د. إلهام سيف الدولة حمدان: الطاهر الراهب في محراب العلم.. ما زال بيننا وسيظل

د. إلهام سيف الدولة حمدان: الطاهر الراهب في محراب العلم.. ما زال بيننا وسيظل

د. إلهام سيف الدولة حمدان: الطاهر الراهب في محراب العلم.. ما زال بيننا وسيظل

يقينا أن العلم باقٍ مستمر ما دامت الحياة، لا يفنى برحيل أهله، وكذلك العلماء الأفذاذ يبقى منتجهم العلمي حاضرا، ينتفع به عبر الأزمان، وشيخنا وأستاذنا الجليل الدكتور الطاهر مكي (رحمه الله) لم يبرحه، فهو أكسجينه وهواؤه النقي الذي يملأ رئتيه، فراح يترجم بقلمه أعظم الكتب وينثر بأحرفه أهم الأطروحات، كان يتيه عشقا بعالم الفكر والأدب العربي، والأدب الأندلسي بخاصة، فكانت أندلسيته العلامة المميزة لمشواره العلمي الممتد، الذي كان ملتحفا بالمحبة والتفاني النادر، الذي يصل إلى حد الرهبنة، حيث كان محرابها العلم، ينهل منه بنهم لا يكتفي مهما مرت السنوات.

كان يرى أن حركة الإبداع لا بد أن تواكبها حركة نقدية موازية ومتواكبة معها، وبغير هذا لن تكون للإبداعات تأثيرها المرجو منها في سبيل إثراء العقل والوجدان العربي، ومع ذلك، كان يلتمس الأعذار للجيل الجديد لأنه يكتب قبل أن يقرأ ويستوعب، ولا يعيش التجربة كاملة حتى تنضج، ولا يرى النقاد من مشهد هذه الأزمة التي يراها في مجال الإبداع بكل صنوفه وطرائقه.

وبالرغم من ذلك، كان يجنح للتعاطف مع الشعراء الثوار الذين يضعون هموم أوطانهم على أكتاف شعرهم، فنراه في هذا الصدد قد عكف على إصدار عدة كتب، منها: «امرؤ القيس: حياته وشعره»، و«دراسة في مصادر الأدب»، و«بابلو نيرودا: شاعر الحب والنضال»، كما قدم للمكتبة العربية تحقيقا شاملا لكتاب ابن حزم «طوق الحمامة»، وهو لم يكن يريد من كل هذا جزاءً ولا شكورا.

وقد استوقفتني شهادة بعض الأدباء والنقاد والكتاب حين علموا برحيله المؤلم آنذاك، ومنها ما قاله د. عادل ضرغام: «متعة أن تكون قريبا من الطاهر مكي، هو الأستاذ الكبير للدراسات الأندلسية والأدب المقارن، وله إسهام كبير في الترجمة للأدب العربي.. الخسارة التي تأتي لدار العلوم وللبحث العلمي كبيرة جدا؛ لأن رحيله هو رحيل لمجموعة من القيم، فقد كان نموذجا للعمل الجاد دون ضجيج، مؤثرا من الثبات وليس من الحركة، مؤثرا بالاستغناء وليس من خلال الطلب والسعي، وأي نظرة فاحصة لإنتاجه العلمي، سواء في التأليف أو التحقيق أو الترجمة في مجمل مناحيها، في النظرية الأدبية والأدب المقارن والمنهج النقدي، تثبت أننا أمام رمز من رموز الثقافة المصرية والعربية، رمز يشكل منهجا قائما على البساطة المملوءة بالعمق».

إلهام حمدان

وأظن أن صفة الأديب هي الصفة الأكثر تعبيرا عن مجمل إنتاجه، وإذا نظرنا إليه كإنسان، فهناك متعة كبيرة يشعر بها كل من يقترب منه، لأنه يكون في صحبة واحد من الكبار، وقد اقتربت منه في فترات.. فوجدت أمامي إنسانا عاشقا محبا للحياة، اختار من بداية حياته أن يكون فاعلا لا منعزلا، وصاحب رؤية سياسية والتزام أيديولوجي لا يحيد عنه مهما كانت المكاسب والمغانم. كل ذلك يمثله الطاهر مكي بفرادته وقيمته الكبيرة.

وما قاله الناقد عبد الهادي عباس عنه: «الراهبُ حين تبكيهِ صومعتُه!.. رجلٌ أخلص لنفسه وكبريائه، كما أخلص لأمته المصرية ونافح عنها في الأماكن كافة، ثم هو أغير ما يكون على دينه ويفهم ألاعيب المستشرقين والمبشرين الغربيين وأحابيلهم في تدمير ثقافة الأمة العربية بتدمير دينها، وهو هو نفسه الذي صادق الكثير من المخلصين منهم ولاقى احتفاءهم عند كل زيارة جديدة إلى إسبانيا أو إحدى دول أمريكا اللاتينية، ولو أنصفناه نحن كما أنصفوه هم واحتفينا بدراساته الفريدة لجعلناه رأس صناعةٍ وإمام جماعةٍ، ولأنصفنا أنفسنا ولغتنا قبل كل شيء آخر، وما نحن بمنصفين!».

