أول مرة أصوم.. فتحي إمبابي: بدأت الصوم في عمر السادسة.. وعشت أحلى أيام رمضان بين قريتى في المنوفية وحي شبرا في القاهرة

أول مرة أصوم.. فتحي إمبابي: بدأت الصوم في عمر السادسة.. وعشت أحلى أيام رمضان بين قريتى في المنوفية وحي شبرا في القاهرة
يحمل الروائى الكبير فتحى إمبابى فى ذاكرته، مشاهد نابضة بالحياة من طفولته وشبابه خلال شهر رمضان المبارك، ويراه أنه (أحد رموز الحياة المصرية ذات الطابع الجميل)، وعن أبرز ذكريات الطفولة والشباب يقول الروائى الكبير فى تصريحات لـ«الوطن»: حين رحل والدى، وجدت نفسى طفلاً فى التاسعة من عمرى أنتقل من المدينة إلى الريف وهو عالم مختلف تماماً عن كل ما عرفته، انتقلنا إلى موطن ميلاد العائلة وهى قرية سدود فى المنوفية، وهناك، وسط بساط الحقول الخضراء والدور الطينية وقوافل الجاموس والحمير والغنم، بدأت أخطو فى حياة جديدة، لم يكن هناك كهرباء، ولا مواقد غاز، كنا نشرب الماء من الترع والطلمبات الجوفية، فقط طبيعة خلابة جميلة وإن كانت قاسية، وليل مظلم يخيم على الدروب لا يبدده إلا ضوء المصابيح (الجاز).
لكن وسط كل هذا، كانت القرية كلها عائلة واحدة، لا فرق بين دارى ودور الجيران، على موائد الإفطار فى رمضان، لم يكن هناك حاجز بيننا، كنا نجتمع حول الأطباق (الشهية)، نقتسم الخبز (البتاو) الساخن، ونتسامر فى ضوء القناديل، كان الدفء الحقيقى ينبع من القلوب الطيبة، حيث تأكل العائلات مجتمعة، وحيث لا أحد يُترك وحيداً.
وسط كل هذا التغيير، فإنه فضلاً عن عماتى وزوجات أعمامى وخالاتى، لم يكن هناك ملاذٌ أكثر دفئاً من حضن أمى، كانت سكنى، والسور الذى يحمى أسرتنا الصغيرة من قسوة الفقد، كنا نلتصق بها فى ليالى الشتاء الباردة، كانت لنا السند الكبير أمام الدنيا العصية على التفسير.
فى السادسة من عمرى، أصررت أن أصوم، رغم أن أمى كانت تخشى علىّ من التعب، كان الأمر أشبه بتحدٍ، كنت أراقب إخوتى الكبار، أما فيما بعد وفى قريتنا كنا نجتمع وأبناء العمومة فى الجرن وفوق كيمان الردش، نقاوم العطش، ونعد الدقائق فى انتظار صوت مدفع الإفطار، يليه الصوت الجميل لأذان المغرب، بينما أمى منهمكة فى إعداد مائدة إفطار شهية، وحين يحل الإفطار يداهمنى الفخر، لأنى عبرت أول اختبار فى زمن الطفولة، بعد صلاة العشاء نتوجه كل ليلة فى طقس جماعى إلى المنادر لختمة القرآن الكريم، نجلس والمصاحف أمامنا نرتل آيات الذكر الحكيم، فى قريتى كانت حلقات السهر واللعب بفوانيس رمضان بانتظار قدوم المسحراتى مصدر متعة لا تضاهى.
بعد سنوات وفى الرابعة عشرة من عمرى، عدنا إلى القاهرة من جديد، وجدتُ نفسى فى حى شبرا، ذلك الحى المكتظ بالطبقات الشعبية والوسطى، كنت أرى فيه مصر بأكملها، حيث المسلم والمسيحى جيران وأصدقاء، وإخوة لا فرق بين بيت وبيت، ولا مائدة وأخرى.
فى الشوارع، كان رمضان كرنفالاً حياً، يملأه الصخب والدفء فى آنٍ، الفوانيس تضىء الحوارى والمنازل، وصوت المقرئين ينساب من النوافذ حتى السحور تختلط به ترانيم الكنائس فى أيام الآحاد والأعياد المسيحية، كان الجميع يحتفل بالشهر الكريم بلا تمييز، بلا حدود، وكأن شبرا نموذج مصغر لمصر الحقيقية، مصر التى تؤمن بأن الوطن للجميع، وأن المحبة لا تُسأل عن دينٍ أو طائفة.
حين كبرت، التحقتُ بكلية الهندسة، وهناك وجدتُ نفسى وسط زخمٍ عارم، كانت السبعينات حقبة مشحونة بالحركة والوعى، الجامعة لم تكن مجرد قاعات دراسية، بل منبر للأفكار، ساحة للنقاش، وورشة لصياغة المستقبل، لم يكن الطالب مجرد متلقٍ للعلم، بل كان شريكاً فى الحلم، فى النضال، فى صناعة الغد.
العاشر من رمضان 1973: ذلك اليوم كان نبضاً فى قلب مصر، كان انتصاراً لملايين القلوب التى طالما هتفت بالحرية وطالبت بخوض الحرب لتحرير سيناء، كان إثباتاً أننا لم ننكسر، وأن روح الشعب المصرى لا تقبل بالهزيمة.
كنت فى الجامعة حين جاءت الأخبار الأولى عن اقتحام القوات المصرية خط بارليف، عن جنودنا الأبطال الذين رفعوا العلم على الضفة الشرقية للقناة، اجتاحتنا مشاعر عظيمة بالفخر، أسرعنا بالتطوع فى معسكرات الدفاع الشعبى، التى أقيمت فى المدارس وساحات الجامعات، كثيرٌ منا لم يكتفِ بالتدريب العسكرى وسافر إلى السويس، ولأن الانتصار جاء بعد زمن إحباط وسنوات من الألم مررنا به إثر هزيمة قاسية، رأينا العدو يعبث بأرضنا، وسمعنا ادعاءاته عن تفوقه المطلق، لكن فى العاشر من رمضان، تبدد كل ذلك، وتحول الألم إلى قوة، والهزيمة إلى زحف لا يُوقف لتحرير الأرض، وصرنا نشعر أن التاريخ تصنعه الشعوب العريقة.