تعديل «الخدمة المدنية» لا يكفى

واضح أن ثمة إصراراً على تمرير قانون الخدمة المدنية، بإعادته مرة أخرى إلى مجلس النواب للموافقة عليه، بعد تعديل عدد من المواد التى يشتمل عليها والتى أثارت قلق الموظفين. وقد أكد المستشار مجدى العجاتى، وزير الدولة للشئون القانونية، أن الحكومة ستقترح تعديلات على القانون ليتم عرضه على البرلمان مرة أخرى، بناء على أسباب الرفض. يأتى هذا التحرك عقب ما أثاره الرئيس عبدالفتاح السيسى من ملاحظات حول رفض مجلس النواب للقانون فى كلمته خلال الاحتفال بعيد الشرطة، فقد أكد الرئيس أن الكل يطالبه بالإصلاح والتقدم، ورغم ذلك تقابل القوانين الإصلاحية بالرفض والتعنت.

الرئيس عنده حق بالطبع، فالقانون يحتوى على العديد من الجوانب التى ستؤدى إلى علاج الكثير من سلبيات الجهاز الوظيفى فى مصر، وهو يحتوى أيضاً على بعض المواد التى عبّر كثير من الموظفين عن اعتراضهم عليها، ومن الواضح أن الحكومة ستتعامل معها بالتعديل، لكن يبقى أن التعديل وحده لا يكفى لتحقيق الإصلاح. عتاب الرئيس فى محله، لكن المطالبة بتطبيق القانون -حتى بعد تعديله- على قطاعات وظيفية معينة لا يكفى.

لعلك تعلم أن قانون الخدمة المدنية صدر فى مارس 2014. بعد ذلك بشهرين أصدر الرئيس القرار رقم 188 لسنة 2015 باستثناء كل من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء من مادتين بالقانون، أولاهما المادة المتعلقة بالتعيين عن طريق المسابقات، وثانيتهما المادة المتصلة بمدة شغل الوظيفة. إننى أتفق مع الرئيس فى حتمية الإصلاح لكننى أسأله: هل مسألة «الاستثناء» تتناغم مع مفهوم «الإصلاح»، فى تقديرى أن الاستثناء يضرب «الإصلاح» من الجذور، اللهم إلا إذا كانت هناك وجهة نظر أخرى! هل من المنطقى مثلاً أن يضع معلّم معايير معينة لتصحيح إجابات تلامذته، حتى يضمن إصلاح أوضاع الخريجين، ثم يأتى بعد ذلك ويستثنى تلميذاً منهم لأنه نجله أو أحد أفراد عائلته؟ أتصور أن الاستثناء هنا يهز ثقة باقى «التلامذة» فى الجدوى الإصلاحية للمعايير التى وضعها المعلم.

كل المتابعات التى رصدت ردود فعل الموظفين حول هذا القانون نقلت غضب بعضهم من تمييز قطاعات وظيفية معينة، بمرتبات كبيرة ومكتسبات عديدة أساسها الفئة الوظيفية التى ينتمون إليها، واستثنائهم من تطبيق قانون الخدمة المدنية تحت يافطة «الجهات ذات الطبيعة الخاصة»، الأمر الذى يعنى أن ثمة موظفاً «ملاكى» أو «عمومى» سيطبق عليه القانون، وموظفاً آخر «خاص» أو «خصوصى» سيتم استثناؤه من جل أو كل مواده. وتذكرنى عبارة «الجهات ذات الطبيعة الخاصة»، بعبارة «الكفاءات النادرة» التى سيطرت على أحاديث البعض أيام طرح الموضوع المغفور له «الحد الأقصى للأجور»!.

نحن مع الإصلاح، ولا نشكك فى أن قانون الخدمة المدنية يحتوى على الكثير من البنود التى ستساهم فى تصحيح أوضاع الجهاز الإدارى فى مصر، لكننا ضد استثناء أى فئة منه، أو من أى مادة من مواده، فالتطبيق العادل للقانون على الجميع هو الذى سيقودنا إلى التقدم والإصلاح. طبقوا القانون على الجميع، لأن الإصلاح أساسه «العدالة» وليس «الاستثناء»!.