خبراء: مادة الرعاية الصحية بالدستور الجديد «كارثية» وتمنح الصحة للأغنياء وتقضى على العلاج المجانى
خبراء: مادة الرعاية الصحية بالدستور الجديد «كارثية» وتمنح الصحة للأغنياء وتقضى على العلاج المجانى
رغم تهالك المنظومة الصحية فى مصر ومعاناة المواطنين تحمل التكلفة العالية للعلاج فى ظل اختفاء العلاج المجانى واقتصار الخدمات التى يقدمها التأمين الصحى على 50% فقط من الشعب المصرى وانتشار الأمراض المزمنة التى باتت تهدد حياة المواطنين، وفى مقدمتها الفيروسات الكبدية التى أصابت أكثر من 22% من الشعب المصرى، جاءت مادة الرعاية الصحية فى الدستور الجديد مطاطة ومبهمة، وتحرم المواطنين من آخر أمل لهم فى حقهم بالعلاج بمنظومة صحية تتوافر بها مختلف الخدمات.
وأجمع الخبراء المهتمون بالرعاية الصحية على رفض مادة الصحة بالدستور الجديد، ووصفوها بـ«الكارثية» وتفتح الباب أمام المتاجرة بآلام المرضى وتنسف مبدأ العلاج المجانى للمواطنين، فضلا عن تقديم خدمات أفضل للأغنياء، وأشاروا إلى احتواء المادة على العديد من المصطلحات المطاطة التى لم تحدد آليات تنفيذها بشكل واضح.
وقالت الدكتورة منى مينا، عضو مجلس نقابة الأطباء المتحدث باسم حركة «أطباء بلا حقوق»: إن مادة الرعاية الصحية بالدستور الجديد كارثية، وتمثل عودة للوراء، خصوصاً أنها قصرت العلاج المجانى على القادرين دون تحديد واضح للفئات غير القادرة.
وأضافت لـ«الوطن» أن المادة نصت على التزام الدولة بتقديم العلاج فى الحالات الطارئة فقط دون تحديد هل هو مجانى أم بأجر، كما أنها تفتح الباب أمام التوسع فى علاج المواطنين بأجر، خصوصاً أنه لم ينص صراحةً على ضمان العلاج المجانى لجميع فئات الشعب. وأشارت إلى أن نص المادة احتوى على مصطلح مطاط خاص بتحديد موازنة الصحة، وذلك بالنص على تمويل الصحة من خلال نسبة كافية من الدخل القومى دون تحديد تلك النسبة.
وأشارت «مينا» إلى اقتصار مادة الرعاية الصحية بالدستور على التزام الدولة بتقديم الخدمات الصحية بحالات الطوارئ، وأضافت أن الدولة من المفترض أن تكون ملزمة بتقديم الرعاية الصحية بجميع الحالات، خصوصاً أن هناك بعض الأمراض التى من المفترض أن تلتزم الدولة بتقديمها للمواطنين لعدم قدرة الأغلبية منهم على التكفل بها، مثل الفشل الكلوى والعناية المركزة والجراحات الكبرى كالقلب المفتوح.
وأوضحت أن هذه المادة أكدت أيضا التزام الدولة بتوفير خدمات الرعاية الصحية والتأمين الصحى بالمجان لغير القادرين، دون تحديد من هم غير القادرين بدقة، وأشارت إلى أن عدم وجود نص واضح يمنع خصخصة الخدمات الصحية يفتح الباب أمام الخدمات التجارية، وإضافة عبء على المريض بتحميله رسوما ومساهمات أثناء تلقيه الخدمة العلاجية وفقا لهذا النظام.
وقال الدكتور إيهاب الطاهر، أمين عام نقابة «أطباء القاهرة»: إن مادة الصحة بالدستور لم تذكر أن الرعاية الصحية ستقدم للجميع دون تمييز لأى سبب، ومن ثم فإن الدولة سيمكنها تقديم خدمة أفضل للمواطن الغنى، وأشار إلى أن المادة لم تذكر أن الرعاية الصحية ستغطى جميع الأمراض، بل اكتفت بضمان الدولة لعلاج حالات الطوارئ، فضلا عن أنها لم تذكر النهوض بمقدمى الخدمة الصحية، كما أنها لم تذكر الاهتمام بالفئات العمرية الحرجة، وكأن أطفالنا وشيوخنا ليس لهم أى اهتمام خاص، ولم تذكر معايير تقديم الخدمة الصحية من حيث الجودة والمقبولية والإتاحة والحماية والتطور، وهذا يتيح للدولة فرصة تقديم نفس الرعاية الصحية الحالية المتدنية التى لا تليق بالشعب المصرى.
