استحقاقات المرحلة الأولى.. إسرائيل تتنصل

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

لفت أنظار المراقبين خلال عمليات تبادل الأسرى، وخاصة السابعة منها، الرسائل السياسية الكثيفة التي ترسلها «حماس» في كل مرة إلى مختلف الأطراف، وأولها ربما الولايات المتحدة الأمريكية، ردا على دعوة ترامب إلى تهجير سكان غزة من أرضهم، حيث انطوى خطاب حماس على التأكيد الجازم بأن الغزيين هم أهل غزة وأصحاب الأرض ووارثيها والمدافعين عنها، وسوف يُفشلون أي محاولة لتهجيرهم أو دفعهم قسرا أو طوعا للهجرة من أراضيهم إلى أي مكان، وكانت الرسالة الواضحة والمختصرة أنه «لا هجرة إلا إلى القدس».

أما الرسائل الموجهة إلى الرأي العام الإسرائيلي فقد كانت ذكية، بقدر ما هي موجعة، خاصة عندما بثت المقاومة الفيديو المتعلق باثنين من الجنود الإسرائيليين الأسرى وهم يراقبون عن كثب عملية التسليم السابعة، ويعبرون بمزيد من الأمل والرجاء عن توقهم للعودة إلى أسرهم وبيوتهم، ويخاطبون نتنياهو بمزيد من الغضب طالبين منه أن يمضي بصفقة التبادل حتى نهايتها.

وقد أصابت المقاومة هدفها، إذ حرك هذا الفيديو مشاعر الرأي العام الإسرائيلي ودفع به إلى التظاهر الصاخب ضد نتنياهو وحكومته ومحاولاته التملص من استحقاقات الصفقة والتراجع عنها.

لقد كانت الرسائل واضحة فى هذا السياق أيضا وهي تقول إنّ الصفقة هي الطريق الوحيد لاستعادة الأسرى أحياء وإن العودة إلى الحرب هي الوصفة المثالية لموتهم المحتوم، أما الرسائل الأخرى فقد كانت موجهة أيضا إلى العرب، حيث بعضها يحيي الرفض العربي المعلن لخطة التهجير الأمريكية وبعضها يحذر من التواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويؤكد أنّ المقاومة حتى وإن تراجعت عن صدارة المشهد السياسي لليوم التالي للحرب، فإنها ستبقى الركن الأهم في تقرير مستقبل غزة ومستقبل القضية الفلسطينية بوجه عام، وقد أردف بعض قادة حماس تلك الرسائل بجملة من التصريحات التي تعكس رؤية الحركة لمستقبل غزة على المدى المباشر والآني وعلى المدى المتوسط والبعيد أيضا، والتي تؤكد أن لا أحد سيدير غزة مدنيا وإداريا دون موافقتها، أو دون تفاهم بينها وبين السلطة الفلسطينية.

وأن الحركة تصر على أن الإدارة في القطاع ستكون شأنا فلسطينيا خالصا، لا مكان فيه لأي تدخل إسرائيلي أو أمريكي، وأن حماس التي تؤكد استعدادها للتخلي عن الإدارة، فهي في المقابل غير مستعدة للتفريط في السيادة من الناحية الواقعية على القطاع، وهي في هذا المنطق الواثق، تستند إلى حقيقة بسيطة وواضحة، خلاصتها أنّ حماس هي القوة الوحيدة المسلحة والمهيمنة في كل القطاع، وأنّ القوة الثانية من حيث الأهمية وهي حركة الجهاد الإسلامي تمثل حليفا ثابتا ومضمونا، أما القوى الأخرى على اختلافها فهي صغيرة للغاية وغير مؤثرة على توجهات الرأي العام الفلسطيني، سواء في غزة أو في الضفة.

ولربما في هذه النقطة تحديدا تكمن العقدة الرئيسية في صياغة خطة عربية لإعمار غزة دون تهجير أهلها، إذ كيف يمكن للعرب إقناع الولايات المتحدة ثم إسرائيل بخطة إعمار مع بقاء حماس على قدرتها وسلاحها وشعبيتها فى غزة، وهو أمر يتعهد نتنياهو يوميا باجتثاثه من جذوره، ويعد جمهوره دائما بأنّه سيفكك حماس وينزع سلاحها ويحل سلطة أخرى محلها.

لعل هذه المعضلات ما تدفع نتنياهو إلى التباطؤ والمماطلة إلى أقصى حد في تنفيذ ما يتوجب على إسرائيل تنفيذه، سواء استحقاقات المرحلة الأولى، أو الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية.

ومن الواضح أنّ نتنياهو يفضل إما تمديد المرحلة الأولى بضعة أسابيع إضافية، أو الوصول إلى مرحلة انتقالية ما بين المرحلتين الأولى والثانية بما يجنبه المواجهة مع وزير المالية سموتريتش الذي يؤكد يوميا أنه سيفض الائتلاف الحكومي مع نتنياهو إذا قبل الأخير الدخول في المرحلة الثانية التي تتطلب الانسحاب الكامل من قطاع غزة ومن محور صلاح الدين والإعلان عن انتهاء الحرب، مقابل الاستمرار فى صفقات التبادل، فضلا عن الترتيبات المتعلقة بمعبر رفح والمساعدات الإنسانية والإغاثية والإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، بدءا من إزالة الركام وترميم البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية من الطاقة والمياه والصرف الصحي، والخدمات التعليمية والصحية.

في هذا السياق يبدو قرار نتنياهو تأجيل إطلاق الدفعة السادسة من الأسرى الفلسطينيين متسقا مع محاولته تمديد المرحلة الأولى على أمل أن توافق حماس على الإفراج عن مزيد من الأسرى لديها ضمن إطار المرحلة الأولى، لكن حماس تدرك يقينا أن تقليل عدد الأسرى المتبقين إلى المرحلة الثانية سيمنح نتنياهو ورقة قوة مهمة للمساومة عليها، وهي لذلك سوف تتصلب في موقفها الرافض لأي عمليات تبادل بعد يوم الخميس المقبل، وعلى الأرجح فهي لن تسلم الجثامين الأربعة التي كان من المفترض أن يتم تسليمها في ذلك اليوم، ردا على قرار نتنياهو بتأجيل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.