور للمعاملات السيئة التي طالت هؤلاء المهاجرين لتضاف إلى مآسيهم.

إننا نتطلع نحن السوريون، أنه وبدءا من الولايات المتحدة الأمريكية ومشاريعها التوسعية في المنطقة، حيث مرت منطقتنا في شرق البحر الأبيض المتوسط بعدة مشاريع أمريكية تهدف إلى نفس النتيجة، وتعددت أشكالها وتسمياتها، من مشروع النقاط الست إلى الشرق الأوسط الكبير، إلى الشرق الأوسط الجديد، وصولا إلى الربيع العربي، ومع كل تسمية لمشروع تتلافى الولايات المتحدة  أسباب فشل المشروع الأول مع قراءة ثابتة للواقع الجديد، مع المعطيات المتغيرة والمزاج العام، وربطها في التحولات الدولية والاقتصادية في العالم، ودور التحالفات الجديدة والمنافسة مع القطب الروسي العملاق ودوره في العالم؛ لتخلص من الأحادية الأمريكية وتعطيلها لأي عمل سياسي يتنافى مع الخروج من هيمنتها على العالم، ومن هنا جاء المشروع الجديد للمنطقة الذي استهدف بدوره الجمهوريات العربية تحديدا، ومن دون سواها، من المشيخات والإمارات والممالك والسلطنات المنخرطة بالمشروع الأمريكي الملزم بكافة أجنداته.

لقد دعت كونزاليزا رايس، إبان حرب العراق وبعدها؛ للأخذ بنظرية الفوضى الخلاقة، وما تحققه من مكاسب وبطبيعة الحال فإن هذه الفوضى لا تخدم المصلحة الأمريكية في كافة الجوانب، ومن هنا جاء الربط بين تطلعات الشعب العربي؛ للنهوض بواقعه الاقتصادي والاجتماعي؛ وتطلعه للحرية والمساواة، وهذه القيم النبيلة والمتفاوتة ما بين جمهورية عربية  وأخرى مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي لكل بلد لأن العامل الاقتصادي هو العنصر الأهم في هذا المشروع.

ومن هنا جاء الإيعاز إلى حلفائها وشركاؤها في الخليج العربي إلى الإسراع في إطلاق تشريعات اقتصادية، ومنح تسهيلات كبيرة في المجال المصرفي، وفي كل الجوانب الاقتصادية الأخرى، ومما لا بد منه والعمل عليه لتطبيق هذه الرؤيا، الاستغناء عن حلفاء الأمس، كي يتحقق الهدف المنشود في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ لإحكام السيطرة على سورية رمز الصمود والمقاومة وثقافتها، والممانعة لأي مشروع لا يخدم المصلحة الوطنية والقومية العربية العليا.

لقد بدأ الترويج لهذا المشروع على مبدأ "الدومينو"، مبتدئا بدولة تونس ومن ثم ليبيا فدولة مصر العربية، وصولا إلى الجمهورية العربية السورية، التي بدورها ومن خلال صمودها السنوات الـ5 في وجه أعتا المؤامرات، أدخلت هذه النظرية في منحى جديد، أدى إلى "انقلاب السحر على الساحر الأمريكي ومعه كل شركاؤه"، وخروج الصين وروسيا عن صمتهما لما يدور في المنطقة، ودخول العالم عبر منظومته الأممية في مجلس الأمن الدولي، في مرحلة جديدة ليس للإدارة الأمريكية فيه حق الانفراد بقرارات المجتمع الدولي.

وجاءت قرارات "حق الفيتو" المتكررة والمتتالية لأصدقاء سورية، ودخول روسيا مباشرة إلى جانب سورية في حربها المباشرة على الإرهاب بعد توضح معالم وحقائق صورة الأعمال الدرامية للحلف الأمريكي المزعوم، وزيادة انتشار مناطق هذه المجموعات الإرهابية  في دول عدة خاصة في العراق وسورية على مختلف تعدد أسمائها.

ويثبت ذلك للقارئ الموضوعي، والتحليل الدقيق، ومقارنة التصريحات الأمريكية بأفعالها، نجد أن هذه المشروع ليس إلا إعادة تسمية للمشاريع القديمة الهادفة إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية وسيطرتها على منابع الثروات، وحفظ الأمن للكيان الصهيوني من خلال تفتيت المنطقة إلى كانتونات طائفية متحاربة، متجاهلة للتاريخ والدم المشترك والحقائق التي لا يمكن إنكارها وعملية دس السم  لتحقيق هذا الغرض.

لقد سقط هذا المشروع عندما أعتاب سورية الصامدة، وفي مواجهة وعي الشعب العربي السوري، والقيادة السورية، ومحور المقاومة والممانعة، والأصدقاء الداعي للسلام والمساواة وتحقيق قيم ومبادئ القانون الدولي، وحفظ سيادة الدول التي انشئ على أساسها منظمة الأمم المتحدة.

وختاما هنا، لا بد لنا أن نتوجه بالقول لكل أعداء المنطقة وأمتنا العربية، أن عليكم قراءة التاريخ كي تعو أن هذه الأرض المباركة، والتي هي مهد الأديان كلها، قدمت للبشرية جمعاء، قيم المحبة والسلام، وهي من قدمت أول أبجدية للعالم، ولفظت كل مستعمر غازي، إن كان بالقوة العسكرية، أو بالقوة الناعمة، والتاريخ يقدم العبرة والدليل. 

الدكتور سليم عبدالوهاب الخراط الأمين العام لحزب التضامن الوطني الديمقراطي، المنسق العام لائتلاف قوى التكتل الوطني الديمقراطي.

 

 

 


مواضيع متعلقة