«الوطن» داخل «الخانكة».. مرضى فى «جحيم»

كتب: حسن صالح

«الوطن» داخل «الخانكة».. مرضى فى «جحيم»

«الوطن» داخل «الخانكة».. مرضى فى «جحيم»


{long_qoute_1}

لم يعودوا فى نعيم كما تقول الجملة الشائعة التى كان يرددها أغلب المصريين لوصف حال نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية.. الآن تغيرت الحال تماماً، وفى مستشفى الأمراض العقلية بالخانكة، المأساة تثبت خطأ هذه المقولة، باختصار تحولت الجملة إلى «إنهم فى جحيم»، عنابر هذا المستشفى الأكبر والأهم يتكدس بها أعداد كبيرة من المرضى كل منهم له عالمه الخاص والذى يجب أن يحترمه الجميع من أطقم التمريض والأطباء، لا تكييفات، والمراوح حالتها لا تسر عدواً ولا حبيباً، ومؤخراً وبسبب موجة الحر التى تضرب مصر بقسوة، لقى 11 مريضاً ربهم، فضلاً عن إصابة أكثر من 15 مريضاً آخرين بالإجهاد الحرارى.
تقارير مفتش الصحة، ومدير المستشفى وتحريات المباحث الجنائية، أثبتت أن أسباب هذه الوفيات طبيعية، ولم تجزم بأن الحر هو السبب الرئيسى، فى الوقت الذى اعترفت فيه وزارة الصحة بأن 3 من بين المتوفين لفظوا أنفاسهم بسبب «الإجهاد الحرارى» وموجة الحر القاسية، فى الوقت الذى اتهم فيه أهالى الضحايا، المستشفى بالإهمال والمعاملة السيئة للمرضى وحجزهم فى عنابر غير آدمية وخالية من التهوية الجيدة، الأمر الذى تسبب فى حدوث الوفاة.
وأكد عدد من أهالى المرضى المتوفين أن العنابر مكدسة بأعداد كبيرة من ذويهم وبشكل لا يطاق، حيث إن العنبر يضم أكثر من 80 مريضاً فى حين لا تزيد قدرته الاستيعابية الآدمية على 40 أو 60 مريضاً، كما أن بعض العنابر ليست بها مراوح بحجة الخوف على أرواح المرضى، والبعض الآخر به واحدة أو اثنتين على الأكثر، وهى لا تكفى لتهوية عنبر بهذا الحجم، بالإضافة للحالة السيئة للعنابر والحمامات الملحقة بها والتى تخلو من أبسط قواعد الآدمية، حيث يستحم المرضى «بخرطوم» مياه باردة فقط، بالإضافة لمزاحمة الكلاب والقطط الضالة المرضى فى عنابرهم وحماماتهم.
ورغم توافر بعض المراوح فى أسقف العنابر فإن معظمها متهالك بشكل كبير، وتحتاج إلى أن تزيد إلى الضعف، إلى جانب ضرورة دعم العنابر بتكييفات، لأن المستشفى يقع فى منطقة صحراوية تتميز بسخونة الجو فى الأوقات الطبيعية.
وفى هذا السياق قال الدكتور طارق محمود شبانه، نائب مدير المستشفى، إن الوفيات التى شهدها المستشفى مؤخراً تنوعت أسبابها ما بين الإجهاد الحرارى والسكتة القلبية، وإن عدداً من المرضى المتوفين من كبار السن وكانوا يعانون من أمراض مزمنة. وأضاف: نعانى بشكل كبير من نقص الإمكانيات، وفى الوقت نفسه أهالى المريض يقومون بإدخاله المستشفى وتنقطع علاقتهم به، لا يسألون عنه ولا يسددون المصروفات الخاصة به، ما يجعلنا نعتمد بشكل كبير على التبرعات فى مواجهة قلة الإمكانيات، موضحاً أن عدد الأطباء وعدد طاقم التمريض بالمستشفى غير كافٍ، مقارنة بعدد المرضى ومقارنة بالمستشفيات الحكومية الأخرى مثل العباسية الذى يوجد به زخم ووفرة فى عدد الأطباء. واختتم كلامه بالقول: لدينا مرضى نفسيون تحقق شفاؤهم، لكنهم يسكنون بالمستشفى بسبب ترك أهلهم لهم، وعدم وجود مكان يعيشون فيه خارج المستشفى. أما الدكتور مصطفى شحاتة، مدير المستشفى، فأكد أن المستشفى يعتبر مدينة صحية علمية كبرى لعلاج المرضى النفسيين والعقليين، مشيراً إلى اتباع جميع إجراءات السلامة سواء للمرضى أو الأغذية التى يتناولونها وحتى مياه الشرب، حيث يتم تحليل كل الأغذية ومياه الشرب التى يتناولونها بانتظام، نافياً انتشار أى أوبئة بين المرضى أو فى الأغذية الخاصة بهم، مشدداً فى الوقت نفسه على أن موجة الحر هى السبب الرئيسى فى وقوع حالات الوفاة، ورغم ذلك قمنا بواجبنا وحاولنا إنقاذهم بكل الطرق ولكن قضاء الله نفذ.{long_qoute_2}
