«الفخرانى» ونادى النجوم

ارتبط ظهور اسم «حمدى الفخرانى» على ساحة المجال العام فى مصر بقضية «مدينتى»، عندما كشف التلاعب بين الحكومة وشركة طلعت مصطفى فى التعاقد على أرض المشروع. وآخر ظهور له اقترن باتهامه بتقاضى رشوة!. البداية كانت مع مكافحة الفساد بمشروع «مدينتى»، والختام جاء بتهمة فساد، وبينهما برز «حمدى الفخرانى» كواحد من أبرز نجوم ثورتى يناير ويونيو. حقيقة كان مشهداً بائساً ذلك الذى أبصرته وأنا أتأمل صور «الفخرانى» بعد القبض عليه، وأثناء نقله إلى جهات التحقيق، لكنها الدنيا!.. السؤال كيف يمكن أن يكابد الإنسان هذه التحولات فى حياته، وينتقل من موقع الفارس الثائر والمحارب للفساد إلى موقع المتهم المدان؟!.

ظنى -والله تعالى أدرى بالرجل وأعلم- أن «الفخرانى» مثله مثل كثيرين بدأوا حياتهم داخل المجال العام على الفطرة التى تعلى شأن المثل والمبادئ، وترى أن الدفاع عن قيم الحق والعدل والإصلاح بالدنيا وما فيها، وواصلوا سعيهم فى الحياة على هذا النحو، حتى دخلوا نادى النجومية. ومجتمعنا المصرى غريب فى أسلوب تعامله مع «التنجيم»، فالفاسد المخرب يمكن أن يصبح نجماً يحظى باحترام الآخرين، الذين يهابون مقامه الرفيع، ويحتفون به كلما جمعتهم الصدف أو مواقف الحياة به، دون أدنى انشغال بالسؤال عن فساده. فالشرف والأخلاق لم تعد بالعملة ذات القيمة لدى البعض، فتجدهم يحقرون الشريف، ويبجلون الفاسد، فثمة لغة واحدة ذات قيمة لدى هؤلاء وهى لغة «الفلوس والنفوذ». ويختلف الوضع إذا تمكن واحد من هؤلاء الشرفاء من النيل من فاسد، هنالك يدخل الشريف عالم النجومية، وتلك الخطوة استطاع «الفخرانى» أن يقطعها عندما نجح فى فضح الأوجه العديدة للفساد فى عقد «مدينتى»، ليدخل بعدها إلى عالم النجومية.

وعالم النجوم له قوانينه، وويل لمن تقذف به الظروف إليه، دون أن يكون لديه القدرة على حماية نفسه من مفاسده. فالنجومية هى أقصر الطرق إلى الفساد والإفساد، يدخل الشريف الذى صار نجماً إلى هذا العالم، فيعاين الحياة المخملية بكل أبعادها ومعطياتها، وقد ينسى أن جوهر «المخملية» و«الترف» فى حياة الكثيرين، يرتبط فى الأصل بالفساد، لأن الاجتهاد فى مجتمع مثل مجتمعنا يمكن أن يستر صاحبه، لكنه من المستحيل أن يغنيه أو يثريه، المجتهد يعلم ويفهم أنه لكى يعيش لا بد أن يعمل ويعرق، وجزاء العرق فى مجتمعنا ليس بالجزيل، لكن هذا القليل قد يكون منحة قدرية يؤسس عليها الفرد احترامه لذاته. تقع الكارثة عندما ينظر الشريف المجتهد إلى أعضاء نادى النجوم الذى دخل إليه، فيرى الكل يلعب بالفلوس وبمتع الحياة، فى حين لا ينعم هو بما ينعم به الآخرون، وإذا تسلط عليه الشيطان أكثر فإنه يسأل نفسه: لماذا لا أفوز بما فاز به هؤلاء.. لقد أعطيت لهذا البلد أكثر منهم؟. هنا تبدأ المحنة وينشأ التحول فينتقل الفارس الشريف من منصة الإصلاح إلى منصة الفساد. ولا نجاة لشريف فى هذا البلد إلا بفهم أن فكرة «أنا إديت لمصر.. ولازم آخد» فكرة شيطانية، لأنك عندما تعطى فإنك تعطى لنفسك، وترجو الجزاء من ربك.. فليرحمنا الله جميعاً!.