رفعت رشاد يكتب: انفصال أوروبا عن أمريكا

شريف سليمان

شريف سليمان

كاتب صحفي

أوروبا هي الأصل، وأمريكا هي الفرع، أوروبا اكتشفت أمريكا واستوطن الأوروبيون الأرض الجديدة وقتلوا السكان الأصليين بالملايين وصارت القارتان الأمريكيتان الشمالية والجنوبية أوربيتين بالإجماع. استمرت العلاقة بين ضفتي الأطلنطي على مدى قرون، وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية كشرت أمريكا عن أنيابها وخرجت لتشارك في حكم العالم وفرضت نفسها قوة عظمى من بين قوتين عظميين هما الأولتين في التاريخ البشري.

منذ ذلك التاريخ وبعدما أنقذت أمريكا أوروبا الغربية من أيدي الألمان مرتين صارت الدول الواقعة على ضفتي الأطلنطي حلفاء وأسسوا حلف شمال الأطلنطي وخاضت دول الحلف بقيادة أمريكا الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي واستطاعت أمريكا وحلفاؤها إنهاء العقيدة الشيوعية السوفيتية وتفكيك أكبر امبراطورية عرفها التاريخ وهي الاتحاد السوفيتي بدون طلقة رصاص واحدة.

هذا السرد المخل ضروري لما هو قادم في الحديث عن الخلافات التي بدأت تظهر بين أمريكا وحلفائها بعد تولي دونالد ترامب رئاسة أمريكا. هذا الخلاف ليس خافيا بل يعرفه العالم كله، وهو ليس خلافا بين أمريكا وأوروبا فحسب، بل إن تصريحات ترامب وقراراته المفاجئة ضربت أسس علاقات عديدة مع دول العالم وأهمهم الأوروبيين الذين باتوا يدركون أن الوقت ربما حان لكي يكون لأوروبا مكانتها الحقيقية والطبيعية كقوة يمكن أن تكون عظمى باتحادها تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.

بعدما عاشت القارة العجوز عقودا تحت قيادة وكنف الأمريكان والمظلة الأمنية الأمريكية، بدأت تبحث عن خيارات جديدة وجريئة لمواجهة التحديات التي قد تفرضها القيادة الأمريكية الجديدة. بدأ القادة الأوروبيين في التفكير والتخطيط للخروج من عباءة العم سام، مقتنعين بأن ذلك قد يكون فيه الخير لهم. فالاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة يعيش فيها حوالي 500 مليون إنسان على مساحة حوالي 4 ملايين كيلو متر مربع وهي مواصفات تسمح لهذا الاتحاد لأن يكون قوة عظمى أيضا، فالناتج المحلي الإجمالي وحجم الاقتصاد الأوروبي ربما يكون في المرتبة الثالثة بعد أمريكا والصين، كما أن التسليح الأوروبي متطور ومن أوروبا دولتان تملكان الأسلحة النووية وهما فرنسا وإنجلترا.

عودة ترامب وتصرفه في مسألة أوكرانيا في حربها مع روسيا فتحا عيون الأوروبيين على ما هو قادم من تطبيق أمريكا مبدأ "أمريكا أولا"، وهو ما قد يؤدي إلى التخلي عن الدفاع عن أوروبا ومنها موافقته على التخلي عن مساحات من الأراضي الأوكرانية وهو أمر يعد سابقة قد تلحقها سوابق أخرى لدولة أوروبية، وربما يتطور الأمر إلى انسحاب أمريكي ولو جزئيا من أوروبا وتوجيه قواتها إلى جنوب شرق آسيا في مواجهة الصين.

هذه التطورات وغيرها جعلت أروقة السياسة الأوروبية تعمل على قدم وساق لبناء سيناريوهات المستقبل لمواجهة تداعيات التوجهات الأمريكية في حقبة ترامب. وربما يكون ذلك إيجابيا على أوروبا حتى تبعث من جديد كقوة عظمى متحدة تشارك في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب وهو ما قد يكون في صالح العالم والسلام العالمي.

انفصال أوروبا عن أمريكا ليس بالأمر الهين أو السريع؛ لكن كل الأمور تبدأ بخطوة واحدة في بدايتها.