وأضاف: فور حدوث الوفيات والإصابات تم رفع حالة الطوارئ بالمستشفى ووقف أدوية المرضى التى تتسبب فى رفع درجة الحرارة وتعديل جدول استحمامهم بالماء البارد لتصل مرات الاستحمام لـ8 مرات خلال أوقات الحر على مدار الساعة، حيث تم استخدام مصدرين للمياه لهذه العملية، كما تم عمل وحدة رعاية حرجة بمقر مركز التدريب بالمستشفى وتحويله لغرفة رعاية استغلالاً لأجهزة التكييف المزود بها وتم وضع 18 سريراً به لهذا الغرض، وأطالب بزيادة أدوية خافض الحرارة وأجهزة قياس الحرارة والمحاليل المتطورة. وأوضح مدير المستشفى أنه تلقى عشرات العروض للتبرع بمراوح جديدة وأجهزة تكييف للمستشفى والعنابر من أهالى الخير ورجال الأعمال.
ونفى مدير مستشفى الأمراض العقلية بالخانكة مسئوليته عن حالات الوفاة الناتجة عن ضربات الشمس، وقال: أنا مستعد للمساءلة أمام أى جهة رقابية، محملاً الدولة وفاتهم بسبب النقص الحاد فى عدد الأطباء، لافتاً إلى أن أعداد الأطقم الطبية بالمستشفى حالياً لا تزيد على 30 طبيباً و400 ممرض يخدمون عدداً كبيراً من المرضى. وأضاف: قمت بفتح مكتبى ومكتب طواقم تمريض المستشفى لإقامة المرضى رغم ضعف إمكانيات أجهزة التكييف بها، مستطرداً: «أنا لست مسئولاً عن موجة الحر، وغير مسئول أيضاً عن وفاة المرضى».
ووجه مدير المستشفى استغاثة عاجلة لتوفير 25 جهاز تكييف بقوة 5 حصان للمرضى النفسيين بالمستشفى، والبالغ عددهم 1500 مريض، و700 مريض نفسى من مرضى السجون، لافتاً إلى أنه تم منع الأدوية التى ترفع درجة الحرارة بالجسم خلال شهر أغسطس، الذى شهد وفاة 6 مرضى العام الماضى، فيما شهد هذا العام وفاة 11 شخصاً على مدار الشهر منهم 4 أشخاص خلال الموجة الحارة.
وقال مدير المستشفى إن مستشفى الخانكة أكبر مستشفى فى الشرق الأوسط وتخدم 30 ألف مريض متردد، و1500 مريض محتجز بها، و700 مسجون مريض نفسى، فى ظل إمكانيات ضعيفة وندرة التخصص فى أطباء الطب النفسى وحالات الإدمان والشيخوخة والأطفال المراهقين وأقسام المرضى عالية الخطورة. وأضاف أن التعامل مع المريض النفسى وتأهيله من أصعب الأمور، ضارباً المثل بقسم مثل التخلف العقلى، قائلاً: المرضى هناك يحتاجون لجهد خاص فى التعامل والخدمة، فتخيل أن المريض هناك يقوم بالتبول والتبرز على نفسه بجانب قيام بعضهم بأكل المراتب وغيرها من الأفعال غير المسئولة، والتى تحتاج أطباء وطواقم تمريض وعمال نظافة، من نوع خاص، حيث يتم تنظيف هؤلاء المرضى أكثر من مرة فى اليوم بالإضاقة لتنظيف العنبر من القاذورات على مدار الساعة. من ناحية أخرى وجهت الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان تعليمات مشددة للمستشفيات النفسية بمحافظة القليوبية، حول آليات التعامل مع المرضى النفسيين والإجراءات الوقائية اللازم اتباعها خلال موجات الحر الشديدة شددت فيها على ضرورة توفير التهوية اللازمة للمرضى والاستحمام مرتين يومياً وعدم تعرضهم للشمس فترات طويلة.
وفى سياق متصل قال مصدر بمستشفى حميات بنها إن مريضاً نفسياً من مرضى مستشفى الخانكة ضحايا موجة الحر الأخيرة والمحتجزين بمستشفى حميات بنها، غافَل طاقم التمريض والأمن وخرج من المستشفى وتمت إعادته مرة أخرى وإبلاغ الأمن بالواقعة.


مواضيع متعلقة