واتفق معه في رأيه أن هناك بالفعل جوانب حياتية ثرية في سيرة راهب الدراسات الأندلسية تُجبرنا على أن نُلحَّ عليها لتكون وقودا للدارسين، ومنبر هداية للجادين في طلب العلم من مظانه، ويعلم تلاميذه جيدا مدى الجدية التي كان يأخذهم بها إذا توانوا أو قصروا في الطلب، واستسهلوا الحصول على النتائج الجاهزة من الدراسات السابقة دون اتباع خطة البحث العلمي والاكتواء بنيران المعرفة، نبشا في المكتبات وسهرا وراء معلومة، وما هي إلا نظرة واحدة إلى البحث ليعرفَ وتعرفَ بأي عين سينظر إليك: الرضا أو السخط، وأنت كاسب في الأولى صداقة وودا وإعانة، خاسر في الثانية زراية وإهمالا وجفاء، تود لو ابتلعتك الأرض دونه أو هوت بك الريح في مكان سحيق!.

أنقول إن صومعته، دار العلوم، تبكي راهبها الذي نذرها نفسه؟ أنقول إن الدار في مأتم لا ينقضي على أبنائها الأبرار؟ نعم نقول هذا ونشعر به، وما هو كثير بكاء الدار لأبر أبنائها وأوفاهم شبها بها وحدبا عليها، وخير من مثل شعارها: الأصالة والمعاصرة، حين أتقن الإسبانية والإنجليزية والفرنسية وترجم عنها جميعها موازاة لكتاباته عن امرئ القيس والمصادر الأدبية العربية وتحقيقاته الفريدة في بابها: «طوق الحمامة» لابن حزم نموذجا.

ترى إلى أي مدى أنصفنا هذا الرجل؟ وأنا من كنت أقترب من محرابه في حذر، كاقتراب الذرة من المجرّة التي تحتوي على تلك العوالم من النجوم والشعاعات والأقمار التي تزين وتنير مشوار حياته الحافل بكل صنوف الإبداع الصادق، الذي ينبع من نهر كالسلسبيل العذب في مجراه، يحنو على كل من يتناول الإبداع في شتى الفنون والآداب، سواء من عارفيه أو غير عارفيه، على الجيل الحالي أن يترنم بأنه عاش في زمن الطاهر مكي، سفير الإبداع الذي يأتي كأنه آتٍ من أنهار جنات الفراديس العليا.

دعاني الأستاذ الدكتور الطاهر مكي لأشارك في الكتاب التذكاري لصحيفة «دار العلوم» التي يرأسها بمناسبة بلوغه التسعين، وكم كانت سعادتي بهذا التكليف؛ فهو بحق تشريف لي وسط كوكبة من كبار الأساتذة والعلماء من الأقطار كافة، فكتبت شهادتي بكل الحب والإجلال، لكني لم أتخيل أن أرثيه وأودّعه بقلمي الذي اعتاد الاحتفاء والفخر به، والذي خطّ أكثر من دراسة لأهم أعماله مثل «طوق الحمامة» و «السير والأخلاق» لابن حزم الأندلسي، اللذين حققهما، وسلطت الضوء على جهوده المحمودة فيهما.. فوجدت نفسي أجمل كل هذه الجهود في كتاب لي صدر في ذكرى رحيله بعنوان «الطاهر الراهب في محراب العلم» بمكتبة الأنجلو المصرية، كتحية عرفان بأفضاله التي لا تُحصى.

ترى، هل يكفي انهمار سيول الدموع حُزنا على القامات والهامات، والأشجار الوارفة الظلال في حياتنا الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية والفنية التي تختطفها براثن الموت، لتتركنا تحت هجير شمس الحياة اللافحة، بعدما كنا نتدثر بكل الفخر بعباءتهم الفضفاضة طلبا للدفء والأمان للعقول والأرواح؟

عالمنا الجليل وأستاذ الأجيال ما زلت بيننا.. وستظل بيننا ما حيينا! جزاك الله خيرا جزاء ما أنفقته من سنوات عمرك من جد واجتهاد لتترك بصمتك غائرة خالدة لا يمحوها الزمن!

وسلام على روحك العظيم يا شيخنا، وسلام على العربية بعدك إذا عز العزاء.. حقًا، ليس بعد الموت فقد، ولا بعد العلم نعمة!


مواضيع متعلقة