وأوضح أن مادة الرعاية الصحية لم تذكر التزام الدولة بالإنفاق على القطاع الصحى بنسبة من الموازنة لا تقل عن متوسط النسب العالمية، وهذا الأمر يدل على استمرار عدم الاهتمام بصحة الشعب؛ إذ إنه لا يمكن تقديم رعاية صحية حقيقية دون إنفاق مناسب، كما أنها لم تذكر رعاية الأمراض المزمنة التى تعصف بصحة الشعب وتحتاج لزراعة الأعضاء.
وأشار الطاهر إلى أن الصياغة المطلوبة اقترحتها نقابة الأطباء عن طريق ممثلها بالجمعية التأسيسية الدكتور خيرى عبدالدايم، نقيب الأطباء، بعد دراسة فقرات الصحة فيما يقرب من 30 دستورا من دساتير العالم، ودستور منظمة الصحة العالمية، لكن للأسف الشديد عُدلت الصياغة إلى الأسوأ.
من جانبه، أكد الدكتور علاء غنام، مدير برنامج الصحة فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن النصوص الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى دستور 1971 الملغى تشوبها الكثير من العيوب، على رأسها أنها أتت مائعة غامضة وغير مفصلة، وأن ثمة خلطا كبيرا بين مفهومى الحق والخدمة العامة على نحو لا يوضح صراحة طبيعة التزام الدولة إزاء مواطنيها، كما أن دستور 71 جاء فى صيغـة دستور المنحة من الرئيس الأسبق، ولم يعكس مطالبات اجتماعية واقتصادية ناضجة، فأتت الصياغات فضفاضة تعبر عن النوايا الحسنة ولا تعكس التزامات صريحة.
وأشار إلى أن النصوص الخاصة بالصحة فى دستور 1971 فى المادتين 16 و17 تنص على كفالة الدولة للخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية والتأمين الاجتماعى والصحى ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة للمواطنين جميعا وفقا للقانون، وشدد على أن تلك النصوص لا تعكس التزامات مصر الواردة فى المواثيق الدولية، ولا ترقى لما يصبو إليه المصريون بعد الثورة؛ لأنها شديدة العمومية والإبهام من حيث عدم اشتمالها على ما يضمن تنفيذ الالتزام بمحتوى الحق فى الصحة والحماية الاجتماعية، بل إن هاتين المادتين فى حد ذاتهما لا تضمنان هذا الحق الذى ظل غير محقق رغم مرور 40 سنة على وضع هذه المواد.
وأضاف أن التأمين الصحى لا يغطى سوى 50% من المصريين عموما، بينما يظل البعض الآخر الأكثر احتياجا وفقرا مهمشا دون أدنى حماية أو تأمين ضد المخاطر الصحية، ولا يزال الجزء الغالب على الإنفاق الكلى على الصحة يخرج من جيوب المواطنين مباشرة بنسبة تفوق 70% من إجمالى الإنفاق، بما يعنى أن عبء العلاج يقع فعليا على المواطنين، بينما لا تتكفل نظم التأمين العام بشىء عنهم، وليس بخافٍ على أحد أن المؤشرات الصحية فى مصر تظهر انحيازا شديدا على حساب الأكثر فقرا؛ حيث يستفيد الأغنياء نسبيا من غالب الخدمات العامة.
وأوضح غنام أن النصوص السابقة بدستور 71 سمحت بانتهاك الحق فى الصحة بصورة أساسية للأكثر فقرا وتهميشا، فضلا عن أن السياسات والبرامج الخاصة بالصحة العامة تصاغ دون اعتبار للمحددات الاجتماعية للصحة دون إيلاء الاهتمام الكافى بمبدأ عدم التمييز ومبادئ حقوق الإنسان الأخرى. وأشار إلى أن مادة الرعاية الصحية فى الدستور الجديد تحتوى على نفس العيوب بدستور 71 إن لم تكن أشد سوءاً.
وطالب بضرورة أن تنص المادة بشكل مفصل وواضح لا يحتمل اللبس ولا التأويل، وذلك عن طريق النص صراحة على التزام الدولة بالوفاء والحماية للحق فى الصحة لجميع المواطنين باعتباره حقا إنسانيا تكفله الدولة دون تمييز عبر وضع سياسات اجتماعية واقتصادية تهدف لخفض وتوزيع أعباء المرض وتوفير وإتاحة الخدمات الصحية بما يشمل الوقاية والعلاج والتوعية وهو ما لم يتحقق بالمادة الجديدة، فضلا عن أنه كان يجب أن يتطرق النص لجودة الخدمات الطبية المقدمة باعتبارها جزءا أصيلا من التزام الدولة؛ لأن خدمة دون جودة لن تفى بالحق فى الصحة.
وشدد على ضرورة أن يتضمن النص التزام الدولة بتأسيس نظام صحى موحد تتكامل مستويات الخدمة من خلاله ويعطى أولوية كاملة للصحة العامة والوقاية وتحفيز المشاركة المجتمعية فى إدارته ومراقبته، مع عدم انحصار هذا الالتزام بالحق فى الصحة فى تقديم الرعاية الصحية، وإنما يمتد لتوفير العوامل المحددة الأساسية للصحة مثل المياه الصالحة للشرب والصرف الصحى والغذاء المأمون والسكن والظروف المهنية المناسبة والعوامل البيئية المواتية.
من جانبها، أكدت لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، خلال دراسة صادرة عنها مؤخرا، ضرورة التزام الدولة بأن الصحة تعتبر حقاً اجتماعياً أساسياً، وأنها جزء من الحق فى الحياة، بجانب التأمين الصحى الاجتماعى الشامل الذى يشمل كل المواطنين من خلال مبدأ التكافل الاجتماعى، على أن تموَّل الخدمات الصحية من الدولة التى تختص بجميع الخدمات الوقائية ورعاية الأمومة والطفولة ورعاية المعاقين والصحة العامة والمساهمة فى تكاليف العلاج وفى رعاية غير القادرين، وذلك عن طريق توحيد هيكل الخدمات الحكومية فى هيكل تأمينى غير ربحى.
وطالبت اللجنة بضرورة النص على مضاعفة الإنفاق الصحى بمقدار 3 أضعاف ليبلغ 15% من الإنفاق الحكومى، بجانب إلزام التأمين الصحى بتوفير جميع الخدمات التشخيصية والعلاجية بجميع مستوياتها لجميع المواطنين للتمتع بخدمة شاملة بصرف النظر عن مستواهم المادى.
وأشارت إلى أهمية اقتصار ما يدفعه المواطنون على الاشتراك فقط، على أن يمنع فرض نسب من تكلفة العلاج أو الفحوص أو الأدوية؛ لأنها تعوق إتاحة الخدمة لمعظم الجمهور. وشددت على أهمية أن تكفل الدولة الأمن القومى الدوائى من خلال تطوير صناعة الأدوية وتوفيرها للمواطنين بنوعية جيدة وبأسعار فى متناول المواطنين، وتوفير هيكل أجور عادل للأطباء والفريق الصحى ضماناً لكفاءة أداء الخدمة.
الرعاية الصحية:
مادة (62)
الرعاية الصحية حق لكل مواطن، تخصص له الدولة نسبة كافية من الناتج القومى، وتلتزم الدولة بتوفير خدمات الرعاية الصحية، والتأمين الصحى وفق نظام عادل عالى الجودة، ويكون ذلك بالمجان لغير القادرين، وتلتزم جميع المنشآت الصحية بتقديم العلاج الطبى بأشكاله المختلفة لكل مواطن فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة، وتشرف الدولة على كافة المنشآت الصحية، وتتحقق من جودة خدماتها، وتراقب جميع المواد والمنتجات ووسائل الدعاية المتصلة بالصحة؛ وتصدر التشريعات وتتخذ كافة التدابير التى تحقق هذه الرقابة.
أخبار متعلقة:
د. محمد حسن خليل: الدستور يفتح الباب لخصخصة الصحة وإرساء نظام تأمين يتاجر بأرواح المرضى
«الوطن» تنشر المواد الدستورية المقترحة من المجتمع المدنى للرعاية الصحية